جاسم الشمري

بعد مشاورات سقيمة وضغوط داخلية وخارجية أجبرت القوى الحاكمة في العراق على تمرير حكومة مصطفى الكاظمي ليكون رئيسا لحكومة بغداد في ظل أجواء غير صحية!
تسنم الكاظمي المنصب، وهو جزء من منظومة الدولة الحالية باعتباره رئيسا للمخابرات العراقية، تسنمها وهي تأن من جملة من الكوارث، ومنها:

  • الوضع الأمني الهش في العديد من المدن وبالذات مع عودة تنظيم داعش للعمل في الأنبار وصلاح الدين وكركوك وديالى، وتكبيده للقوات الرسمية وعناصر الحشد الشعبي والعشائري خسائر بلغت عشرات القتلى، ومئات الجرحى.
  • ضياع بوصلة السيادة العراقية في ظل التناحر الإيراني الأمريكي على ارض العراق، وسعي أمريكا لإيقاف أي تعاون عراقي مع طهران، رغم السماح الأخير للعراق باستيراد الطاقة من إيران لعدة أشهر.
  • الأزمة الاقتصادية، وانخفاض أسعار النفط الذي تعتمد عليه الدولة بما لا يقل عن 95 بالمئة من وارداتها، ولا يمكن بسهولة تجاوز أزمة رواتب موظفي الدولة!

وقد بلغت إيرادات حكومة العراق من النفط خلال شهر نيسان/ أبريل  الماضي 1.4 مليار دولار، أي أقل من ثلث مبلغ الأربعة مليارات ونصف التي تحتاجها الحكومة شهريا لدفع مستحقات رواتب الموظفين في القطاع العام والتعويضات والتكاليف الحكومية!

  • استمرار تفشي فيروس كورونا، وعدم نجاح الخطة الحكومية في تحجيم انتشار الفيروس في مدن العراق!
  • استمرار المظاهرات الرافضة للأحزاب الحاكمة، والداعية إلى ضرورة تغيير مسار العملية السياسية في العراق، والمؤكدة بأن حكومة الكاظمي جاءت على خلاف إرادة الجماهير، وبتوافق حرّ أو غير حرّ بين القوى المتحكمة في البرلمان في البلاد.
  • مطالب قانونية وشعبية بضرورة تقديم قتلة المتظاهرين إلى القضاء العراقي، ومن ضمنهم رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي، وكافة الوزراء والمسؤولين عن الأجهزة الأمنية والمليشياوية!

في هذه الظروف جاءت حكومة الكاظمي!

 

الكاظمي سعى في أولى خطواته لإلغاء العديد من قرارات سلفه عادل عبد المهدي، ومنها قراره بإعادة الفريق ركن عبد الوهاب الساعدي إلى جهاز مكافحة الإرهاب وعيّنه رئيسا له، والذي استبعده عبد المهدي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي من جهاز المخابرات وهو ما رفضه العديد من المتظاهرين وطالبوا بعودته للجهاز.

وعد الكاظمي بالعمل على تحقيق مطالب الجماهير العراقية في أكثر من مناسبة!

ولاحظنا أنه حاول ترطيب الأجواء مع المتظاهرين إذ أعلن مكتبه أول أمس – السبت – وبعد تسلمه أن “القائد العام للقوات المسلحة أمر بالاجتماع التشاوري للمجلس الوزاري للأمن الوطني الذي عقد اليوم بإطلاق سراح الموقوفين من المتظاهرين بالتنسيق مع القضاء عدا المتورطين بالدم العراقي، وحماية المتظاهرين السلميين ومنع العنف بكافة أشكاله”.

وفي هذا الإطار وجه مجلس القضاء الأعلى في العراق، يوم أمس  – الأحد – المحاكم كافة بإطلاق سراح المتظاهرين.

وأكد المجلس أن “مجلس القضاء الأعلى سبق وان وجه قضاة التحقيق بإطلاق سراح من يتم القبض عليه عن موضوع التظاهر باعتبار إن التظاهرات حق مكفول بموجب المادة 38 من الدستور بشرط أن لا يقترن بفعل مخالف للقانون ضد مؤسسات الدولة أو ضد الأشخاص”.

خطوات حكومة الكاظمي لم تفلح في خفض حجم المظاهرات، ورأينا أن المتظاهرين أعلنوا أنهم مستمرون في احتجاجاتهم ضد الحكومة الجديدة، وانتقدوا بقاء الفاسدين في السلطة.

وقد خرجوا في مظاهرات حاشدة في بغداد وبقية المدن، وكانت مظاهرات ليلة السبت الماضي قد رافقتها أعمال عنف لم يعرف حتى الساعة من يقف وراءها، وأسفرت عن ” إحراق مقرات لحزب الدعوة ومنظمة بدر، ومنزل نائب في البرلمان العراقي عن ميليشيا عصائب أهل الحق في محافظة واسط”!

في ظل هذه الأجواء المتوترة، ومع وعود الكاظمي بملاحقة قتلة المتظاهرين العراقيين سربت وثيقة من مكتب رئيس الحكومة صادرة في السابع من شهر أيار/ مايس الحالي (2020)، وتضمنت قرارا لا يتفق مع قضية ملاحقة قتلة المتظاهرين، حيث كشفت الوثيقة أن الكاظمي قرر إحالة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي وكامل أعضاء حكومته إلى التقاعد، وذيلت الوثيقة بتوقيع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

وجاء في الوثيقة التي لم تنشر في الإعلام، وإنما تمّ تسريبها أنه “بالنظر لمنح مجلس النواب العراقي بدورته الانتخابية الرابعة الثقة للحكومة العراقية وأدائها اليمين الدستورية واستنادا إلى الصلاحيات الممنوحة لنا بموجب الدستور، تقرر إحالة السادة والسيدات رئيس وأعضاء الحكومة العراقية إلى التقاعد”.

هذه الخطوة الأخيرة تؤكد أن الكاظمي لن يحيل عادل عبد المهدي والمتورطين بدماء العراقيين إلى أي محكمة بدليل أنه، ورغم علمه بجرمهم المشهود بحكم وظيفته السابقة، فقد أكرمهم وأحالهم إلى التقاعد رغم أن بعضهم لم يخدموا في الدولة العراقية لأكثر من عام ونصف!

إن حالة التفاؤل غير المبرر بحكومة الكاظمي ستواجه بحقيقة الأمر الواقع في الأيام القليلة القادمة، وخلال كتابة هذا المقال وقعت مواجهات بالنيران القاتلة من قوات الحكومة ضد المتظاهرين على جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء، وهذا خلاف الوعد الذي قطعه الكاظمي على نفسه بعدم استخدم القوة ضد المتظاهرين!

ما يجري الآن في شوارع بغداد وكافة مدن الجنوب يؤكد الإصرار الشعبي على التغيير، وأنهم لن يعودوا لمنازلهم إلا بتحقيق مطالبهم القانونية والأخلاقية، وأنهم رافضون للكاظمي ولكل القوى الحاكمة في الساحة السياسية العراقية.

فمتى يعي هؤلاء الساسة هذه الحقيقة؟