بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2019 ،قدم “عادل عبد المهدي” استقالة حكومته للبرلمان العراقي لتهدئة الشارع الغاضب والمنتفض على اداء الطبقة السياسية الفاسدة في العراق ،والتي فشلت في ادارة الدولة طوال الفترة الماضية ،حيث وافق البرلمان في جلسته الاستثنائية على هذه الاستقالة وذلك في الاول من كانون الاول/عام 2019، ليدخل العراق في فراغ دستور حقيقي، ووضع سياسي معقد وخطير، بعد أن تحولت هذه الحكومة الى حكومة تصريف أعمال، والتي تعتبر حكومة ميليشيات بامتياز ومرفوضة شعبياً، وهي ايرانية الهوى والتوجه ،وبنفس الوقت هي غير موثوق بها من قبل الولايات المتحدة الامريكية ولا تمثل شريكاً لها في مواجهة الارهاب، لذا فهي تعتبر حكومة ناقصة الشرعية وغير مكتملة الصلاحيات ،وهذا تسبب في  فراغ كبير في السلطة التنفيذية مع فقدان الجدية في التعامل مع ملفات شائكة وصعبة.

أن تنحى محمد توفيق علاوي المكلف بتشكيل الوزارة في الثاني من مارس/اذار عام 2020، زاد الوضع السياسي العراقي تأزماً وتعقيدا، بسبب عجزه وعدم قدرته في الحصول على الدعم البرلماني اللازم لتمرير تشكيلته الوزارية المقترحة، لكثرة الخلافات السياسية ،وصراع المصالح والنفوذ بين الكتل والاحزاب السياسية ،وخاصة البيت الشيعي الذي يعاني من خلاف داخلي، وانقسام حاد ،وتفكك كبير وخاصة بعد مقتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس”، الأمر الذي أدى الى تفجر الخلافات الداخلية بشكل غير مسبوق، والذي نتج عنه فشل الطائفة في الاتفاق على مرشح توافقي لرئاسة الوزراء، بسبب التمسك بالمحاصصة الطائفية ،والتدخلات الخارجية التي زادت الاوضاع السياسية تعقيداً ،علماً إن الشارع المنتفض كان رافضاً لترشيحه، حيث مُنحت الكتل الشيعة مهلة دستورية جديدة لاختيار مرشح جديد وانتهت المهلة المتاحة للأحزاب الشيعية دون التوافق على مرشح جديد بديلاً لعلاوي ، مما جعل رئيس الجمهورية يعلن تكليف محافظ النجف الاسبق “عدنان الزرفي” بتشكيل الوزارة الجديدة، حيث فشلت جميع المحاولات في التوافق على مرشح مقبول من قبل جميع الاطراف، بما فيها اللجنة السباعية التي شكلتها الاحزاب والكتل الشيعية للخروج من هذا المأزق المعقد.

إن التحديات التي تواجه رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الوزارة الجديدة “الزرفي” هي تحديات خطيرة وكبيرة جداً، ,انه سيواجه صعوبات كبيرة في تمرير تشكيلته الوزارية، ومنها رفض الشارع المنتفض لترشيحه ،بالإضافة الى رفضه من قبل الميليشيات المسلحة الموالية لإيران التي باتت تشكل تهديد خطير على استقرار العراق وأمنه، بسبب سيطرتها على مفاصل حيوية وحساسة داخل الدولة العراقية بما فيها المؤسسة الامنية والعسكرية، حيث شنت الأجنحة المسلحة التابعة لهذه الميليشيات والموالية لطهران هجوماً شديداً وحاداً على “الزرفي”، حيث هدد القائد العسكري لميليشيا “العصائب جواد الطليباوي” بأنه لن يسمح بتمرير حكومة “الزرفي”، وهدد “بقلب عاليها سافلها” وأنه جاء ضمن مؤامرة امريكية يشاركه في هذا الموقف العديد من الميليشيات التي انتابتها حالة من الخوف والهلع من “الزرفي”، كما أصدرت ثمانية فصائل تابعة لميليشيات الحشد الشعبي بياناً هاجمت فيه رئيس الوزراء المكلف “عدنان الزرفي” ورئيس الجمهورية “برهم صالح” في محاولة لابتزازه، كما وصفت الزرفي بـ “العميل” ،وبنفس الوقت هددت هذه الميليشيات” بتحويل أرض العراق وسمائه إلى جحيم على القوات الأميركية” ،وهذا يعني إن الميليشيات ستخوض صراع داخلي ضد الشركاء ضمن الطائفة الواحدة، وصراع خارجي ضد الولايات المتحدة الامريكية، الامر الذي سيحول العراق الى بؤرة وساحة صراع لا مصلحة له بها.

إن السؤال الذي يجب أن تجيب عنه قيادة الميليشيات هو :أنها كيف تستطيع أن تدير هذا الصراع على المستوى الداخلي ،والخارجي في وقت واحد؟ لأنها هددت “بقلب عاليها سافلها” بالداخل في حال تم تمرير حكومة “الزرفي” كما هددت “بتحويل أرض العراق وسمائه إلى جحيم على القوات الأميركية” وهنا نقول ما هي القدرة العسكرية لهذه الميليشيات على أطلاق هذه التهديدات ؟التي ستؤدي الى خلق بؤر توتر جديدة واحتمال الاقتتال الداخلي، وما هو الموقف الرسمي للحكومي منها؟ وأين ستقف القوات المسلحة العراقية في حال تم تمرير الحكومة ؟ علماً إن الحكومة يبدو أنها استسلمت بشكل كامل لإرادة هذه الميليشيات التي بدت تتحكم بجميع مجريات الامور ومنها تشكيل الحكومة القادمة ،من خلال فرض ارادتها وقدرتها ومنع تمرير التشكيلة الوزارية لحكومة “الزرفي” التي ستعاني في حال تم تمريرها من سطوة وهيمنة هذه الميليشيات على القرار الحكومي، كما ستعاني في كيفية التعامل معها لكبح جماحها ،وحصر السلاح بيد الدولة.

لقد كان الموقف الايراني واضحاً وجلياً من تكليف “الزرفي” بتشكيل الحكومة القادمة خاصة بعد زيارة قائد فيلق القدس “اسماعيل قاأني” للعراق الذي أجرى سلسلة من الاجتماعات مع الاحزاب والكتل السياسية وقادة الميليشيات ،لوضع استراتيجيات جديدة للعمل في المنطقة ،وجمع الشتات ،وإيجاد الحلول والمخارج للخلافات الداخلية ضمن البيت الشيعي، وتصعيد العمل العسكري ضد القوات الامريكية ، وتوحيد المواقف لمرشح رئاسة الوزراء ،في خطوة واضحة ودليل قاطع على التدخل الايراني السافر في الشأن العراق الداخلي ،وهي بهذا ترسل رسائل متعددة لجميع الاطراف بأن تقول لن ننكفأ الى الداخل بعد مقتل “سليماني”، ولن نتخلى عن حلفائنا وعن العراق لأمريكا ،حيث رفضت ايران تمرير حكومة “الزرفي” لرئاسة الوزراء حسب تصريح “عزت الشابندر” الذي لم يقل لنا ما دخل ايران بتشكيل الحكومة العراقية ! وما هي الصفة القانونية لتدخلها هذا؟ ولماذا صمت الجميع؟.

لقد تباينت المواقف في البيت الشيعي بين متحفظ ورافض وموافق لتكليف “الزرفي” حيث رفضت بعض الاحزاب الشيعة والميليشيات المسلحة التابعة لإيران تكليفه وأتهمته بأنه من ضمن المحور الامريكي ، الذي يضم رئيس الجمهورية “برهم صالح” ومدير جهاز المخابرات “مصطفى الكاظمي”، حيث أصدرت أربع كتل سياسية شيعية بياناً رافضاً لهذا التكليف، قالت فيه: بأنها ستستخدم جميع الطرق والوسائل القانونية والسياسية والشعبية لإيقاف هذا الامر ،وهي كل من: ائتلاف “دولة القانون” ولديها (26) مقعد ، وتحالف “الفتح” ولديه (48) مقعد ،وكتلة “العقد الوطني” ولديها (18) مقعد، وكتلة “النهج الوطني” ولديها (8) مقاعد، بالإضافة الى “تيار الحكمة” الذي انتقد الالية التي تم بها هذا التكليف، والذي لم يكترث للقوى الأساسية في الساحة السياسية، علماً إن لديه (19) مقعد ،من مجموع (329) مقعد، وقد حمل تحالف “الفتح” بزعامة “هادي العامري” رئيس الجمهوري المسؤولية الكاملة عن تداعيات تكليف “الزرفي”، الذي جاء خارج سياقات الكتلة الأكبر ،معتبراً إياها بأنها خطوة استفزازية، بينما أعتبرها “قيس الخزعلي” بأنها تعرض السلم الأهلي للخطر ،ولا يمكن أن يسمح بتمريره.

يبدو إن الخلافات الشيعية والمنافسة الداخلية تزداد ضراوة بين المرشحين في التنافس على رئاسة الوزارة ، وكذلك بين الميليشيات حول اختيار مرشح توافقي يكون مقبولاً من جميع الاطراف، حيث جرت هناك سلسلة من الاجتماعات بين الاحزاب والكتل السياسية لترشيح مجموعة من الاسماء التي تحظى بتوافق الجميع ،في خطوة رافضة لتولي “الزرفي” لرئاسة الوزراء ،الذي يواجه معارضة شرسة من قبل الاحزاب والميليشيات التابعة لإيران ،ومن يراقب البيان الذي صدر من قبل الميليشيات الثمانية (ميليشيا عصائب أهل الحق، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، كتائب الامام علي، حركة الاوفياء، سرايا عاشوراء، حركة جند الامام، سرايا الخراساني)والتي عبرت عن استيائها من دعم البرلمانيين لمرشح الاستخبارات الامريكية “الزرفي” والمتهم بالفساد ،ودعتهم الى “الاعتذار والتراجع من أجل أفشال المؤامرة” وهذا يبين بشكل واضح صعوبة تمرير حكومة “الزرفي” وسط التهديد باستخدام السلاح لمنع هذا التكليف، وهناك مطالبات “للزرفي “بالاعتذار والتنحي عن تشكيل الوزارة، ولا أعرف ما قانونية هذا الطلب والاعتراض على ترشيح “الزرفي” ضمن السياقات القانونية والبرلمانية والدستورية ! علماً إنه كان جزء من النظام السياسي الحاكم منذ عام2003 ومرفوض من قبل الشارع المنتفض .

إن من يراقب ويدقق في البيان الصادر عن هذه الميليشيات الثمانية، يجد غياب واضح لأكبر وأقوى الميليشيات من ناحية التجهيز ،والتسليح ،والتنظيم ،والتبعية لإيران ،مثل حزب الله العراق ،وميليشيا سرايا السلام التابعة “لمقتدى الصدر” الذي ضاعف من أخطائه وكشف عن وجهه الحقيقي التابع لإيران، بالإضافة لميليشيا فيلق بدر بزعامة “هادي العامري” الذي يقود الحراك السياسي تحت مسمى تحالف “الفتح “،مع ظهور ميليشيات بأسماء جديدة تبنت العمليات الهجومية ضد القوات الامريكية مثل “عصبة الثائرون”، في خطوة للتنصل من عائدية هذه الميليشيات الى هيئة الحشد الشعبي ،وبيان عدم شرعية الهجمات الامريكية في استهداف الميليشيات، كما أنه يعكس الخلاف الكبير على المستوى العسكري بين هذه الميليشيات ورؤيتها السياسية على المستوى الداخلي، كما حدث في ترشيح البديل لأبو “مهدي المهندس” واختيار مرشح توافقي لرئاسة الوزراء ،وهذا يعكس تبيعة قرار هذه الميليشيات لمرجعيات دينية خارجية ،وداخلية لا علاقة لها بالتسلسل الهرمي لمنظومة القيادة والسيطرة التابعة للقوات المسلحة العراقية ،مما يجعل أمكانية الصراع بينها كبيرة في حال اختلفت الرؤى والنوايا ،ولكن مع هذا تبقى ايران بمثابة الضابط الخارجي لهذه الميليشيات وايقاعها بما يخدم المشروع الايراني في المنطقة.

إن موقف الاحزاب الكردية وخاصة الحزبين الرئيسيين(الحزب الديمقراطي الكرستاني- الحزب الاتحاد الوطني الكردستاني)من تشكيل الحكومة في بغداد ثابت ولا يتغير من يعطي أكثر ويعيد الامتيازات التي فقدتها حكومة كردستان بعد الاستفتاء عام2017،ستوافق عليه أي من يدفع أكثر، بغض النظر عن مصلحة العراق وما يمكن أن تؤول اليه الامور ،أما السنة فقد فقدوا القدرة على التأثير في القرار العراقي ، وأصبحوا تبعاً للأجندة الخارجية، فمنهم مع المحور الايراني ،ومنهم مع المحور الامريكي ،وما يهمهم سوى مصالحهم الشخصية، ولو سألت المكون السني ماذا قدموا لكم السياسيين طوال الفترة الماضية؟، ستجد الجواب لقد فشلوا في كل شيء حتى في الدفاع عن أهلهم.

إن ترهل النظام السياسي في العراق وفساده انعكس بشكل كبير على العلاقة بين الشعب والطبقة السياسية الحاكمة ،فهناك شارع ناقم وغاضب وفاقد للثقة بكل شيء حكومي ،ورافض لهذا النظام بر مته والذي فشل في ادارة البلاد على جميع المستويات، بعد أن سقطت كل الشعارات التي كانت تنادي بها الطبقة السياسية الحاكمة، من الديمقراطية ،والتداول السلمي للسلطة ،وحرية التعبير ،وما الى ذلك ومما زاد المشهد العراقي تعقيداً هو انتشار فيروس “كورونا” ،مع عدم قدرة الدولة على مواجهة هذه الكارثة الصحية، بعد أن وصلت الكتل والاحزاب السياسية الى انسداد كامل في الافق السياسي، وتناحر بين الشركاء في العملية السياسية بسبب الصراع على المصالح والنفوذ ،وأصبحنا أمام كارثة صحية حقيقة مصحوبة بقلة الموارد المالية ،وانخفاض أسعار النفط في الاسواق العالمية بشكل غير مسبوق، مع هجمات طالت الشركات النفطية الاجنبية في جنوب العراق من قبل الميليشيات التي تعمل خارج إطار الدولة ،مما جعل صانع القرار أمام خيارات صعبة ومعقدة، ومراكز قوى متعددة تتحكم بالأمور خارج أطار الحكومة والدولة ،لذا فالجميع أمام خيار تمرير حكومة “الزرفي” وهذا يعني أننا قد نكون أمام تصعيد عسكري خطير ستقوم به الميليشيات ،وإذا فشل الزرفي في تشكيل الحكومة فهذا يعني أننا سنستمر في دوامة الانفلات والفوضى السياسية والامنية العارمة في البلاد، وسيتحول العراق الى ساحة صراع مفتوحة مع هيمنة كاملة على القرار من قبل الميليشيات التابعة لطهران.