شاهو القره داغي       

بعد أيام من تنصيب (مصطفى الكاظمي ) رئيساً لوزراء العراق ، التقى الأخير بالسفير الأمريكي و الإيراني في العراق، و قد أكد الكاظمي أن العراق حريص على إقامة العلاقات الإيجابية مع جميع الدول و عدم السماح لتحول العراق لممر أو مقر للإرهاب أو منطلق للاعتداءات على أية دولة أو ساحة لتصفية الحسابات.

وركز الكاظمي مراراً على حرصه الكبير للعمل على الانفتاح بشكل جاد على المحيطين العربي و الإسلامي وفق مبدأ المصالح المشتركة ، وهذا يعني إنهاء الاحتكار الإيراني للعراق و العمل على إنهاء العزلة العراقية و الاستفادة من دول المنطقة وخاصة المحيط العربي للمساهمة في النهوض بالعراق ومعالجة المشاكل المالية و الاقتصادية التي تعاني منها العراق.

وأول خطوة عملية في إطار هذه الدعوات كانت الزيارة الخليجية التي بدأها وزير المالية العراقي (علي عبد الأمير علاوي) إلى المملكة العربية السعودية في 22 من هذا الشهر ، حيث التقى الوزير العراقي بوزير المالية و الطاقة و الخارجية السعوديين في الرياض ، وسيتوجه الوزير لاحقاً إلى الكويت و الإمارات حسب مسؤول حكومي عراقي بهدف جمع المساعدات المالية للعراق من هذه الدول، في ظل الازمة المالية التي تمر بها العراق نتيجة انهيار أسعار النفط وانتشار فيروس كورونا وعجز الحكومة عن توفير رواتب الموظفين و المتقاعدين خلال الأشهر القادمة والتي تصل إلى أربعة مليارات دولار شهرياً.

منذ 2003 حاولت إيران السيطرة الكاملة على العراق و احتكار السوق العراقي لصالح السلع و المنتجات الإيرانية ورفعت حجم الصادرات الإيرانية إلى العراق إلى 9 مليار دولار وتطمح لرفع الصادرات إلى 20 مليار دولار ، بالإضافة إلى تصدر العراق قائمة الدول المستوردة للكهرباء من إيران، حيث سجلت نسبة العراق من صادرات الكهرباء الإيرانية 82.7 بالمائة.

وحاولت إيران الحفاظ على نفوذها السياسي و الاقتصادي في العراق من خلال ممارسة الضغط على صناع القرار في العراق لمنع الانفتاح على دول الجوار و الإبقاء على المصالح الإيرانية دون المساس بها، كما أكد وزير الكهرباء العراقي الأسبق (قاسم الفهداوي) في حكومة (حيدر العبادي ) عن تدخل إيراني لمنع العراق من الاستفادة من عروض المملكة العربية السعودية بخصوص توفير الغاز الذي تحتاجه بغداد و بأسعار أقل من الأسعار العالمية والتي كانت ستحل أزمة الطاقة التي يعاني منها العراق.

على الرغم من قبول إيران بتولي الكاظمي رئاسة الحكومة وعلى الرغم من معارضة بعض الميليشيات التابعة لها في العراق، إلا ان الموافقة الإيرانية جاءت بعد إدراك طهران أن هناك ضمانات عديدة لحماية مصالحها في العراق ولن تتأثر بتغيير رئيس الحكومة ، وهذا الأمر تم ذكره في صحيفة (آرمان ملي) الإيرانية في لقاء مع السفير الإيراني السابق في الأردن بعنوان “العراق والمستقبل الصعب للعلاقات مع إيران وغيرها”، وجاء فيها : (أصبحت العلاقات بين إيران والعراق قضية استراتيجية تتجاوز عملية صنع القرار الحكومي، إيران تدعم العراق من خلال هياكلها وروابطها الاجتماعية والثقافية والدينية على مستوى رفيع ،و يعتبر العراق العمق الاستراتيجي لإيران وبوابة إلى العالم العربي بالنسبة لطهران) و القسم الأهم في حديث المسؤول الإيراني كان قوله (بأن العلاقات بين إيران والعراق قضية استراتيجية تتجاوز عملية صنع القرار الحكومي) وهذا يعني أن طهران أصبحت تملك من الأدوات ما تؤهلها للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في العراق، ولكن في المقابل تسمح للأحزاب السياسية في العراق بالمناورة و بناء علاقات خارجية مع المحيط العربي لتخفيف آثار الازمة الاقتصادية لأن انتعاش الاقتصاد العراقي سيؤثر بشكل إيجابي على الاقتصاد الإيراني.

بعد يوم واحد من زيارة المسؤول العراقي والتي كانت أول زيارة خارجية لمسؤول في الحكومة الجديدة العراقية إلى السعودية ، أصدر المسؤول الأمني لميليشيات كتائب حزب الله في العراق (أبو علي العسكري) بياناً يطالب فيه بنقل العمليات الإرهابية العسكرية إلى داخل الأراضي السعودية ، بينما أصدر المتحدث الرسمي باسم ميليشيا حركة النجباء (نصر الشمري) بيانا يتوعد فيه الحكومة السعودية بالثأر و الاعتداء.

تزامن صدور هذه البيانات من قبل الميليشيات مع الزيارة الأخيرة لوزير المالية العراقي يدل بشكل واضح على قدرة إيران على عرقلة إنجاز أي اتفاقية عراقية مع دول المنطقة إذا عارضت المصالح الإيرانية أو أثرت على نفوذ طهران داخل العراق، وعلى الرغم من وعود الكاظمي المستمرة على حصر السلاح بيد الدولة إلا انه لم يتخذ خطوات عملية لمواجهة الميليشيات الولائية الموالية لإيران ، وهذا يعني أن الحكومة الحالية تقع تحت ضغوطات الميليشيات ولن تستطيع اتخاذ القرارات بشكل حيادي ومستقل لمصلحة العراق.

سيكون الانفتاح على المحيط العربي قراراً استراتيجياً عندما يصدر عن رغبة حكومية حقيقية لإحداث تغيير حقيقي يُنهي الانفراد الإيراني بالعراق و يتزامن مع قرارات بمعاقبة كل الميليشيات التي تُشكل خطراً وتهديداً على الدول العربية، ولكن في ظل غياب هذه القرارات الجوهرية، فإن هذا التوجه قد يكون تكتيكاً من قبل الأحزاب السياسية لتجاوز الازمة المالية و استغلال العلاقات مع هذه الدول لتوفير الرواتب و معالجة ملف الطاقة لمنع عودة التظاهرات التي شكلت تهديداً حقيقياً على النفوذ الإيراني و السلطة في العراق.

 

خاص براسام