أ.د. عدنان القطان باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

          بعد الحرب العالمية الثانية في 3 أيلول 1939، تأثرت العلاقات العراقية – البريطانية، بسلسلة من التطورات،اذ أن مرحلة الحرب اتسمت بتدهور هذه العلاقات، خاصة في عهد حكومة رشيد عالي الكيلاني الائتلافية، وفي فترة حكومة الدفاع الوطني، ووصلت حدها الأعلى خلال حركة نيسان – مايس 1941. وكان من نتائجه اخفاق هذه الحركة في إيقاف (الاحتلال البريطاني الثاني للعراق). حيث هيمنت بريطانيا من جديد على شؤون العراق الخارجية والداخلية ومن ثم اعلن العراق الحرب على دول المحور، فأصبح بذلك شريكا لبريطانيا في الحرب.

لقد اشتدت المطالبة بتعديل المعاهدة العراقية – البريطانية في أثناء الحرب العالمية الثانية، وغداة انتهائها لا سيما وانها عدت ملغية بحكم المادة (103) من ميثاق الامم المتحدة، بعد أن أصبح العراق عضوا في الهيئة المذكورة، وكان رئيس الوزراء (حمدي الباجه جي) قد وعد بأن المباحثات ستبدأ بين العراق وبريطانيا حول تعديل المعاهدة حال انتهاء الحرب، الا انه لم يف بوعده بسبب استقالة حكومته.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ألقى عبدالإله بن علي، الوصي على عرش العراق، خطابا أوضح فيه خطة الحكومة العراقية في مرحلة السلم الجديدة على جميع الأصعدة، وفي السياسة الخارجية أوضح تمسك العراق بالسياسة التي وضعها الملك فيصل الأول دون أن يوضح الاسس التي ستعتمد عليها سياسة العراق الخارجية وبخاصة مع بريطانيا.

غير أن توفيق السويدي، أول رئيس للوزارة العراقية بعد الحرب العالمية الثانية، اعلن في منهاج وزارته التي شكلها في (23 شباط 1946) خطط الحكومة العراقية، جاء فيه، “…إن علاقتنا الودية مع بريطانيا ترتكز على معاهدة التحالف العراقية – البريطانية، ولما كان قد مر على عقد هذه المعاهدة مدة ستة عشر عاما قطع فيها العراق شوطا بعيدا في سبيل التقدم والانشاء مسايرا في ذلك مواكب الامم الناهضة، فقد أصبح من الضروري تعديلها لجعل القائم متناسيا مع تقدمه ومتسقا مع التطورات العالمية ضمن روح ميثاق الامم المتحدة لذلك ستقوم الوزارة بمفاوضة الحليفة بريطانيا بهذا …”.

وبعد انتهاء (السويدي) من تلاوة منهاج وزارته في مجلس النواب بجلسته المنعقدة في 5 آذار 1946، تحدث عدد من النواب ومنهم (أحمد الجليلي)، وقد ابتدأ حديثه منتقدا السياسة البريطانية التي تنتهج الازدواجية في تعاملها الدولي، لاسيما فيما يخص العرب والعراق، بقوله :

” … عندما يطلب أصحاب وعد بلفور يقولون لهم على العين والرأس ثم أتت الحرب العالمية واذا بالعرب يناصرون أصحاب ميثاق الأطلنطي وأصحاب ميثاق سان فرانسيسكو ويزجون أنفسهم في أتون الحرب وبعد أن تنقشع الغمة، ويطالب العرب بتعديل معاهداتهم والجلاء من بلادهم يكون جزاءهم تمزيق أجسامهم الرصاص … ان الامة العربية غيرها بالامس وانها لا تقبل استعمارا أو انتدابا … وتطلب الحرية كما يفهمها الأحرار وليس لها أي مطمع كان …”. ومع ذلك فإن حكومة السويدي الثانية لم تنجز مهمتها بصدد تبديل المعاهدة.

أما الحركة الوطنية ممثلة بالاحزاب السياسية التي اجيزت في نيسام 1946، فقد طالبت ببناء علاقة جديدة مع بريطانيا تنسجم مع التطورات التي شهدها العالم بعد الحرب ودعت الى إلغاء أو تبديل المعاهدة العراقية – البريطانية وإقامة العلاقات بين العراق وبريطانيا على أساس الصداقة والمنافع المتبادلة بما يضمن تعزيز كيان العراق واستكمال سيادته، لأن معاهدة 1930 أصبحت تتنافى ومقتضيات السيادة الوطنية، ولا تتفق مع أحكام ميثاق الامم المتحدة، ولا تأتلف مع ظروف العالم الجديد، لأن بقاء القوات البريطانية على أرض العراق يعتبر اعتداءا على الكرامة الوطنية.

حاولت بريطانيا عقد معاهدة جديدة مع العراق لتحل محل معاهدة 1930 التي أصبحت  محل كراهية متزايدة من قبل الجماهير الشعبية، وأعلن صالح جبر (رئيس الوزراء) في مجلس النواب يوم (10 مايس 1947) أن حكومته عازمة عزما أكيدا على تعديل المعاهدة.

أثر ذلك تحدث عدد من النواب مطالبين الحكومة بضرورة تعديل معاهدة 1930 التي عدوها جائرة، وانها لم تعد قابلة للتطبيق مع ما يتفق وكرامة الشعب العراقي.

سافر صالح جبر (رئيس الوزراء) ومحمد فاضل الجمالي (وزير الخارجية) لتجديد معاهدة 1930 مع بيفن (وزير خارجية بريطانيا) الذي كان من قادة حزب العمال البريطاني.

في 6 كانون الثاني 1948 أدلى الدكتور محمد فاضل الجمالي بتصريح كانت الشرارة الاولى للانتفاضة. حيث صدم الشعب بما نشرته وكالات الانباء من تصريحات الجمالي (عضو الوفد العراقي المفاوض في لندن) ومما جاء فيه : ان الحكومة على وشك ان توقع معاهدة جديدة مع الحكومة البريطانية وان هذه المعاهدة ستلاقي رضا واستحسان الشعب العراقي، لكن الأمر أصبح حديث الشعب لأن عقد معاهدة جديدة في ظروف شاذة ومن قبل وزارة لا تستند الى ثقة الشعب لابد وأنها ستكون مجحفة بحقوق العراق وسيادته.

كما ولّد هذا التصريح رد فعل عنيف في أواسط المجلس النيابي. فتحدث النائب (نجيب الصائغ) مبتدأ حديثه بانتقاد شديد للمعاهدة وأوضح ان الشعب العراقي يكابد الأعباء النفسية والاقتصادية والاجتماعية من جرائها، قائلا: “… ان ما ينتظره الشعب العراقي الآن بفارغ الصبر هو تبديل المعاهدة العراقية – البريطانية ان لم نقل المطالبة بالغائها…أظنكم تتفقون معي بأننا لم نحصل الا على قيود اقتصادية شديدة وضائقة طوقتنا بهذه السياسة البريطانية وجيش من الجنود والضباط ملأوا عدة دوائر حكومية بوظائف مهمة ورواتب ضخمة وفرق عديدة من جيوش الحلفاء اتخذت من العراق دار استراحة تشاطر الشعب البائس بمأكله ومسكنه وهيمنه تامه على مختلف الامور…”.

كما أثارت تصريحات (الجمالي) استنكار جميع الأحزاب والقوى الوطنية التي تضم أحزاب ( الاستقلال والوطني والشعب والاتحاد الوطني) فضلا عن أحزاب وحركات سياسية غير مرخصة. وصار الاحتراب العام والتعبير المكشوف بالتظاهرات هو الخيار الوحيد المطروح لالغاء تلك المعاهدة  وشكلت هذه الأحزاب لجنة سميت (لجنة التعاون الوطني).

وجاء هدير الطلبة الأكثر حماسا وتضحية، حيث خرج طلبة الكليات والمعاهد والمدارس بتظاهرة سلمية، تعبيرا عن شعورهم الوطني واستنكارا لتصريحات الجمالي، متحدية السلطة التي مارست منتهى القسوة والاهانات ضدهم لكبت شعورهم. فتم توقيف عدد كبير منهم وتعطلت الدراسة في جميع الكليات والمعاهد مما أثار استنكار جميع القوى الوطنية. كما استشهد وجرح العديد من الطلبة واستقالت الهيئة التدريسية لكلية طب جامعة بغداد وتم احتجاز بعض أساتذة الكليات وبعض الصحفيين بأمر من وزير الداخلية، وكرد فعل عمت المظاهرات جميع المحافظات وصار الموقف محرجا في بغداد.

وبعد تأزم الوضع دعا الوصي عبدالإله بن علي الى اجتماع في البلاط الملكي حضره قرابة خمسة وعشرين شخصية، منهم السادة :

محمد الصدر وجميل المدفعي وحكمت سليمان وحمدي الباجه جي وارشد العمري ونصرة الفارسي وجعفر حمندي ومحمد رضا الشبيبي وعبد العزيز القصاب وصادق البصام ومحمد مهدي كبه وكامل الجادرجي وعلي ممتاز الدفتري ونقيب المحاميين نجيب الراوي اضافة الى هيئة الوزارة ورئيس الوزراء بالوكالة جمال بابان.

انتقد السياسيون هذه المعاهدة وطالبوا برفضها، بينما دافع عنها طاقم الوزارة وشجبوا الاضرابات والمظاهرات، ثم صدر بيان في ختام الاجتماع، جاء فيه : “…ان المجتمعين وقد استعرضوا المعاهدة العراقية – البريطانية أكدوا على ضرورة وقفها وقالوا انها لا تحقق أماني البلاد وليست أداة صالحة   لتوطيد الصداقة مع بريطانيا”. وأكد الوصي أنه يعد الشعب بأن لا تبرم أية معاهدة لا تضمن حقوق البلاد وأمانيها الوطنية. قوبل هذا البيان بسرور بالغ في مختلف الأوسساط الشعبية والأحزاب السياسية وأعقبه اطلاق سراح المعتقلين والسماح بعودة الصحف المعطلة مما ادى الى هدوء الوضع.

توقيع المعاهدة :

في 15 كانون الثاني وفي تكتم مريب تم التوقيع على المعاهدة التي سميت بمعاهدة بورتسموث أي في ميناء بوررتسموث أو سميت معاهدة (جبر – بيفن) وعلى متن البارجة البريطانية فكتوريا من قبل الوفدين العراقي والبريطاني، وتضمنت الامور التالية :

أولا : الدفاع المشترك وتأليف هيئة استشارية دائمة مشتركة لتنسيق شؤون الدفاع بين الدولتين تعرف باسم (لجنة الدفاع الانكليزي – العراقي المشترك) تقوم بوضع الخطط للمصالح السوقية المشتركة بين البلدين والتشاور الفوري عند وقوع تهديد بالحرب.

ثانيا : حرية استعمال بريطانيا للقاعدتين الجويتين في الحبانية والشعيبة وبدون مقابل.

ثالثا : تقديم جميع التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية على الأراضي العراقية ومن ذلك استخدام السكك الحديد والأنهر والموانيء والمطارات وخطوط المواصلات.

 

ويلاحظ على المعاهدة أنها أبقت القيود الثقيلة للمعاهدة السابقة ومست استقلال العراق وسيادته الوطنية، وقد عدت انتصارا لبريطانيا بحيث وصفتها جريدة التايمز اللندنية بأنها أخذت مكانا يوازي مكان ميثاق سعد آباد وادعت بأنها ستكون اداة فعالة لحفظ الأمن في الشرقين الأوسط والأقصى. فهل سيرضى الشعب العراقي المس بسيادته واستقلاله، أم سينتفض ويثور – هذا ما سنعرفه في القسم الثاني من هذه الحلقة إن شاء الله -.