جاسم الشمري
بدعوة من جمعية البصيرة شاركت، عبر الانترنيت وعلى مدى أربعة أيام، بداية الأسبوع الحالي في المحفل العلمي الدولي السادس في ماليزيا بورقة بحثية بعنوان ( تزييف الإعلام الرقمي وسبل ومعالجته)، وبمشاركة أكثر من ثلاثين جامعة ومؤسسة علمية وأكاديمية من دول العالم.
معلوم أن الإعلام الرقمي صار اليوم في مرتبة متقدمة في عالم الصحافة والإعلام، ومعلوم أن هنالك تراجعا واضحا للإعلام الورقي، بل أن بعض كبريات الصحف الأجنبية انتقلت من الإعلام الورقي إلى الإعلام الرقمي، وذلك بعد أن أصبح الإعلام الورقي أمرا واقعا لا يمكن القفز عليه.
ومع تنامي ظاهرة الإعلام الرقمي اختلطت الكثير من الحقائق، ومن هنا كانت أهمية العمل على إيقاف محاولات بعض وسائل الإعلام الرقمي لتزييف الحقائق، أو نشر التثقيف السلبي وتدمير الشعوب التي يختلفون معها!
والإعلام عموما، ومنه الإعلام الرقمي، أداة مهمة لتوجيه وتثقيف الرأي العام، ومن هنا تبرز أهمية المحافظة على مصداقية الإعلام عموما، والرقمي خصوصا، بسبب انتشاره العمودي والأفقي في عموم المعمورة.
التزييف، أو الكذب، أو الخداع جزء من تنامي ( أو تطور) الوجود البشري على المعمورة، ولكنه تطور سلبي، وفي الاتجاه غير الصحيح في الغالب العام إلا في أوقات الحروب، فربما، تضطر بعض الدول لاستخدامه ضد العدو من باب الحرب النفسية.
ويطلق على الإعـلام الرقمـي العديـد مـن المسـميات منهـا” الإعـلام التفـاعلي، وإعـلام الوسـائط المتعـددة، والإعـلام الشـبكي الحـي علـى خطـوط الاتصـال media online، والإعلام السيبروني MEDIA CYBER ، والإعلام الشعبي MEDIA HYPER”.
والإعلام الرقمي هو: “مجموعـة مـن الأسـاليب والأنشـطة الرقميـة الجديـدة التـي تمكننـا مـن إنتـاج ونشـر المحتوى الإعلامي وتلقيه، بمختلف أشكاله من خلال الأجهزة الإلكترونية (الوسـائط) المتصــلة بالإنترنــت، فــي عمليــة تفاعليــة بــين المرسِــل والمســتقبِل. بحيــث تكــون جميع الوسائل والأدوات المستخدمة في إنتاج المحتوى الإعلامي مـن صـحافة وأخبار وغيرها من الأدوات ومصادر المعلومات هي بشكل رقمي ومخزنه علـى وسـط خـزن الإلكترونـي وظهـور مرحلـة التفاعـل Interactivity وتتميـز بوجـود نـوع مـن الـتحكم الانتقالي من جانب أفراد الجمهور في نوعية المعلومات التي يختارونها أي أن الفـرد يمكن أن يكون رئيسا لتحرير المجلة التي يختارونها، مثل الفيس بـوك والمـدونات بأنواعها والفديوتيكس والتلفزيون الرقمـي أي أصبح الجمهـور مشـارك فـي وسـائل الإعلام بدل من أن يكون متلقي فقط”.
ويمتاز الإعلام الرقمي بالعديد من الخصائص ومنها: (التفاعلية، واللاتزامنيـة، والمشاركة والانتشار، والحركـة والمرونـة، والعالميــة، وتعــدد الوســائط، والانتبــاه والتركيــز، والأرشـــيفية والتخـــزين والحفـــظ.
وينتشر الإعلام الرقمي عبر العديد من الأدوات، أو الوسائل من خلال الانترنيت، ومنها الهاتف الجوال، وسائل التخزين الصوتية والمرئية المختلفة، و الألعاب الإلكترونية، والتلفاز الالكتروني، والراديو الالكتروني، ومواقع الفيس بوك، وموقع تويتر، والانستغرام، والتيليجرام، والمدونات، وغيرها.
وهنالك العديد من السبل، أو الفخاخ ( جمع فخّ) الناشرة للتزييف الإعلامي ومنها: النكتة، والأغنية، والتغريدة، ومقاطع الفيديو، ورسائل الواتس آب، والمواقع الإخبارية المزيفة، والمواقع الشخصية المزيفة، وغير ذلك من السبل الصوتية والصورية.
وربما سيقول قائل:
ومن المستفيد من التزييف في الإعلام الرقمي وغيره؟
وهنا يمكننا تقسيم المستفيدين من ذلك على النحو الآتي:
1. الدول: هنالك بعض الدول تعمل على بث تلك الأخبار المزيفة لتحقيق بعض الأهداف الداخلية والخارجية.
2. الأحزاب: تستخدم بعض الأحزاب الأخبار المزيفة لتمزيق صفوف القوى السياسية الأخرى.
3. الشخصيات السياسية والتجارية: تهرب بعض الشخصيات الكبيرة لهذه الأساليب لأغراض دعائية لأنفسهم أو لبضائعهم أو لضرب الشخصيات المنافسة لهم في السياسة والأسواق.
4. الشركات: تسعى بعض الشخصيات لهذه الأساليب من أجل تحقيق مكاسب مالية، أو لضرب منتجات شركات منافسة.
وبخصوص الإحصائيات المتعلقة بالكذب والتزييف، في الواقع لا توجد دراسات مكثفة في هذا الإطار، إلا أن هنالك دعوات حثيثة للصحافة الموثقة.
ففي العام 2017 أظهر استطلاع أجرته ( كاسبرسكي لاب) أن هناك واحدا من بين كل عشرة أشخاص يلجؤون إلى تحريف الحقيقة على شبكات التواصل الاجتماعي لجذب المزيد من الإعجابات بمشاركاتهم. ويظهر الاستطلاع كذلك أنه في إطار سعي الرجال إلى تلقي أكبر قدر ممكن من الإعجابات “اللايك” نراهم يميلون أكثر من النساء إلى التفريط بخصوصيتهم.
وفي بداية آذار/ مارس 2018، ذكر بعض الباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في دراسة لهم وبعد تحليلهم لمضمون حوالي 126 ألف تغريدة باللغة الإنجليزية نشرت بين عامي 2006 و2017، أن” الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الحقيقية على تويتر، حيث قام ثلاثة ملايين شخص بإعادة تغريد هذه القصص الإخبارية غير الصحيحة أكثر من 4,5 ملايين مرة”.
وأتصور أن أهم ما في ورقتي البحثية هو سبل مكافحة التزييف الالكتروني (الرقمي)، وربما يمكن تقسيمها على النحو الآتي:
أولاً: السبل الرسمية، أو غير الشعبية، وتشمل:
أ‌. غلق المواقع المزيفة من قبل الحكومات والشركات المختصة.
ب‌. تشريع قوانين النشر الالكتروني دون المساس بحرية الرأي شريطة أن يحدد القانون أن المقصودين بالملاحقة القانونية هم الحريصون على نشر الأخبار الكاذبة المؤثرة على الدول والأفراد.
ج. تفعيل دور وزارة الإعلام والوكالات الرسمية المختلفة في كشف المواقع الناشرة للأخبار المزيفة.
د. تشجيع الشركات ذات العلاقة بتقليل تحويل الرسائل كما فعلت تويتر مع أزمة كورونا.

ثانياً: على المستوى الشعبي، أو الفردي:
أ‌. زيادة الوعي الجماهيري ودعم التثقيف الذاتي، وعدم قبول الأخبار إلا من مواقع رصينة رسمية وشعبية موثقة، والدعوة للرجوع الى المواقع الأصلية التي يدعي (المُزيف) أن الخبر منقول منها.
ب. التحذير من المواقع والشخصيات والصحف والوكالات الوهمية التي تنشر التزييف.
ج. التبليغ عن المواقع التي تنشر الأخبار المزيفة، والقيام بحملات تبليغ جماعية للحد منها.
د. التركيز على أهمية دور المدارس والجامعات في الدفع باتجاه وعي الطلبة في ضرورة الابتعاد عن الكذب، أو التزييف.
هـ. زيادة دور المساجد بالتنسيق مع الإعلام الرسمي في توعية المواطنين بهذا الجانب الخطير.

خلاصة القول إن نشر الكذب والتزييف يعتمد على الثقافة الشخصية والمجتمعية، وهي حالة سلبية بحاجة إلى معالجة جذرية من أجل نشر المصداقية والحقيقة بدلا عن الكذب والخداع والتزييف!

 

خاص براسام