الباحث: حسين صالح السبعاوي

 منذ مجيء نظام الخميني إلى السلطة بمساعدة فرنسا وأمريكا ليحكم إيران بدلا عن الشاه رضا بهلوي دخلت المنطقة في فوضى وفتن طائفية كانت نائمة حرص الخميني على إيقاظها ليشعل المنطقة ويعيث في الأرض فسادا، وقد رافق هذا السلوك شعارات رنانة ( الموت لأمريكا والموت لإسرائيل ) و (الشيطان الأكبر ) بحيث أصبحت الشعوب تترقب ساعة إعلان الحرب بينهما وكأنها قاب قوسين أو أدنى بينما على أرض الواقع الأمر مختلف كثيرا وينطبق عليه قول الشاعر معروف الرصافي : ( القوم في السر غير القوم في العلن ). وهنا أريد أن أذكر التخادم بينهما بما لا يختلف عليه عاقلين ولا أدخل في القضايا الظنية والمختلف عليها من خلال سرد العلاقات التاريخية بين إيران من جهة  وأمريكا وبريطانيا من جهة أخرى ، وكيف دمرت المنطقة من خلال هذا التخادم وكيف تعاملت أمريكا مع إيران كدولة مدللة يفوق دلالها أحيانا دلال ( إسرائيل ) نفسها. لقد نالت إيران من دعم وغض طرف من قبل أمريكا ما لم ينله جميع حلفائها في المنطقة وبالشكل التالي:

 

أولا :

لقد احتلت ايران الأحواز العربية سنة ١٩٢٥ بمباركة أمريكا وبريطانيا واعتقلت الشيخ خزعل الكعبي أمير منطقة الأحواز ولم تصدر أية مواقف دولية رافضة لهذا الإحتلال على خلاف المواقف الدولية المعارضة لاحتلال الصهاينة لفلسطين. بينما مع إيران لم نجد أي موقف دولي رافض، بل على العكس كانت هناك مباركة من قبل بريطانيا وأمريكا لها.

ثانيا :

في سنة ١٩٥٠ كانت إيران من أوائل الدول التي اعترفت ( بإسرائيل ) بعد احتلالها لفلسطين وإعلان دولتهم المزعومة سنة ١٩٤٨ .

ثالثا :

في سنة ١٩٧١ احتلت ايران ثلاث جزر إماراتية، هي طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعة لإمارة رأس الخيمة وجزيرة أبو موسى التابعة لإمارة الشارقة وأيضا بمباركة أمريكية وبريطانية ولم تصدر أية مواقف رافضة لهذا الإحتلال من قبل هذه الدول بل على العكس كانت هناك مباركة من قبلهم أيضا .

 

رابعا :

في سنة ١٩٧٣ عندما دخلت الدول العربية حربا مع ( إسرائيل ) وأعلنت هذه الدول إيقاف تصدير النفط تحت شعار ( النفط سلاح في المعركة ) كانت ( إسرائيل ) وأمريكا يحصلون على النفط من إيران .

 

وهنا رب قائل يقول كل هذا الذي ذكرت لم يحصل في عهد نظام الخميني – أي بعد عام ١٩٧٩ – ، نقول على مهلك سنذكر لك ما حصل من تخادم بينهما بعد مجيء نظام الخميني إلى السلطة وبالشكل التالي :

أولا:

عندما دخل العراق في حرب شاملة مع إيران عام ١٩٨٠ كانت شعارات الخميني تملأ الدنيا بوصف أمريكا بالشيطان الأكبر والموت لإسرائيل، في هذا الوقت كانت إيران  تعقد صفقة أسلحة مع ( إسرائيل )  في ١٨ يوليو ١٩٨١ بمبلغ ١٥٠ مليون دولار بما يساوي ٣٦٠ طن من الأسلحة والمعدات العسكرية وبعلم الولايات المتحدة. لكن وسائل الدفاع السوفيتية آنذاك تعمدت إسقاط طائرة ارجنتينية تابعة لشركة طائرات أوريو بلنتس – وهي واحدة من سلسلة طائرات كانت تنقل هذه الأسلحة من ( إسرائيل ) إلى إيران- كي تفضح هذا التخادم بين الطرفين .

ثانيا :

في ٧ تموز ١٩٨١ شنت ( إسرائيل ) غارة جوية على مفاعل تموز العراقية ودمرتها وعادت جميع الطائرات إلى مواقعها سالمة بفضل الصور والخرائط التي قدمتها إيران لإسرائيل وفق صحيفة الصنداي تليغراف اللندنية، حيث ذكرت أنه قد تم التنسيق لهذه الضربة من خلال اجتماع عقد قبل شهر في فرنسا بين ضابط صهيوني كبير وممثل عن الخميني .

ثالثا :

فضيحة إيران كونترا وهي عقد صفقة أسلحة بينهما في عهد الرئيس رونالد ريغان وكان مهندس الإتفاق هو جورج بوش الأب الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس آنذاك وبالتعاون مع ( إسرائيل ) وهذه القصة معروفة ومشهورة لا داعي لشرح تفاصيلها .

رابعا :

– وهذه هي الأهم –  إذ عندما جاء نظام خميني إلى السلطة اعتمد على مبدأ تصدير الثورة – وبالقوة – الى الدول العربية والإسلامية وكان هناك نظامين مجاورين لإيران يعترضون على هذا المبدأ ولا يسمحون لها أن تتمدد في المنطقة بحجة تصدير الثورة هما نظام طالبان في أفغانستان الذي يرفض المشروع الإيراني من وجهة نظر إسلامية ومستعد لمواجهته، والنظام العراقي في عهد الرئيس الراحل صدام حسين الذي يرفض أيضا هذا المبدأ من وجهة نظر قومية، وقد دخل في معركة مع إيران  دامت ٨ سنوات وافشل هذا  المشروع وأوقف تمدده. لكن أمريكا بعد سنة ٢٠٠٠ وخصوصا عقب أحداث برج التجارة قامت باحتلال أفغانستان وإسقاط نظام طالبان بحجة تنظيم القاعدة، وفي سنة ٢٠٠٣ وتحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل قامت باحتلال العراق وإسقاط نظام صدام خدمة لإيران ليتسنى لها تنفيذ مشروعها التخريبي. وفي كلتا الحربين تعاونت إيران مع أمريكا ومارست دورها التخريبي وقد جاء هذا على لسان المسؤولين الإيرانيين واليوم عندما عقدت أمريكا – مضطرة –  الإتفاق مع طالبان كانت ايران أول من اعترض عليه. وكذا تعترض إيران لو أقدمت أمريكا على أي إتفاق مع أي جهة وطنية عراقية . إذا لا مواجهة شاملة ولا حرب مباشرة ستحصل بين أمريكا وإيران .

 

فعلى المتابعين للشأن الإيراني أن يدركوا بأن المجتمع الدولي وخاصة أمريكا يتعاملون مع إيران كدولة لا كنظام فحسب وأنها خادمة للسياسات الدولية المعادية لنا كعرب ومسلمين ولم ولن يتغير هذا التعامل ما لم يكن لنا شأن مؤثر يقلب موازين القوى وتنحاز السياسات الدولية لصالحنا وفق المصالح المشتركة بيننا. أما تغيير النظام في إيران فلا يمكن أن يحدث بدون إرادة دولية والنظام الحالي من أكثر الأنظمة الإيرانية المتعاقبة قدم خدمة لأمريكا في تمزيق المنطقة وإشعال الحرائق فيها .

 

كيف استطاعت إيران بناء هذه العلاقات الإخطبوطية مع أمريكا  ؟

يعتبر اللوبي الإيراني ثاني أقوى لوبي في أمريكا بعد اللوبي الصهيوني حيث يوجد مليون ونصف مواطن إيراني في أمريكا يعملون لصالح بلادهم وتحسين صورتها في أوساط المؤسسات الأمريكية وخاصة في مؤسسة الكونغرس ووزارة الخارجية ويسيطرون على ٤٠٠ مليار دولار تقريبا يبنون من خلالها علاقات مع المسؤولين الأمريكان. ويعتبر صادق خرازي نائب وزير الخارجية الإيراني الأسبق الذي يقيم في الولايات المتحدة منذ سنة ١٩٨٩ من أبرز الشخصيات القيادية التي تعمل مع الجالية الإيرانية في أمريكا. وقد سيطر هذا اللوبي على وزارة الخارجية عندما كان جون كيري وزيرا لها في عهد أوباما حتى بدأ اللوبي الصهيوني وبعض الشخصيات الأمريكية تتضايق من نشاط اللوبي الإيراني. كما أن أغلب أبناء الجالية الإيرانية يسكنون في مدينة لوس انجلوس حتى صارت يطلق عليها طهران انجلوس أو إيران انجلوس. ومهمة هذا اللوبي تتحدد بنقطتين مهمتين هما تحسين صورة إيران في الأوساط الأمريكية وتشويه صورة الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج بإعتبارهم راعين للإرهاب وداعميه له. في حين ما عرفت المنطقة الإرهاب إلا بعد مجيء هذا النظام سنة ١٩٧٩ . لكنهم:

( يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) .

 

خاص براسام