شاهو القره داغي                                                                                                                     

بالتزامن مع منح مجلس النواب العراقي الثقة لحكومة رئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي في 7 مايو 2020 -الجاري-، قررت الولايات المتحدة الامريكية تمديد إعفاء بغداد من العقوبات المفروضة على إيران لمدة 120 يوم والسماح للعراق بالاستمرار في استيراد الطاقة من إيران دون مشاكل أو عقوبات ، وفي المقابل جاء الترحيب الإيراني السريع بنيل حكومة مصطفى الكاظمي ثقة البرلمان و التأكيد على التعاون بين البلدين .

وتحدثت صحيفة الغارديان البريطانية في مقال لها عن قدرة الكاظمي على تجاوز ظلال سليماني، و ذكرت أن النفوذ الايراني تأثر كثيرا بعد مقتل قاسم سليماني في العراق، ولكن على الرغم من ذلك فإن “الكاظمي” وصل لرئاسة الوزراء بفضل مصادقة حسن نصرالله عليه.

وسواء كان الكاظمي محسوبا على المعسكر الأمريكي أو الإيراني في العراق، أو كان مستقلا يحاول التوازن بين الطرفين، فإن الأمر المهم و الضروري بالنسبة للمواطنين هو مدى قدرة الكاظمي على مواجهة التحديات السياسية و الأمنية و الاقتصادية التي تعصف بالعراق و قدرته على تحويل الحكومة إلى “حكومة حل لا أزمات” كما أعلن في خطابه .

 

صعوبة التحديات الراهنة

يواجه العراق جملة من التحديات الصعبة التي تحتاج إلى تدخل عاجل و سريع من قبل الحكومة ، حيث بدأت نشاطات تنظيم داعش تتوسع في العراق و تهدد بنسف كل الإنجازات الأمنية التي تحققت خلال الفترة الماضية. إضافة إلى الازمة الاقتصادية بعد انهيار أسعار النفط و ازمة كورونا ، مروراً بالتهديدات المستمرة للميليشيات الموالية لإيران بتحويل العراق ساحة للصراع و استمرار نشاطاتها في المناطق الحدودية و المساهمة في نقل السلاح و الميليشيات إلى سوريا .

العراق بلد الخيرات و الثروات  سوف يصبح عاجزا عن دفع رواتب موظفيه خلال الأشهر القادمة بسبب غياب أي رؤية اقتصادية للحكومات المتعاقبة، وهذا الأمر سيؤدي لتصاعد الغضب الشعبي و زيادة وتيرة الاحتجاجات ضد المنظومة السياسية الفاسدة التي فشلت في الاستفادة أوقات الرخاء و المساعدات الخارجية و أسعار النفط العالية و تسببت بإهدار ملايين الدولارات لتحقيق مصالح شخصية و حزبية على حساب مصلحة المواطنين .

ومع اقتراب سفينة العراق من الغرق بسبب تراكم المشاكل و الازمات ، هناك إصرار كامل من قبل الطبقة السياسية على الاستمرار في النهج السابق، بدليل الضغوطات التي فرضوها لتمرير مرشحيهم للوزارات في الحكومة المؤقتة بقيادة الكاظمي ، ولم تمرر الكابينة بشكل كامل بل تم إرجاء التصويت على وزارتين و لم يحظ خمسة مرشحين على ثقة البرلمان بسبب الخلافات السياسية بين الكتل و الأحزاب .

لا يمكن للكاظمي أن يواجه وحده التحديات الراهنة ، بل الأمر يتطلب جهودا شاملة و مساعدات دولية لتجاوز الازمة الحالية ، و اتخاذ قرارات قاسية و جريئة بحق الفاسدين و الاستفادة من تجارب الدول المتطورة في مكافحة الفساد و تحقيق الشفافية في مؤسسات الدولة ، بالإضافة إلى نقطة مهمة وهي ملاحقة الأموال العراقية المنهوبة ومحاولة استعادتها وخاصة في ظل الازمة الحالية لإعادة ثقة المواطنين و ثقة الأطراف الدولية بوجود طرف عراقي قادر على إدارة الازمة ويستحق الدعم الفوري .

الوعود التي اطلقها الكاظمي سمعناها سابقا من الجعفري و المالكي و العبادي و حتى الأخير عادل عبد المهدي، ولكن جميعهم فشلوا في الميدان العملي و لم يتركوا إنجازا استراتيجيا واحدا بعد ترك السلطة ، ومن الواضح أن الكاظمي قد يكرر نفس السيناريو في حال تردد عن مواجهة حيتان الفساد و قادة الميليشيات، لأن منبع الفساد الرئيسي المكاتب الاقتصادية و الاذرع المسلحة للأحزاب ، و أي محاباة لهذه الأطراف سيكون على حساب مصلحة المواطنين .

هناك إصرار جماهيري على الاستمرار في التظاهرات و الاحتجاجات كنوع من الضغط على الطبقة السياسية و الكاظمي للإسراع في إجراء الإصلاحات الفورية ، ومن الممكن للكاظمي أن يقدم على إجراء الإصلاحات استنادا على دعم الشارع و تجنب مواجهة الشارع الغاضب الذي نجح في إبعاد عبد المهدي عن السلطة ، ومن المهم أن يركز الكاظمي على صوت الشارع بدل ضجيج المطبلين و المتملقين الذين يمدحونه مقابل مصالح شخصية، و أن يتابع الكاظمي نبض الشارع بدل مطالب السياسيين ، وخاصة بعد إعلان “مقتدى  الصدر” عن إعطاءه مهلة (100) يوم للكاظمي لإثبات جدارته و القيام بإجراءات إصلاحية!

مهلة الصدر تأتي ضمن المحاولات المستمرة لركوب المظاهرات مجددا و الظهور كالممثل الرئيسي للمتظاهرين، على الرغم من تورط ميليشيات الصدر في قتل المتظاهرين حتى بعد تنصيب الكاظمي .

تأجيل مواجهة الميليشيات و اتخاذ الإجراءات القاسية ضد الفاسدين سيؤدي لرفع التكلفة لاحقا على العراق و العراقيين ، والإسراع في خطوات تطبيق القانون و حصر السلاح بيد الدولة و استقلالية القضاء و استعادة الأموال من الخارج سيؤثر بشكل مباشر على واقع العراق و يعيد الثقة للمواطنين.

اما الانشغال بالإنجازات الإعلامية و التركيز على التغطية و الشو الإعلامي من قبل الكاظمي فإنه لن يؤدي لمعالجة المشاكل الحالية حتى لو نجح في تخدير المواطنين لفترة معينة ، وخاصة أن الرجل يحاول تحويل القرارات البسيطة لإنجازات كبيرة من خلال الاعلام الخاص به .

 

خاص براسام