نظير الكندوري

بعد ولادة متعثرة، رأت حكومة مصطفى الكاظمي النور، لكنها جاءت منقوصة حالها كحال معظم الحكومات التي سبقتها، لتثبت حقيقة يعرفها الجميع، وهي أن هذا النظام السياسي لا يمتلك القدرة على تشكيل نظام سياسي متين يسعى لبناء البلاد، وكل ما يجيد فعله، هو محاولة إرضاء المتغانمين بالعملية السياسية. وحتى في هذا الأمر لم يفلح بفعله بالسنين الاخيرة، دليل ذلك، التعسر الذي تشهده عملية تشكيل أي حكومة من الحكومات.

 

ثلاثة ضد صفر

الشعار الذي رفعته إيران في التشفي بالولايات المتحدة خلال صراعها معها بالعراق، جاء على لسان قائد الحرس الثوري الإيراني، حينما قال: “حققنا النصر على الولايات المتحدة الامريكية في العراق بنتيجة 3- صفر” جاء ذلك التصريح في نوفمبر / تشرين الثاني 2018 حينما أشرف الحرس الثوري الإيراني ومن خلال “قاسم سليماني” بشكل مباشر على صفقة تولي برهم صالح رئاسة الجمهورية، وعادل عبد المهدي رئاسة الوزراء، ومحمد الحلبوسي رئاسة البرلمان، وهو ما اعتبرته إيران نصرا لها. لكن بعد مرور سنتين، أصبح بالإمكان القول، إن واشنطن ردت الضربة لطهران في العراق لتجعلها تخسر بنتيجة 3-صفر؟

وعلى ما جرت العادة عليه، فإن من يضحك أخيرا يضحك كثيرا، فنشوة الانتصار التي احست بها إيران على حساب الشعب العراقي، وهي تقود حرب نفوذ مع الولايات المتحدة في العراق، لم تدم طويلا حتى تحولت الشخصيات التي ساهمت بوصولهم لسدة الحكم، ويأخذوا الجانب الأمريكي ويبتعدوا عنها. هذا ما فعله برهم صالح، والحلبوسي، أما عادل عبد المهدي الذي كانت تعول عليه كثيرا كمرشح توافقي للأحزاب الشيعية، ترتجي منه تجميع الصف الشيعي المتشظي والممزق، فشل في مهمته وقدم استقالته التي كانت متوقعة من الجميع. ليأتي بعده مصطفى الكاظمي الذي طالما وضعت عليه الأحزاب الشيعية والمليشيات عدد لا يحصى من الخطوط الحمراء امام توليه لرئاسة الوزراء.

 

رسالة السفير الأمريكي آتت أكلها

وعلى مدى سبعة شهور من تاريخ تقديم عبد المهدي استقالته، لم تنجح جهود السياسيين الشيعة، في إيجاد بديل له، لأن من الصعب إيجاد بديل يستطيع أن يرضي الشارع المنتفض منذ الأول من تشرين/ أكتوبر  من السنة الماضية، وبنفس الوقت يستطيع إرضاء تلك الأحزاب العتيدة والمليشيات التي خلفها. واستمر الفشل الذي شهد فشل شخصيتين لتشكيل الحكومة، حتى لجأت الأحزاب الشيعية صاغرة لقبول بمرشح برهم صالح لشخصية رئيس المخابرات العراقي مصطفى الكاظمي، وبيتوا النية على افشاله في منحه الثقة لحكومته داخل البرلمان، حتى يصلوا إلى مرحلة، أن من المحتم إعادة تكليف عادل عبد المهدي بتشكيل حكومة جديدة بتغيرات طفيفة عليها.

لكن الدور الأمريكي فهم الخطة وأصر على نجاح الكاظمي في تشكيل حكومته، وذلك عبر  إرسال رسالة من السفير الأمريكي إلى عرَّاب الأحزاب الشيعية نوري المالكي، يتضمن نصها تهديد صريح لتلك الأحزاب، إذا لم يتم منح الثقة للكاظمي. وبالرغم من إن لا السفارة الامريكية ولا أي مسؤول أمريكي أكَّد الرسالة، إلَّا إن كل المعطيات التي تلت تسريب تلك الرسالة إلى الاعلام، تفيد بأن هذه الرسالة كان لها أكبر الأثر على تغيير مواقف الأحزاب الشيعية لكي تمرر حكومة الكاظمي باللحظات الأخيرة.

 

انقلاب من داخل العملية السياسية

وفي الوقت الذي راج بوسائل الاعلام عن خطة أمريكية لعمل انقلاب عسكري بقيادة الولايات المتحدة، على العملية السياسية العراقية المرتهنة للنظام الإيراني، استنادا للتسريبات التي قامت بها صحيفة كويتية نقلا من قائد بالحرس الثوري الإيراني لم تسم اسمه، جاء الانقلاب الأمريكي من داخل العملية السياسية، دون أن تكلّف الولايات المتحدة نفسها عناء القيام بعملية انقلاب عسكرية محفوفة بالمخاطر. والحقيقة إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى كل هذه التكلفة الباهظة لقيادة عملية عسكرية واسعة النطاق لتغير النظام السياسي العراقي كما فعلت ذلك عام 2003، ذلك لأنها تمتلك من الأدوات والوسائل ما تستطيع تحقيق هذا الهدف دون اللجوء على قواتها العسكرية. فهي من تمسك بمفاصل الاقتصاد العراقي، ولديها القدرة على خفض قيمة الدينار العراقي لمستويات قياسية، بالإضافة إلى أنها قادرة على تطبيق العقوبات الإيرانية بحق العراق بسبب خرقه لها، للدرجة التي تجعله عاجز عن إدارة البلاد أو توفير مرتبات الموظفين. وبالتالي فإن ساسة الشيعة قد فهموا الرسالة الأمريكية واستوعبوا مضمونها، وأيقنوا إنهم في طريق إذا ما استمروا فيه، ستكون فيها نهايتهم الحتمية. فما كان منهم إلا أن وافقوا على تمرير حكومة الكاظمي بإيعاز من إيران على أمل أن يقوموا بإفشال هذه الحكومة من خلال وضع العراقيل أمامها.

 

صراع طهران وواشنطن قد بدأ فعليا بالعراق

ويمكننا القول بأن الصراع الحقيقي بين الإيرانيين والامريكان، قد بدأت فعليا بالعراق، من لحظة استلام الكاظمي مهامه كرئيس وزراء. فالتحالف الثلاثي (صالح-الحلبوسي-الكاظمي) يلعب لعبة خطيرة في العراق وبدعم أمريكي غير محدود، ففي اللحظة التي انتهت مهمة برهم صالح بتكليف الكاظمي بتشكيل الحكومة الجديدة، وبرع الحلبوسي في تمريرها بالبرلمان، جاء الدور على الكاظمي ليكمل تلك الخطة التي ستفضي بالنهاية إلى تحجيم النفوذ الإيراني في العراق، ثم التوجه إلى المحور العربي بقيادة أمريكية. الولايات المتحدة بدورها وفي اليوم الأول لتنصيب الكاظمي كرئيس للوزراء، قامت بفتح قنوات تواصل له من أوسع أبوابها مع الدول العربية الفاعلة، وذلك حينما أوعزت لمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد لتوجيه دعوة له لزيارة عاصمتيهما للاتفاق على نوعية الدعم الذي يريده، اقتصاديا وسياسيا. ثم قامت واشنطن بتمديد استيراد العراق للغاز والكهرباء الإيراني، حتى تهدأ الشارع الثائر ضد الحكومة، لا سيما ونحن مقبلين على الصيف العراقي اللاهب.

والكاظمي بدوره  – وفي أول جلسة له لمجلس الوزراء – قام باتخاذ قرارات، لا يمكن تفسيرهاـ إلا بكونها استفزاز للمليشيات والأحزاب الموالية لإيران. حيث قرر إرجاع عبد الوهاب الساعدي الى الواجهة بجعله على رأس جهاز مكافحة الإرهاب ووصفه بالبطل، وهو الذي تم إقالته بدفع من المليشيات. كما وعمد الكاظمي الى اطلاق سراح المعتقلين من المتظاهرين وتعهد بحمايتهم، بالإضافة إلى تشكيل لجنة لمعرفة ومحاسبة المتسببين بقتل المتظاهرين. واطلق صرف رواتب المتقاعدين التي قطعها سلفه عبد المهدي. كل تلك القرارات السريعة والجريئة وبالجلسة الأولى لمجلسه سوف تصب لا محالة في رفع شعبيته، ليجعل الشعب في صفه ويسحب الحاضنة الشعبية من الأحزاب التي تسيطر بشكل أو أخر على جزء منه.

 

ماذا سيكون رد فعل وكلاء إيران؟

من المرجح أن يكون رد الفعل الحقيقي لوكلاء إيران تجاه حكومة الكاظمي، بعد بدأ المحادثات الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة في شهر تموز/  القادم، حيث إن من المتوقع أن اتفاقيات مهمة ستصدر عنها لا ترضي الأحزاب الشيعية ولا المليشيات العاملة في العراق. حاليا فإن الأحزاب والمليشيات التي وافقت على تمرير حكومة الكاظمي مرغمة بسبب الضغط الامريكي، عقدت النية على مواجهة الكاظمي بإجراءات تسبب له الفشل. فمنذ اليوم الأول بدأت التظاهرات تأخذ منحى تصادمي رغم إن ليس من صالح المتظاهرين التصعيد ضد الكاظمي في هذه المرحلة، وقامت الأحزاب وحتى قبل تسلم الكاظمي مهامه الرسمية، بالإيعاز إلى عصابات داعش بتصعيد ضرباتها العسكرية وتجهيزها بأسلحة إيرانية، والعودة إلى مسلسل حرق المزارع والبساتين وغيرها من الأساليب التي تفاقم الوضع على حكومة الكاظمي.

لكن رغم اعتقادنا بأن كل تلك الأساليب، سوف لن تجعل حكومة الكاظمي آيلة للسقوط، إلا أنها سوف تبطأ من عملها في تقليم نفوذ إيران بالعراق. وحين تستيقن تلك الأحزاب والمليشيات إلى إن المعركة في العراق سوف تكون محسومة لغير صالحها، فمن المرجح أن تلجأ إلى التصعيد العسكري ضد هذه الحكومة – خصوصا – إذا ما علمنا أن الكاظمي سوف يستمر بإصدار قرارات حاسمة ضد المليشيات في العراق، الأمر الذي ينذر ببداية حرب أهلية بين تلك المليشيات وبين القوات الحكومية، ونعتقد إن هذا هو السبب المباشر الذي جعل الكاظمي يرجع عبد الوهاب الساعدي لمنصبه كرئيس لجهاز مكافحة الإرهاب، كأول قرار له في رئاسة الحكومة. وليس مستغربا إذا ما طلب الكاظمي من الولايات المتحدة الحماية بشكل رسمي للدفاع عن الشرعية في البلاد ضد المليشيات، إذا ما ارتكبت حماقة وشنت حربًا ضده.

إن الموقف القادم في العراق، هو حرب نفوذ في العراق بين إيران والولايات المتحدة وبكل قوة، وسوف يستخدم الطرفان كل وسائلهم المتاحة لهم في العراق، ورغم أن العراقيين ليس من صالحهم أن تنشب حرب وكلاء في العراق بين هذين الطرفين، كونهم المتضرر المباشر منه، لكن ما يسع العراقيين، إن نتيجة هذه المعركة إذا كانت لصالح الولايات المتحدة -وهو المتوقع- فأنهم سوف يتخلصون من أحد الاحتلالين الذين يعانون منهما، وبالذات من الاحتلال الاستئصالي لدولة طفيلية تُريد أن تبني مجدها على حساب العراق، أما فيما يخص الاحتلال الأمريكي، رغم إنه لن يكون بمستوى الاحتلال الإيراني من الدناءة، إلَّا إنه سوف يزول كما زالت جميع الاحتلالات بالعالم.

 

خاص براسام