شاهو القره داغي                                                                                                      

بينما يتظافر الجهود العالمية في سبيل مواجهة فيروس كورونا واتفاق الأطراف السياسية في العالم على تنحية الخلافات جانبا و التركيز على احتواء الجائحة التي تهدد البشرية ، يبدو ان العراق يسير خارج المسار الدولي الصحيح و منشغل بقضايا و مشاكل جانبية تؤكد انحراف المنظومة السياسية و غياب الرؤية الاستراتيجية لدى قادة الأحزاب السياسية الحاكمة و السلطات الرسمية و المؤسسات الحكومية.

في خضم الصراع الجاري على تشكيل الحكومة المؤقتة و تصاعد الصراع السياسي و التدخلات الإيرانية في العراق ، أصدرت 8 ميليشيات مرتبطة بإيران في 3 نيسان بيانا مشتركا توعدت فيه باستهداف القوات الامريكية و هاجمت فيه مرشح رئاسة الحكومة (عدنان الزرفي) – يوم تم تكليفه – و هددت نواب البرلمان الداعمين له.

البيان كان موقعا من قبل الميليشيات الموالية لإيران وهي (عصائب أهل الحق، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، كتائب الإمام علي، حركة الأوفياء، سرايا عاشوراء، حركة جند الإمام، سرايا الخراساني) ، وجاءت بعد زيارة قائد فيلق القدس الإيراني الجديد (إسماعيل قاآني) الذي وصل إلى العراق بداية نيسان لإعادة ترتيب البيت الشيعي و تقديم بديل سريع عن المكلف عدنان الزرفي.

زيارة قائد فيلق القدس و تهديدات الميليشيات للأطراف السياسية أدت لتقديم (عدنان الزرفي) الاعتذار عن تشكيل الحكومة في 9 نيسان، وفي نفس اليوم قام رئيس الجمهورية بتكليف (مصطفى الكاظمي) رئيس جهاز المخابرات العراقي لتشكيل الحكومة المؤقتة وسط إجماع سياسي عراقي على دعم الرجل.

سرعة اعتذار عدنان الزرفي و تكليف مصطفى الكاظمي مؤشر على قوة ثنائية (التدخل الإيراني مع الميليشيات الموالية لإيران في العراق) قادرة على رسم السياسات العراقية وتوجيه الأطراف السياسية بالتهديد و الوعيد دون اعتبار لمصالح العراق و مطالب العراقيين الذين ضحوا بأكثر من 700 شهيد و آلاف الجرحى في سبيل رؤية تغييرات جذرية وحقيقية في البلاد.

 

بيئة العراق تغذي الميليشيات

كما أن الجراثيم و الحشرات تنمو و تتكاثر في البيئة الملوثة ، فإن الميليشيات تظهر و تنشط في بيئة الفوضى في ظل غياب الدولة ، وفي ظل المنظومة السياسية الحالية تحول العراق لبيئة ملوثة جاذبة للميليشيات بدل أن تكون بيئة طاردة لعوامل اللادولة في ظل الخطوات الانتقالية للأمن و الاستقرار.

في 17 مارس نشرت جماعة تسمي نفسها “عصبة الثائرين” تسجيلا مصورا تتبنى فيها الهجمات الصاروخية التي طالت منشآت التحالف الدولي و القوات العراقية في قاعدة التاجي شمالي بغداد ، وهددت بالمزيد من الهجمات ضد القوات الامريكية في العراق، وهذا التسجيل كان الظهور الأول لهذه الميليشيات.

بعدها بأسبوعين نشرت ميليشيا تسمي نفسها “المقاومة الإسلامية في العراق- أصحاب الكهف” بيانا يحذر فيه الجيش الأمريكي في العراق، وادعت هذه الميليشيات لاحقاً انها قامت باختراق كاميرات السفارة الامريكية في بغداد أيضاً.

وأخيرا وليس آخرا ، نشرت ميليشيا (فصيل قبضة الهدى) في 9 نيسان بيانا تهدد فيه القوات الامريكية و السفير الأمريكي و البريطاني بالقتل في حال عدم مغادرة العراق خلال 48 ساعة .

وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية لظهور هذه الميليشيات على الساحة العراقية و الدور الإيراني في تأسيسها ، إلا ان الحقيقة الواضحة هي تحول العراق لبيئة مساعدة لخلق الميليشيات لعدة أسباب منها:

أولا: غياب سيادة الدولة : ضعف الدولة و الفشل في احتكار العنف ، حيث يُعرف ماكس فيبر الدولة بأنها (تحتكر العنف المشروع) حيث يحتكر الدولة العنف لمنع الفوضى و الاضطرابات، بينما في العراق تحولت الدولة إلى هشة و ضعيفة وعاجزة عن احتكار العنف، حيث ان العشرات من الميليشيات تمتلك أدوات العنف و قادرة على فرض نفوذها و إدارة شؤونها باللجوء إلى السلاح دون الخشية من سلطة عليا قادرة على محاسبة الآخرين، وفي ظل غياب المحاسبة و المسائلة و رقابة الدولة فإن الأطراف الخارجية (إيران) ، والداخلية (قادة الأحزاب السياسية) يجدون الفرصة ذهبية لتشكيل الميليشيات كوسيلة للوصول إلى أهدافهم السياسية.

ثانيا: دعم مالي من الحكومة : رواتب الميليشيات و الدعم المالي تقع على خزينة الدولة العراقية ، بينما لا تلتزم الميليشيات بأوامر رئيس الحكومة ولا تخضع لسياسات الدولة العراقية ، بمعنى ان الميليشيات تتمتع بالحقوق ولا تلتزم بالواجبات ، وهذا ما يغري الآخرين لتأسيس الميليشيات و الحصول على التمويل من خزينة الدولة مستقبلاً عن طريق استغلال الفساد الموجود .

ثالثا: سهولة تجنيد المقاتلين: بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة للحكومات المتعاقبة في العراق ، انتشرت البطالة بشكل كبير داخل المجتمع العراقي وخاصة بين فئة الشباب ، و الميليشيات تستغل هذه النقطة لتجنيد الشباب في صفوفها مقابل مبالغ مالية بسيطة .

 

وهم الميليشيات وتقويض الاستقرار في العراق

تعيش الميليشيات الموالية لإيران في حالة وهم ، فهي تعتقد أن امتلاكهم لبضعة صواريخ كاتيوشا يؤهلهم للدخول في معركة كبيرة مع الولايات المتحدة الامريكية و دول المنطقة و التوجه لتحرير القدس ، و إيران نجحت في خلق هذا الوهم لدى كافة الميليشيات المرتبطة بها ، وبالتالي الميليشيات لا تكف عن النشاطات الإرهابية و التهديدات المستمرة ضد أمريكا و الأطراف السياسية المحلية ، وكلما زادت نسبة هذا الوهم لدى قادة الميليشيات ، ارتفعت نسبة تصرفاتهم العدوانية و الإرهابية داخل العراق و التي تؤسس لحالة من الفوضى و انهيار الأمان و الاستقرار الهش الذي تحقق بعد الانتصار على تنظيم داعش بمساهمة التحالف الدولي و الأطراف الخارجية ، وفي ظل المشاكل التي تعاني منها العالم وخاصة تحدي جائحة كورونا ، فإن العالم وخاصة الولايات المتحدة الامريكية قد لا تبادر لمساعدة العراق في حال أدت تصرفات الميليشيات لزعزعة الامن و ساهمت بعودة النشاطات الإرهابية لتنظيم داعش ، وحينها سيدخل العراق في متاهة جديدة ونفق مظلم يتحمل مسؤوليته وكلاء إيران في العراق.

تعهد المكلف الجديد لرئاسة الوزراء السيد مصطفى الكاظمي “بحصر السلاح بيد الدولة عبر إجراءات (حاسمة) ” ، ولكن مجرد مباركة قادة الميليشيات أمثال قيس الخزعلي و هادي العامري لتكليفه ، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن الرجل لن يتجراً على الاقتراب من هذا الملف الذي يعتبر خطاً أحمراً لدى إيران و الأطراف العراقية الموالية لها في حال نجاحه بتشكيل الحكومة المؤقتة و تمرير كابينته في البرلمان .

من الصعب ان ينتقل العراق من بيئة الفوضى التي تغذي الميليشيات، إلى بيئة طاردة لعوامل اللادولة على يد حكومة مؤقتة ، بسبب تحكم وكلاء إيران بالمشهد السياسي و استعدادهم لعرقلة أي مشروع يؤثر على نفوذهم داخل السلطة حتى لو تسببوا بانهيار الدولة.

 

 

خاص براسام