تمر علينا في كل عام ذكرى الغزو الامريكي- البريطاني للعراق ،حيث حلت علينا في الشهر ذكرى السابعة عشر للاحتلال والغزو البربري الذي قادته الولايات المتحدة الامريكية خارج الشرعية الدولية وبتواطؤ عربي ، وغربي ،وعراقي ،حيث صرحوا وقالوا بأن هذه حرب قصيرة ،وتهدف للإطاحة بنظام الحكم في العراق الذي يمتلك اسلحة التدمير الشامل، ولكن ما إن بدأت الحرب في 19 مارس/أذار عام2003حتى تغيرات التوقعات والحسابات ،فقد استخدمت في هذه الحرب القوة العسكرية المفرطة والمدمرة (استراتيجية الصدمة والترويع)،لإنجاز هدفهم الذي أعلنوه وقد تمكنوا من ذلك في9أبريل/نيسان عام2003حتى فقدوا السيطرة على أدارة وقيادة الحرب بل فقدوا القدرة على التحكم بها فضلاً عن أنهائها ،لذا فلم تكن قصيرة كما صرحوا وكانوا يتوقعون، بل أغرقت المنطقة كلها بالفوضى، ومزقت العراق ،والمنطقة ،وما زالت تداعيات الغزو وأثاره السياسية ،والاقتصادية، والعسكرية، والاجتماعية مستمرة الى يومنا هذا ،حيث مر العراق خلال هذه السنوات الطويلة بالكثير من المحطات، والمحن، والظروف العصيبة، وتحول البلد لساحة لتصفية الحسابات بين المخابرات الاجنبية التي حولت البلد الى حالة من الفوضى الشاملة، التي شملت جميع المستويات، وأصبح العراق ساحة للتدخلات الخارجية.

 

إن فشل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا في تمرير قرار من مجلس الامن يبح لها استخدام القوة العسكرية ضد العراق ،جعلها تلجأ الى شرعية الغاب، والتفرد باتخاذ القرار لغزو العراق خارج اطار الامم المتحدة، في مخالفة صريحة للقوانين الدولية، ومنها دستور الامم المتحدة ،بعد إن أصدر مجلس الامن القرار الرقم(1441)الذي دعا الى عودة لجان التفتيش عن الاسلحة الى العراق، وفي حالة رفض العراق التعاون مع هذه اللجان فأنه سيتحمل “عواقب وخيمة “،ولم يذكر كلمة استعمال القوة في القرار ،كما إن “البند الرابع” من “المادة الثانية” للقوانين الدولية ينص على أنه” لا يحق لدولة عضو في الامم المتحدة من تهديد أو استعمال القوة ضد دولة ذات سيادة لأغراض غير أغراض الدفاع عن النفس” وقد صرح “كوفي عنان” الامين العام للأمم المتحدة بعد غزو العراق واحتلال بغداد “بأن الغزو كان منافيا لدستور الامم المتحدة” وهذا يجعلنا نقول بأن هذه الدوائر والمؤسسات بنيت لتمرير قرارات الدول الكبرى التي تتفق مع توجهاتها ورؤيتها ،وفي حال فشلت في ذلك فأنها تضرب بها وبشرعيتها وقوانينها عرض الحائط ، كما حصل في غزو العراق الذي جاء خارج الشرعية الدولية.

لقد جمع الاحتلال ودوائره المخابراتية ،والاستخبارية الكثير من شذاذ الافاق والعملاء من دول كثيرة ، ليشكل منهم ما يسمى “المعارضة العراقية” لتبرير جريمة العصر ،وإعطائها الشرعية التي يحتاجونها أمام العالم والرأي العام لغزو العراق، حيث وظف الاحتلال الكثير من الدول التي ساعدته في غزو العراق ، واستطاعت الولايات المتحدة الامريكية أن تحصل على تأييد ضم (49)دولة، أطلقت عليه “ائتلاف الراغبين” ورفعت شعارات رنانة لحملتها العسكرية ،ومنها تجريد العراق من أسلحة التدمير الشامل ، والاطاحة بالدكتاتورية، وجلب ونشر الديمقراطية، وحقوق الانسان، وأنها جاءت لبناء نظام سياسي ديمقراطي مثالي في المنطقة على اسس عادلة، وأطلقوا على هذه العملية المدمرة “حرب الخليج الثالثة” أو “عملية تحرير العراق” أو “عملية حرية العراق” بعد أن أخفوا نواياها الحقيقة القذرة وأطماعهم في خيرات هذا البلد ،والتي لن يتم الحصول عليها ألا من خلال تدمير العراق واخراجه من موازين القوى في المنطقة ، وتحويله الى دولة فاشلة لصالح الكيان الصهيوني وايران ولصالح مشروعهم في المنطقة، وهذا يتطلب تدمير جميع مؤسسات الدولة العراقية، وسرقت ممتلكاتها، فأقدموا على تدمير وتفكيك المؤسسة الامنية والعسكرية، ليتحول العراق الى فوضى عارمة، سرعان ما انتشرت تداعياتها الى أغلب دول المنطقة، حيث انتشرت الجريمة، وفقد الامن والاستقرار ،وسرقت البنوك والمتاحف ،وأحرقت الوثائق ،وفتحت الدوائر الحكومية للنهب والسرقة، تحت أنظار القوات الغازية ،ولم يحافظوا على شيء في العراق غير مبنى “وزارة النفط العراقية” ومؤسساتها بما تمليه عليهم خططهم وأهدافهم الاستراتيجية من هذا الغزو.

لقد أطلق العملاء الذين جاءوا على الدبابات الامريكية على يوم9نيسان عام2003،”عيد التحرير” ،وتقدموا الى مجلس الحكم والى الحاكم الامريكي بمشروع يعتبر هذا اليوم عطلة رسمية وعيداً وطنياً، ولكن اندلاع المقاومة العراقية جاء سريعاً ضد الاحتلال الامريكي ،مما شكل للجميع مفاجأة غير متوقعة لهم ولأسيادهم ، الامر الذي أفسد هذه المناسبة ،لأنهم كانوا يتوقعون بأن الاوضاع استتبت لهم وأنتهى الامر خصوصاً بعد صدور القرار (1483)، عن مجلس الامن بتاريخ23أيار عام2003،والذي أباح شرعية الاحتلال وأضفى عليه الشرعية الدولية، وكان المحتلين يعتقدون ويتوقعون هم و الكثير من المتابعين والمراقبين لتطورات الاحداث بأن الحروب التي مر بها العراق في الفترة السابقة كثيرة، بدأت منذ عقد الثمانينات باندلاع الحرب العراقية الايرانيةعام1980،وانتهت عام1988، والتي تسمى “بحرب الخليج الاولى” والتي استمرت “لثماني سنوات” ثم تلاها دخول العراق الى الكويت عام1990،وانطلاق “حرب الخليج الثانية” (عاصفة الصحراء) ثم فترة الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرض على شعب العراق ،والذي رافقه حظر جوي في شمال وجنوب العراق، والذي استمر الى “حرب الخليج الثالثة” التي أحتل العراق بموجبها، يضاف الى هذا كله الشحن الطائفي الذي قسم البلاد على اساس عرقي وطائفي، الامر الذي كانت تدفع به تيارات سياسية داخلية وحكومات بعض الدول المجاورة مثل ايران ،والكويت، التي جندت الالاف من العراقيين لوكالات المخابرات والاستخبارات الامريكية، والايرانية، يتوصل لنتيجة تقول: بأن هذه والعوامل ،والظروف ،والحروب تقود لقناعة بأن هذا الشعب الذي تعرض لهذه المآسي لن يقوى على مواجهة قوات الاحتلال الامريكي- البريطاني المدججة بالسلاح والتكنلوجيا المتطورة، الذين كانوا يرومون البقاء في العراق لفترة طويلة ،ولن تكون هناك مقاومة ضدهم ،كما أفهمتهم الكثير من الشخصيات المعارضة أمثال الجلبي وغيره.

إن سرعة انطلاق المقاومة العراقية قلبت الحسابات الامريكية ،وبددت مشروعهم في العراق ،وتلاشت حساباتهم التي كانت مبنية على تقادير ومواقف خاطئة تفتقر الى الموضوعية والواقعية عن الشعب العراق وطبيعة تكوينه ،حيث كانت المفاجأة بانطلاق اسرع مقاومة في التاريخ، وقبل أن تستقر القوات العسكرية المحتلة في دخولها لبغداد بدأت العمليات العسكرية للمقاومة العراقية ضد القوات الامريكية، ثم توالت العمليات وتطورت وانتشرت كالنار في الهشيم ،فقضت مضاجع المحتلين والعملاء ،وإعادة حساباتهم للصفر ،وكبدتهم خسائر كبيرة في الارواح والمعدات، وكانت أول المعارك المباركة والمباشرة مع المحتل في “فلوجة العز” والتحدي عام 2004،ثم عام2005،ليشتعل العراق تحت أقدام الغزاة ،لتسجل المقاومة العراقية صفحات مشرقة من البسالة والشهامة في مقارعة الاحتلال، في بغداد الرشيد ،و الانبار ،والموصل الحدباء ،وصلاح الدين ،وديالى ،وسامراء ،وكركوك ،وحزام بغداد ،لتثبت المقاومة قدراتها القوية في أدارة الصراع بما تمتلكه من امكانيات بسيطة، رغم الاختلال الكبير في موازين القوى ،حتى بلغت الخسائر الامريكية(4487)قتيل، وجرح ما يقارب(32)ألف جريح ،مع تدمير كبير ومخيف للألة العسكرية الامريكية ، كما فقدت القوات البريطانية(179)قتيل، بينما قتل من قوات التحالف الدولي(139)قتيل، علماُ إن الاكراد والشيعة حسموا موقفهم بالوقوف مع مشروع الاحتلال السياسي. 

 لقد استمرت المقاومة وتداعت المناطق السنية شبابهم، وشيبهم ،كبيرهم، وصغيرهم وحتى نسائهم التي شاركتهم هذا الفخر وهذا العز عندما تحملت كل الظروف الصعبة التي عانت منها هذه المناطق ،وخاصة الاعتقالات والمداهمات العشوائية دون ذكر الاسباب لهذه الاعتقالات ،حيث ملئت السجون وفتحت سجون جديدة للديمقراطية الامريكية البريطانية، التي اباحت التعذيب حيث أطلقت عدة اسماء لبرامج التعذيب الامريكية السوداء ومنها ” النحاس الاخضر” ،والتي أطلقت بموافقة مباشرة من وزير الدفاع الامريكي “دونالد رامسفيلد” وتوالت جرائم التعذيب، والاغتصاب، والترويع في سجن “أبي غريب” كما استخدمت الاسلحة المحرمة دولياً “كالفسفور الابيض” و”النابالم” بالفلوجة، وسامراء ،والموصل، للحد من قدرة المقاومة وإجبارها على الاستسلام ، حيث تسببت القوة المفرطة التي استخدمها الاحتلال بتدمير هائل، وظهور حالات للتشويه الخلقي للأطفال حديثي الولادة ،وظهور الامراض السرطانية التي لا زالت تعاني منها هذه المدن الى يومنا هذا.

لقد حاول الاحتلال بمساعدة ايران أن يلعب على وتر اثارة الطائفية، لأشغال المقاومة وأضعافها وتخفيف حدة عملياتها ضد القوات الامريكية، من خلال أشغالها بمعارك وأهداف جانبية، ليس من أولوياتها في هذه الفترة الحرجة، التي تستوجب توحيد الصفوف لمواجهة المحتل الغازي، حيث تم تفجير المرقدين العسكريين “بسامراء” عام2006 ،مما أدى الى اندلاع حرب طائفية تسببت بفوضى شاملة، بعد أن وقفت حكومة “الجعفري” عاجزة عن أتخاذ اجراءات حقيقة لوقف التخندق الطائفي والمجازر والجرائم مثل فرض حظر التجوال، بل دعمت وسمحت واطلقت فرق الموت والميليشيات المسلحة لتقوم بعمليات التهجير القسري، والقتل على الهوية ،وحرق للمساجد والمنازل، والتمثيل ببعض رجال الدين، حيث عاثت الميليشيات التابعة لطهران وفرق الموت الخاصة التي شكلتها ايران فساداً وخراباً وأطلق العنان لجيش المهدي والعصائب وبدر لتقوم بعمليات قتل وتهجر للكثير من الابرياء في بغداد، والمحافظات كالبصرة ، وديالى مما أدى الى تخريب النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي وتفككه ، وحصول انقسام اجتماعي حاد لا يزال العراق يعاني منه الى الان، كما عملت قوات الاحتلال وساعدت ودفعت البلد الى التكتل الطائفي والحروب المذهبية.

 

إن المشروع السياسي الذي جاء به الاحتلال للعراق هو ضمن مشروع كبير للمنطقة أطلق عليه “مشروع الشرق الاوسط الكبير” أو الجديد والذي يقضى بتقسيم البلدان على أساس عرقي وطائفي ومذهبي ، بعد أن يتم تدمير الدول وتحويلها الى دول فاشلة، ومتناحرة داخلياً ،حيث أسست الحكومة العراقية بعد الاحتلال حسب المقاسات الامريكية، بعد أن تم إرساء نظام المحاصصة الطائفية كمبدأ اساسي للعملية السياسية التي قسمت البلد على اساس طائفي وعرقي، فتشكلت قوى سياسية متناحرة على اساس عرقي وقومي ومذهبي، وغابت الهوية الوطنية الجامعة ،وتحول الولاء للمذهب ،والطائفة ،والحزب ،وأصبح هم الطبقة السياسية مصالحها الشخصية والحزبية، على حساب الولاء للوطن ،وانتهت الحرفية بمؤسسات الدولة ، وتفشت المحسوبية والمنسوبية، وأصبح المنصب استحقاق ينال على اساس الطائفة ،وليس على اساس الكفاءة، مما جعل الفساد المالي والاداري يستشري بشكل كبير في دوائر الدولة ،فعم الفساد ،ونهب المال العام للدولة ،وسادت الفوضى، وتحول المشهد الامني الى مشهد دموي.

 

لقد تدرجت العملية السياسية للاحتلال من خلال تشكيل حكومات طائفية متتالية، بدأت من تشكيل مجلس الحكم سيء الصيت، ثم صياغة وكتابة دستور حسب المقياس الامريكي الصهيوني، ثم تشكيل حكومة مؤقتة ،ثم انتقالية، ثم حكومات طائفية مكتملة السيادة كما يقولون، ولكن على الطريقة الامريكية – الايرانية ،حيث تعتبر هذه الحكومات التي توالت على حكم العراق منذ عام2003 ،وصولاً الى عام2020، هي حكومات عميلة وتابعة وهي من مخلفات الاحتلالين الامريكي- الايراني، والتي غالباً ما يتم التوافق عليها بين الطرفين، حيث تعتبر هذه الحكومات أخطر من الاحتلال نفسه، الامر الذي أدى الى انقسام الطبقة السياسية الى محورين: أحدهما يتبع لإيران ،وأخر يتبع للولايات المتحدة الامريكية، واستمر الحال من سيء الى أسوء ،وخاصة بعد انسحاب القوات الامريكية من العراق، وتفرد المالكي بالسلطة.

 

 إن ظهور الدكتاتورية في العراق بعد الغزو الامريكي كان حاضراً بقوة ،من خلال تفرد المالكي بالسلطة والتي استمرت لدورتين انتخابية، الامر الذي جعل المالكي يمارس صلاحيات متعددة منها: وزير الدفاع، والداخلية، ومدير المخابرات، والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس الامن الوطني، الامر الذي جعله يهيمن ويسيطر على مقدرات الدولة ،والتي مكنته وخولته من تطبيق سياسات طائفية مارسها ضد طائفة معينة (المناطق السنية) أثناء فترة حكمه ، والتي دفعت هذه المناطق للخروج بمظاهرات رافضة للسياسات الحكومية الطائفية، التي ملئت السجون بالأبرياء، وانتزعت الاعترافات بالقوة، وتعرضت هذه المناطق للتهميش، وضياع الحقوق، حتى انتفضت هذه المحافظات وخرجت عن السيطرة الحكومية، الامر الذي استغله تنظيم الدولة ليوظف هذه الفجوة بين أهالي هذه المناطق وبين الحكومة، ليسيطر على مدينة الموصل، والانبار ،وحزام بغداد ،وصلاح الدين ،وكركوك، بعد أن فرت القوات الامنية والعسكرية لتبدأ صفحة جديدة من التدمير والتخريب لهذه المناطق باسم محاربة الارهاب.

 

إن انطلاق العميات العسكرية لاستعادة المدن التي خرجت عن السيطرة الحكومية كانت بداية لمرحلة من التدمير لهذه المناطق بعد أن تم تشكيل ميليشيات طائفية بفتوى من “مرجعية النجف”، أطلق عليها “ميليشيات الحشد الشعبي “حيث ارتكبت هذه الميليشيات جرائم ضد الانسانية ترقى لجرائم حرب، بعد أن غيبت وخطفت وقتلت الالاف من الشباب السني، الذي تعرض الكثير منهم للتعذيب ،والقتل المباشر بدون محاكمات، بالإضافة الى جرائم الاغتصاب، كما منعت هذه الميليشيات الكثير من الاهالي من العودة لمناطقهم في “جرف الصخر” التي تحولت لقاعدة عسكرية تابعة لهم ولايران، بالإضافة الى مناطق أخرى في “ديالى” و”عزيز بلد” و”حزام بغداد” مع عجز حكومي على أعادتهم ولو بالقوة لفرض القانون وهيبة الدولة والى يومنا هذا ، كما إن أغلب هذه الممارسات كانت تجري أمام مرأى ومسمع من القوات الامريكية، والتحالف الدولي، الذي ضم أكثر من(70) دولة، والذي قدم الدعم الجوي، والاستخباري، واللوجيستي، والاستشاري، للقوات الحكومية والميليشيات الطائفية، حيث تم استعادة جميع المدن التي سيطر عليها تنظيم الدولة في عام2017.

 

لقد أنتقل المشهد العراقي الى تحدي جديد بعد أن أثبت العملية السياسية فشلها بالكامل بعد أن أصرت قيادة إقليم كردستان على أجراء الاستفتاء على الانفصال الغير ملزم عن الدولة العراقية في25أيلول/ سبتمبر عام 2017،لينتهي بعمل عسكري حكومي باتفاق مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وتدخل ايراني واضح وصريح، مع فقدان لكثير من الامتيازات التي حصل عليها الإقليم في الفترة السابقة، مع استرداد كامل للأراضي التي سيطرت عليها قوات البيشمركه بعد عام2014،ورفضت الانسحاب منها، كما شهدت هذه الفترة تشريع قوانين تشرعن  وجود ميليشيات الحشد الشعبي بصفة رسمية داخل الدولة العراقية، بما فيها الميليشيات الولائية التابعة لإيران، على أن تكون هذه القوات تابعة للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، ولكنها لا تدخل ضمن خارج هيكلية وزارة الدفاع والداخلية أي مستقلة، ليزداد المشهد العراقي تعقيداً ،خاصة بعد أن وصلت هذه الميليشيات الى سدة الحكم في الانتخابات التي جرت عام2018،والتي شهدت تزوير كبير لنتائج الانتخابات بعد أن عزف الشارع عن المشاركة فيها، ولكن مع هذا كله شكلت الحكومة بتوافق امريكي-ايراني.

 

إن انطلق الحراك الشعبي في الاول من تشرين الاول عام2019، يمثل مرحلة جديدة من الصراع في العراق ، حيث رفضت الجماهير التي خرجت في جميع المحافظات الجنوبية النفوذ الايراني وقامت بأحراق الاعلام الايرانية، وصور المرشد، وحرقت القنصليات الايرانية في كربلاء ،والنجف،  والبصرة ،كما رفضت الجماهير المنتفضة والغاضبة مخرجات العملية السياسية الفاشلة التي جاء بها المحتل والتي لا تزال قائمة بسبب الدعم الامريكي-الايراني لها، وقد استمر الحراك الى يومنا هذا واستطاع اسقاط حكومة عادل عبد المهدي ، بعد أن وصل عدد الشهداء المنتفضين الى أكثر من(600)شهيد، وأكثر من(22)ألف جريح، وأعداد كبيرة من المعتقلين، بعد أن استخدمت الميليشيات القوة المفرطة لأنهاء هذا الحراك، الذي يهد النظام السياسي القائم، ويهدد النفوذ السياسي، والاقتصادي، والعسكري لهذه الميليشيات التابعة لطهران ، بالإضافة للنفوذ الايراني، مما دفع الحكومة الى الاستقالة، ليتم تكليف “محمد توفيق علاوي” بتشكيل الحكومة الجديدة، والذي فشل أيضاً بتمرير تشكيلته الوزارية، بسبب الخلافات السياسية، والمصالح الحزبية، والشخصية، ليتم تكليف محافظ النجف الاسبق “عدنان الزرفي” بتشكيل الحكومة في مهزلة ومسرحية بائسة، بعد أن فشلت الكتل والاحزاب الشيعة في التوافق على مرشح توافقي لرئاسة الوزراء ،بعد أن رفضت الميليشيات وهددت بأحراق العراق في حال مرت حكومة الزرفي، الذي انسحب وأعتذر عن تشكيل الوزارة، ليتم تكليف مدير المخابرات العراقية “مصطفى الكاظمي” بتشكيل الحكومة بعد أن توافقت الكتل الشيعية عليه، وسط تصاعد حدة الصراع بين الميليشيات التابعة لطهران وبين القوات الامريكية التي تبادلت الضربات الصاروخية والجوية في الفتر ة الماضية، وقد قامت القوات الامريكية بالانسحاب وإعادة التموضع من بعض المواقع الهشة، كما نشرت بطاريات صواريخ باتريوت للدفاع الجوي للحد من الهجمات الصاروخية التي تقوم بها الميليشيات، التي تطالب بخروج القوات الامريكية والاجنبية من العراق، والتي كانت صديقة في السابق واصحبت الان تشكل تهديد لطهران، ليتحول العراق الى ساحة صراع قد تذهب بالعراق الى المجهول، بسبب تبعية الميلشيات الولائية للولي الفقيه في ايران.

 

إن الغزو الامريكي- البريطاني للعراق سيبقى وصمة عار في جبين الديمقراطية التي يدعيها الغرب، من احترام لحقوق الانسان، وحرية التعبير، والمساوة، بعد أن خلفت هذا الدمار الهائل والكبير، بسبب كذبة أمتلك العراق لأسلحة التدمير الشامل التي لم يجدوا منها شيء يذكر ، لذا ستبقى هذه المحطات حاضرة في ذاكرة الاجيال القادمة، وبأذهان الشرفاء في العراق والامة، وسيذكر التاريخ الدور الخياني لكثير من الاطراف ، والشخصيات، والدول التي ساهمت بتدمير البلاد، والتي شاركت مع المحتل الغازي في احتلال العراق، الذي تحول الى دولة فاشلة بجميع المقاييس الدولية، من حيث التعليم الفاشل، والنظام الصحي المتخلف، وفقدان الامن، بعد أن أضعفوا المؤسسة العسكرية والامنية وفككوها ،وحولوا واجباتها الى أمن داخلي، بدفع من ايران واسرائيل، كما تم تدمير البنى التحتية وخاصة المناطق التي تم استعادتها من تنظيم الدولة، مع عدم قدرة الحكومة على أعادة الاعمار في هذه المناطق التي دمرتها العمليات العسكرية، مع ارتفاع نسبة الفقر الى أكثر من(20%)،كما استشرى الفساد المالي والاداري في دوائر الدولة، الامر الذي وضع العراق بالمرتبة(12)،بين الدول الاكثر فساداً في العالم، وحولوا العراق لدولة مستدينة بأكثر من (145)مليار دولار، بالإضافة الى انتشار الرشوة، والبطالة، والجريمة المنظمة، والسلاح المنفلت، وتخرب النسيج الاجتماعي للبلد، الذي يعاني من انقسام حاد ضمن الطائفة الواحدة، كما أصبح البلد مرتعاً للتدخلات الخارجية، بل أصبح بلد تحكمه الميليشيات التابعة لطهران، هذه هي الديمقراطية التي جاء بها الاحتلال الامريكي- البريطاني للعراق، لذا ستستمر الفوضى طالما استمرت التدخلات الخارجية وبقية الطبقة السياسية الحالية هي التي تحكم البلاد كونها تابعة لإيران وامريكا.