نظير الكندوري

 

في خضم انشغال السياسيين العراقيين منذ عدة أشهر، في دوامة إيجاد البديل المناسب لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، تتسلل إلى البلاد كارثة ماحقة ربما هم في غفلة عنها، ستعصف بالبلاد والعباد، وستأتي على ما تبقى في الدولة العراقية من مؤسسات تستطيع أن تستمر بها.

منذ بداية الازمة السياسية المستمرة حتى الان، والمتعلقة باختيار خلف لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي الذي استقال من منصبه في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2019، لم تكن الأوضاع الاقتصادية بالشكل الذي يحقق جميع أحلام وطموحات السياسيين في الاستيلاء على المال العام. واستمرت الازمة الاقتصادية وتداعياتها مع استمرار التظاهرات الشعبية الاحتجاجية التي بدأت في الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2019، لتشكل ضغطا سياسيا واقتصاديا على النظام السياسي الحاكم في العراق، وتزيح موضوع إيجاد الحلول للازمة الاقتصادية بعيدا، إلى أسفل سلم أولويات ذلك النظام، لان الأزمة التي يعيشها النظام والناجمة عن ضغوطات التظاهرات الاحتجاجية، هي أكبر من كل الازمات التي مر بها هذا النظام، لأنها شكلت أكبر تهديد وجودي للأحزاب الحاكمة منذ 2003 حتى الان.

 

تحديات كورونا لم تكن في الحسبان

وفي هذه الاثناء ومع انشغال السياسيين بإيجاد الحلول للازمة المركبة التي فرضتها الاحتجاجات الشعبية، واستقالة الحكومة والاقتصاد المتضعضع، جاء مؤثر أمني سياسي كبير ليزيد الحالة السياسية قتامة فوق قتامتها، حينما أقدمت الولايات المتحدة على قتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني وأبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي والمتحكم به فعليا في العراق، ردا على استهداف المليشيات لجنود أمريكيين في قاعدة التاجي، لتفتح الصراع الإيراني – الأمريكي على أوسع ابوابه في الأرضي العراقية. لكن الذي أحدث فارقا نوعيا في التأثيرات السلبية على البلد وبشكل غير مباشر، ولم يكن يحسب له حساب في خلد السياسيين العراقيين، هو انتشار جائحة كورونا في العالم، ووصوله إلى العراق عبر الجارة إيران، ليدخل العراق رسميا في سجل الدول التي تعاني من انتشار هذا الوباء. وأثر انتشار هذا الفيروس القاتل، في وضع تحديات على دول العالم، ليست صحية فحسب، إنما تحديات بالغة الضرر على الاقتصاد العالمي، وأدخله في ركود ربما يصل قريبا في ذروته، لمرحلة تفوق الازمة الاقتصادية التي حدثت عام 2008، والتي ما زال العالم يعاني من تداعيتها حتى الان.

حالة الركود الاقتصادي التي مر بها العالم، أثَّرت بشكل بالغ على أسعار النفط كنتيجة مباشرة لتوقف المصانع والتجارة العالمية عن نشاطها بسبب هذا الفيروس، الامر الذي جعل الطلب العالمي على النفط في أقل حالاته، فكانت النتيجة الحتمية انخفاض أسعار النفط بشكل سريع، أشبه ما يكون بالسقوط الحر لأسعاره العالمية. وقد زادت من حدة تهاوي الأسعار تلك، حرب الأسعار التي استعرت بين المملكة السعودية وروسيا، فكانت النتيجة أن وصلت أسعار النفط لمستويات قياسية في هبوطها.

وسط هذه الحالة الاقتصادية المتردية عالميا، وجد النظام السياسي العراقي، نفسه عاريا في مواجهته لها، وهو الذي جعل من الدولة العراقية، معتمدة بشكل شبه كامل في إيراداتها من العملة الصعبة، على موارد تصدير النفط الخام للعالم. وبنى جيشا من الموظفين، يعتمدون في مرتباتهم على ما يأتي من تصدير النفط.

 

النظام العراقي يتحدث عن الازمة

لا يوجد وصف أكثر صدقا من وصف من هم بالعملية السياسية، حينما يتحدثون عن هذه الكارثة التي حلَّت بهم. ففي هذا الشأن، قال النائب جمال كوجر عضو اللجنة المالية النيابية في البرلمان العراقي، إن “قيمة صادرات النفط حاليا، تؤمن نصف ميزانية الرواتب فقط.‏ حيث تبلغ قيمة رواتب موظفي الدولة 48 تريليون دينار سنويا، بينما حجم ‏الإيرادات المالية المتوقعة لبيع النفط بأسعاره الحالية، ستؤمن ما يقارب إلى 20-24 تريليون ‏دينار فقط.” وأضاف، “من الممكن أن نحصل على اكثر من 10 تريليونات، إذا ضبطنا ملف المنافذ ‏الحدودية، لأن بعض المنافذ تخضع لسيطرة المليشيات”.‏ وإذا ما علمنا أن الدولة غير مسيطرة على تلك المليشيات، فإنه من غير الراجح أن حكومة عبد المهدي المستقيلة، أو أية حكومة قادمة حكومة قادمة، تعزيز ميزانيتها من جمارك المنافذ الحدودية المسيطر عليها من قبل المليشيات.

 

حلول حارثية

وفي إطار الحلول التي تريد حكومة عبد المهدي تنفيذها، ذكر المستشار المالي لرئيس الوزراء المستقيل، مظهر محمد صالح، الخيارات المتاحة للعراق لمواجهة الوضع المالي الجديد في العراق، بعد هبوط أسعار النفط، إحداها هو العمل على طباعة عملة عراقية بدون غطاء لتلافي الأزمة. وبالتأكيد أن موضوع طبع عملة عراقية بدون غطاء من الذهب أو الدولار، سوف يدخل العراق بأزمة مالية عظمى، وسيرفع التضخم لمستويات قياسية مشابهة لما حدث في التسعينات حينما عمد النظام السابق لاتخاذ ذلك الاجراء، للتغلب على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه. الأمر الذي أكد ما جاء به مستشار عبد المهدي، هو ما كشفت عنه خلية المتابعة، في مكتب رئيس الوزراء، حينما قالت، أن الحكومة ربما ستلجأ لطباعة العملة كخيار أخير، لضمان توفير رواتب نيسان.

ولتعزيز هذا التوجه الكارثي الذي يتبناه المسؤولون الحكوميون، ولإعطاء المبررات اللازمة لاتخاذ هذه الخطوة الكارثية، قال رئيس الخلية مصطفى جبار سند، إن “واردات العراق بعد انخفاض أسعار النفط ستبلغ ملياري دولار شهريا فقط، يذهب منها مليار دولار لشركات جولات التراخيص ويبقى لخزينة الدولة مليار دولار فقط، فيما تبلغ قيمة رواتب الموظفين 3 مليار دولار ونصف”. ونوه “سند” إلى مشكلة يعاني منها النظام العراقي، هي أن البنك الدولي لديه شروط فيما إذا أراد تقديم قروض للعراق، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، هي أن لا يتم صرفها على الموازنة التشغيلية، بمعنى إن موضوع الرواتب سيبقى مشكلة غير قابلة للحل حاليا، يستند صندوق النقد الدولي في شروطه تلك، الى دراسة مهمة قام بها الصندوق نفسه حول العراق، تبين له فيها، وجود اكثر من 250 ‏الف موظف يستلمون عدة رواتب في آن واحد ويكلفون ميزانية البلاد اكثر من 18 مليار ‏دولار سنويا.‏

بنفس المعنى أفصحت صحيفة “نيويورك” تايمز الامريكية، عن رؤيتها حول مدى تأثير انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد العراقي، تزامنا مع عدم تشكيل حكومة جديدة، وتفشي فيروس كورونا، في البلاد. حيث جاء في تقرير لها، “أن فرض حظر التجول لمحاولة مكافحة تفشي الفيروس، أدى لإغلاق المحلات التجارية، وفقدان أغلب العاملين غير الحكوميين لوظائفهم” ونقلت الصحيفة، عن “فاتح بيرول” المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، إن “العراق أكثر الدول تأثرا، لأنه ليس لديه احتياطيات مالية، ولأن 90% من عائداته تأتي من النفط، وكل هذه الضغوط الاقتصادية تأتي في بيئة سياسية متوترة للغاية بالفعل”.

 

أسئلة بديهية مشروعة

ومن هذا يأتي السؤال البديهي للمكلف الجديد بتشكيل الحكومة الجديدة، مصطفى الكاظمي، كيف سيتسنى له التخلص من هذه المشكلة المالية في البلاد؟ وإذا كان – فعلا – عازما على ذلك، فهل بإمكانه توقيف الهدر المالي الكبير بسبب فساد الأحزاب الحاكمة؟ هل باستطاعته غلق المكاتب الاقتصادية للأحزاب؟ هل بإمكانه حل المليشيات التي تستنزف الخزينة العراقية، وتستولي على إيرادات الجمارك في المنافذ الحدودية؟ هل لديه القدرة على وقف الاستنزاف المالي الذي تقوم به إيران من خلال صادراتها فاقدة القيمة الى العراق، وتتعمد تعطيل الصناعة والزراعة العراقية؟ كلها أسئلة من المرجح أن الكاظمي ليست لديه إجابات عليها، بل ليست لديه القدرة على مواجهة الذي يتسبب في هذا الاستنزاف المالي الذي يعاني منه البلاد.

 

خاص براسام