إن هذه الورقة تجيب عن الكثير من التساؤلات حول تواجد القوات الامريكية في العراق ومنها: هل يوجد سند قانوني أو ضرورة عسكرية لبقاء هذه القوات؟ وهل يشكل ملف انسحاب القوات العسكرية الامريكية من العراق أولوية لدى حكومة الكاظمي؟ أم إن هناك اسباب عسكرية ترتبط بتحقيق الامن والاستقرار في العراق تقتضي خروج القوات الامريكية من العراق! أم إن خروجها يمثل مصلحة ايرانية راجحة؟ وهل يوجد هناك توافق سياسي بين المكونات على هذا الانسحاب؟ يضاف الى ذلك ما هي أهداف التواجد الامريكي العسكري في العراق؟ وما هي تداعيات هذا الانسحاب على الامن الداخلي العراقي ؟ وعلى المصالح الامريكية في العراق والمنطقة؟ وهل القوات الحكومية قادرة على حماية البلاد من الأخطار المحدقة به؟ وهل تمتلك القوات المسلحة العراقية الجهازية العسكرية التي تمكنها من استلام الملف الامني والعسكري لمواجهة التحديدات والتهديدات الداخلية والخارجية بدون استدعاء للقوات الاجنبية بما فيها القوات والميليشيات الايرانية؟ ولكن سيبقى السؤال المهم الذي يجب أن تجيب عنه حكومة بغداد هو هل سيضمن الانسحاب الامريكي من العراق الامن والاستقرار للعراق والمنطقة؟ وهل الحكومة قادرة على مواجهة التحديات على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري بدون تدخلات خارجية أمريكية أو ايرانية؟ وماذا يمكن أن يتضمن الحوار الاستراتيجي في حزيران القادم بين بغداد وواشنطن؟ هذا ما سنجيب عنه في هذه الورقة إن شاء الله.

المقدمة:

يبدو بأن سجال خروج القوات الامريكية من العراق يعود من جديد بقوة لواجهة المشهد السياسي والعسكري العراقي، الامر الذي يأخذ اهتمام كبير بالحسابات الامريكية، والايرانية، السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، خاصة بعد أن تكبدت الولايات المتحدة الامريكية خسائر بشرية وعسكرية ومالية كبيرة لذا فهي لن تضحي بما قدمته من خسائر كي تترك العراق مرة أخرى لإيران، علماً إن هذه الحسابات تختلف عن حسابات المصالح العليا للعراق، والتي ضيعتها حكومات الاحتلال المتعاقبة التي حكمت العراق بعد عام 2003،بسبب ضعفها، وتبعيتها للخارج، وعبث الميليشيات الولائية التابعة لطهران، والتي جعلت من العراق، ساحة صراع مفتوحة للتدخلات الخارجية ولتصفية الحسابات الاقليمية، والدولية، وخاصة بين واشنطن،  وطهران، وهذا يجعل الحكومة العراقية بزعامة الكاظمي أمام عقبات وتحديات كبيرة وخطيرة، فرضتها عليها طبيعة المرحلة، وفساد النظام السياسي بعد عام2003،والتي قد تؤدي الى انهيار الدولة العراقية. 

 إن رئيس الوزارة(حكومة الكاظمي) سيواجه ازمات متعددة ومعقدة، داخلية ، وخارجية، دولية، واقليمية، مما يجعله في حرج شديد، وأمام موازنة صعبة حول الملفات التي يجب أن تحتل أولوية في التعامل، وهذا يدفعنا لأن نقول بأن تهديد تنظيم الدولة قد لا يشكل التحدي الاخطر والاكبر لهذه الحكومة، بقدر ما إن هذه الحكومة ستكون أمام تحديات كبيرة منها: ملف الحراك الشعبي ، والفساد المالي والاداري، والازمة المالية، وبناء دولة مواطنة، وبناء جيش مهني وحرفي بعيداً عن الطائفية ، وحصر السلاح بيد الدولة، ومواجهة تغول الميليشيات الايرانية، وجميع هذه الملفات ستتعارض مع رؤية الكثير من الفاعلين المحليين التابعين لطهران، التي ترى بأن الانسحاب الامريكي من العراق يمثل فرصة كبيرة لهم للسيطرة والهيمنة الكاملة على المشهد العراقي، وبنفس الوقت يجعل حكومة بغداد تنظر الى ملف الانسحاب الامريكي بأنه قد يشكل خطر كبير على مستقبل الدولة العراقية في هذه الفترة الحرجة.

 

 

عوامل قانونية وعسكرية تدعم بقاء القوات الامريكية في العراق:

إن الجميع يعرف بأن القوات الامريكية دخلت الى العراق كقوات احتلال في عام2003،واستمر وجودها في العراق حتى عام 2008،حيث استند بقاء القوات الامريكية بعد ذلك على اساس قانوني، بعد أن تم توقيع اتفاقية الاطار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد، والتي وقعت في27تشرين الثاني/ نوفمبر عام2008،والتي تتيح للولايات المتحدة الامريكية تقديم الدعم العسكري، والاسناد اللازم للعراق عند مواجهته لمخاطر تهدد النظام الساسي القائم، كما تضمنت أنهاء التواجد العسكري الامريكي في العراق، على أن تنسحب القوات العسكرية الامريكية من البلدات العراقية بحلول منتصف عام2009، وأن تغادر القوات القتالية البلاد بشكل كامل بحلول نهاية ديسمبر/كانون الاول عام2011، على أن تبقى بعض القوات الاختصاصية للمهام التدريبية فقط، ولا يجوز لأي الطرفين إنهاء الاتفاق ألا بعد مرور سنة واحدة من استلام إخطار من قبل أحد الطرفين بأنهاء الاتفاق.

أما الوجود العسكري الامريكي في العراق بعد عام2014، فقد جاء بناءً على  طلب حكومة بغداد بالتدخل للمحافظة على النظام السياسي القائم، ومواجهة ومحاربة تنظيم الدولة، حيث قادة الولايات المتحدة الامريكية التحالف الدولي، بعد الانهيار الكبير الذي جرى في القوات الحكومية، والتي ادت الى خروج العديد من المدن الحضرية عن سيطرة القوات الحكومية، حيث جاءت هذه القوات بطلب من حكومة “المالكي” ضمن الاتفاقية المشار اليها أعلاه، علماً بأن حكومة “العبادي” عقدت العديد من الاتفاقيات مع الاتحاد الاوروبي، وحلف شمال الاطلسي “الناتو”، على أعادة تأهيل وتدريب قوات الامن الحكومية، وتقديم الاستشارات اللازمة لمكافحة الارهاب، بما فيها موافقة الاتحاد الاوروبي في تموز/يوليو عام2017، على طلب سري قدم من قبل “العبادي” لأرسال بعثة من الخبراء الامنيين الأوروبيين لإصلاح المنظومة الامنية العراقية، علماً بأن هناك اتفاق بين حكومة العبادي، والولايات المتحدة الامريكية ينص على الابقاء على اربعة الالاف جندي فقط لتدريب الجيش العراقي.

 

هل يشكل انسحاب القوات الامريكية أولوية أمام الحكومة القادمة:

إن من أهم الملفات التي ستواجه حكومة “الكاظمي” هي الازمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بالدولة العراقية، والتي وصلت الى عدم قدرة الحكومة على دفع الرواتب، خصوصاً أذا استمر انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية، بالإضافة الى تفشي فيروس “كورونا” مع انهيار النظام الصحي في العراق، مع استمرار الحراك الشعبي المنتفض ضد الطبقة السياسية الفاسدة، يصاحبه انقسام وانسداد سياسي غير مسبوق، مع انفلات وتغول كبير للميليشيات التي فرضت ارادتها السياسية بقوة السلاح على تشكيل الحكومة(حكومة الزرفي مثالا)، بالرغم من إن هذه الميليشيات تعاني من انشقاق داخلي في صفوفها بخروج حشد المرجعية من هيئة الحشد الشعبي، والذي يمكن أن يتطور الخلاف بينهما الى أبعاد أخرى، بالإضافة الى تصاعد العمليات التعرضية لتنظيم الدولة، بعد أن أوقف التحالف الدولي الدعم الجوي، والجهد الاستخباري عن القوات الحكومية ، بسبب تصاعد التوتر وتبادل التهديدات والهجمات بين القوات الامريكية، والمليشيات الولائية التابعة لطهران، والتي تطالب بخروج القوات الاجنبية من العراق بدفع من طهران وخاصة القوات الامريكية.

إن خروج القوات الامريكية من العراق ستكون الذي تكلفته عالية وكبيرة، سياسياً، واقتصادياً، ومالياً، وعسكرياً على العراق، بسبب الاجراءات والعقوبات التي يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة الامريكية، والكثير من دول التحالف الدولي ودول الجوار ضد العراق، لذا أعتقد بأن ملف إخراج القوات الاجنبية (الامريكية) لن يكون من اولويات حكومة الكاظمي، التي لم تكتمل تشكيلتها الوزارية الى الان، مما سيجعلنا نترقب ردود فعل غاضبة للميليشيات الولائية على مثل هذا القرار ومن ورائهم ايران، وبكل الاحوال هناك حوار استراتيجي اطلقته الولايات المتحدة الامريكية مع حكومة بغداد حول تواجدها في العراق في شهر حزيران المقبل، وهو الذي سيبت بشكل واضح وغير قابل للبس بشأن بقاء هذا التواجد العسكري من عدمه، وبعدها سنرى الخطوات التي ستتخذها الاطراف المعارضة للتواجد الامريكي، بما فيها الميليشيات الولائية ومدى التزامها بما يتم الاتفاق عليه مع حكومة الكاظمي، أم أنها ستفرض ذلك الاتفاق اذا تعارض مع مصالح الراعي الايراني، كونها ترى نفسها بأنها تابعة لإيران وليس لحكومة بغداد، وهي ترى بأنها لا زالت فوق الدولة وفوق القانون! وسنرى  كيف ستتعامل حكومة الكاظمي مع هذا التحدي الخطير؟.

 

القوات الامريكية تقوم بإعادة التموضع:

لقد قامت القوات الامريكية في الفترة الاخيرة بإعادة التموضع والانسحاب من بعض المواقع العسكرية، بعد تصاعد الهجمات والتهديدات بينها وبين الميليشيات الولائية التابعة لطهران، بعد أن دعمت حكومة بغداد في5كانون الثاني/يناير2020، تصويت البرلمان الخاص بانسحاب القوات الأمريكية من البلاد،حيث صرح “علي الغانمي” عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية في العراق، بتاريخ10فبراير2020بأن القوات الامريكية بدأت بمغادرة(15)قاعدة عسكرية، مثل القائم، والقيارة، والقصور الرئاسية في الموصل، وغيرها وبات تواجدها ينحصر في قاعدتين الاولى قاعدة “حرير” في محافظة “أربيل” والثانية قاعدة “عين الاسد” بمحافظة “الانبار” حيث تقدر هذه القوات بـ(5200)جندي أمريكي، وهي بحسابات القوة لا تشكل ثقلاً عسكرياً كبيراً، ويأتي هذا الانسحاب الامريكي الى هذه القواعد كونها تؤمن الستر والتحصين بشكل أفضل من المواقع التي انسحبت منها القوات الامريكية خصوصاً بعد نشر بطاريات باتريوت للدفاع الجوي، كما تأتي من ضمن الاجراءات الازمة لمواجهة فيروس “كورونا” وكذلك ضمن استعدادات الادارة الامريكية للانتخابات الرئاسية المقرر اجرائها في نوفمبر القادم، والتي تتطلب التهدئة، وعدم التصعيد، وتقليص القوات الامريكية، وعدم ايقاع خسائر قد تعكر المشهد الانتخابي ألا في حالة الدفاع عن النفس، والذي يعتبر أحد الوعود الانتخابية لهذه الادارة.

 

أهداف التواجد العسكري الامريكي في العراق؟

لاشك بأن التواجد الامريكي في العراق بسبب مصالح سياسية، واقتصادية، وعسكرية، لأن الكثير من الخبراء والمحللين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة الامريكية ينظرون الى الانسحاب الامريكي من العراق عام2011،بأنه كان خطأ استراتيجي كبير جداً ، كونه فتح الباب واسعاً أمام تكريس النفوذ الايراني، ليتوسع ويسيطر بشكل كبير على العراق، الذي يعتبر بوابة الانطلاق للمشروع الايراني في المنطقة، وخاصة في سوريا ، لذا فقد وجدت الولايات المتحدة الامريكية الفرصة سانحة للعودة للعراق مرة أخرى بذريعة محاربة تنظيم الدولة، وبنفس الوقت لتصحيح الوضع القائم في العراق بعد عام2011، خصوصاً مع مجيء أدارة أمريكية جديدة تعمل على ردع وتحجيم النفوذ الايراني في المنطقة، وتسعى لاستعادة دورها في العراق الذي يمثل قيمة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة الامريكية على المدى البعيد، بسبب الاحتياطات النفطية والغازية الكبيرة والتي تمثل مصلحة اقتصادية راجحة، وهذا يحتاج الى تواجد قوات عسكرية على الارض لفرض الامن والاستقرار، وكذلك لمراقبة الانشطة الايرانية التي تزعزع استقرار المنطقة.

يجب أن يفهم القادة في ايران واتباعهم في العراق بأن قواعد اللعبة قد تغيرات، وقواعد الاشتباك أيضاً، وإن الاوضاع في المنطقة قد أخذت منحا جديداَ بعد مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس”، ويجب على قادة الميليشيات في العراق أن يفهموا الرسالة التي وجهت الى ايران بقوة في العراق، والتي تعني بأنهم لن يكونوا بمأمن من الاستهداف الامريكي القادم، في حال استمرت هذه الميليشيات بتهديد القوات العسكرية الامريكية ومصالحها في العراق، ومصالح حلفائها في المنطقة، لأنهم ليس أهم من “سليماني” لذا يجب أن يتلمسوا رقابهم باستمرار، خاصة القادة التي وضعت اسمائهم على قوائم الارهاب الامريكي، فالرئيس الامريكي كان واضحاً مع اسيادكم في ايران عندما قال: بأن “أي استهداف لأرواح أمريكيين يدفعه إلى قصف (52)هدفاً إيرانياً” خصوصاً وأنه يطمح للفوز بفترة رئاسية ثانية ولم يقبل بأي خسائر.

إن وجود القوات الامريكية في قاعدة “عين الاسد” في غرب “الانبار” له دلالات واعتبارات جيوسياسية ، جعلت من التمركز العسكري الامريكي في هذه القاعدة كبير ومهم جداً، كونها تكتسب أهمية استراتيجية كبيرة في الخطط الامريكية المستقبلية، التي تتعلق بالنفوذ السياسي، والعسكري، والاقتصادي لواشنطن، كون هذه المنطقة غنية النفط، والغاز الطبيعي، والفوسفات، كما أنها  قريبة من الحدود السورية مما يتيح لها مراقبة تطور الاوضاع هناك، وخاصة النشاط العسكري الروسي، والتركي، بالإضافة لنشاط الميليشيات الايرانية، كما إن هذه القاعدة بعيدة نوعاً ما عن النفوذ الشيعي والايراني، كونها في تتواجد في منطقة سنية وفي موقع جغرافي يؤمن لهذه القاعدة مرونة كبيرة للقوات الامريكية لمواجهة النفوذ الايراني وقطع الطريق البري أو الممر الاستراتيجي الايراني والذي يستخدم لنقل المقاتلين، والاسلحة، والاعتدة، بتجاه سوريا ، ولبنان، كما أن تواجد القوات الامريكية في هذه المنطقة يؤمن مراقبة الحدود السعودية، والاردنية، والسورية، كما يمكنها من مراقبة تحركات تنظيم الدولة في محافظة الانبار وصولاً الى مدينة الموصل، وصلاح الدين، كما إن وجود القوات الامريكية في قاعدة “حرير” في “اربيل” له دلالات سياسية وعسكرية كبيرة باعتبار التحالف الامريكي- الكردي هو الاوثق والاعمق في العراق منذ زمن بعيد، كما أنها توفر الامن للبعثات الدبلوماسية والعسكرية بشكل أفضل من بغداد، وهي مهمة في الحرب المحتملة تجاه ايران، كما إن التواجد الامريكي بشمال العراق يعد ثقلا موازياً للنفوذ الايراني في جنوب العراق، وحماية مباشرة لكردستان العراق من النفوذ الشيعي والايراني أيضاً، لذا فالانسحاب الامريكي سيشكل أخلالً كبيراً في موازين القوى في العراق.

التحليل:

دوافع سياسية تقف وراء المطالبة بخروج القوات الامريكية :

إن مطالبة الميليشيات الولائية التابعة لإيران بانسحاب القوات الامريكية من العراق بعد مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس” يحمل مغزى سياسي أكثر مما يحمل قيمة وضرورة عسكرية، تقتضيها مصلحة البلاد العليا، قياساً بالسنين السابقة التي وصل فيها عدد القوات الامريكية عام2008،الى أكثر من(168) ألف جندي امريكي، والتي كانوا يطلقون عليها تسمية القوات الصديقة، وكانت تنتشر في مختلف القواعد العسكرية في البلاد، بينما الان تتواجد القوات الاجنبية تحت تسمية التحالف الدولي لمحاربة الارهاب الذي تقوده واشنطن، والذي يضم ما يقارب(68)دولة، ولكن بعد اندحار تنظيم الدولة واستعادة المدن بقية هناك تواجد فعلي لعدد من الدول التي لا تتجاوز(15)دولة، وأبرزها القوات الهولندية، والسويدية، والبريطانية، والإيطالية، والكندية، والتي أنحصر دورها في تدريب القوات الحكومية، بينما انحصر دور القوات الاسترالية، والألمانية، في تقديم الدعم اللوجستي، مع تواجد قليل للقوات الفرنسية، وكذلك القوات التركية في شمال العراق لمواجهة حزب العمال الكردستاني(PKK) الذي يتخذ من جبل “قنديل” مقراً له، ولكن يبقى الدور الكبير والحاسم هو للقوات الامريكية من حيث الانتشار، والقدرات، والامكانيات العسكرية.

خروج القوات الامريكية من العراق مصلحة ايرانية:

إن الدعوات التي تطالب بخروج وانسحاب القوات الامريكية من العراق هي دوافع خارجية، لا مصلحة للعراق فيها على الاقل في المدى القريب، وفي ظل الظروف الصعبة التي يمر بها العراق، والذي يشهد سطوة وهيمنة كبيرة لإيران وميليشياتها على المشهد العراقي، لذا فان انسحاب القوات الامريكية من العراق يمثل مصلحة ايرانية راجحة، بعد أن دفعت ايران الكتل والاحزاب السياسية الموالية لها بالتحرك في البرلمان، من أجل اقرار قانون لإلغاء الاتفاق الامني بين واشنطن وبغداد، وكذلك التحرك عن طريق الميليشيات المسلحة التابعة لها لتصعيد الهجمات على السفارة الامريكية، وعلى المواقع العسكرية التي تتواجد بها القوات الامريكية، وقد حث الكثير من المسؤولين الايرانيين من خلال تصريحاتهم على الضغط على القوات الامريكية للخروج من العراق، والذي اعتبروه الرد الفعلي على مقتل “سليماني”، فقد حث الرئيس الايراني “حسن روحاني” في كلمة له خلال اجتماع الحكومة الإيرانية بتاريخ15كانون الثاني عام 2020، دعا “شعوب المنطقة الى طرد القوات الأمريكية “كما صرح “علي شمخاني” الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في8من مارس/آذار الماضي، عند زيارته للعراق “أن العد التنازلي لطرد القوات الأمريكية من المنطقة قد بدأ؛” حيث جاءت هذه التصريحات أثناء لقائه مع رئيس جهاز المخابرات “الوطني العراقي” “مصطفى الكاظمي” الذي يترأس الوزارة الجديدة.

عدم وجود توافق سياسي على الانسحاب الامريكي من العراق!

إن إقرار البرلمان العراقي قانون يلزم الحكومة العراقية بإخراج القوات الاجنبية من العراق، والذي تضمن الغاء طلب المساعدة المقدم للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، ومنع قوات التحالف من استخدام الاجواء العراقية، وتقديم شكوى رسمية الى مجلس الامن، والامم المتحدة ضد واشنطن، كان قراراً شيعياً وايرانياً بامتياز، والذي جاء ثأراً ورداً على مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس” وجاء تحت تهديد سلاح الميليشيات، التي طلبت معرفة اسماء النواب الرافضين لهذا القانون، علماً إن القانون صدر بموافقة(170) نائباً، وأغلبهم من تحالف “الفتح بزعامة هادي العامري”، وتحالف “سائرون بزعامة مقتدى الصدر” في حين غاب النواب الكرد والسنة عن التصويت، مما أوجد انقسام وجدل سياسي كبير وحاد في الداخل العراقي، بين مؤيد لانسحاب القوات الامريكية، ورفض لهذا التوجه، كونه يأتي ضمن صراع الارادات بين واشنطن وطهران، لذا نجد إن السنة والاكراد رافضين لخروج القوات الامريكية، التي يعتبرونها الضمانة الاكيدة للأمن والاستقرار في ظل التغول الايراني والميليشيات المسلحة، كما يعتقدون بأن الانسحاب الامريكي سيسهم في تأزيم الوضع الامني، وعودة تنظيم الدولة، خصوصاً بعد أن تصاعدت هجمات تنظيم الدولة، بعد أن أعلنت قوات التحالف الدولي تعليق عمليات التدريب للقوات الحكومية، كما علق عمليات الدعم الجوي، والجهد الاستخباري، والتدريبي، الى بعد شهر رمضان.

يتبع..