جاسم الشمري 

السياسة فن إدارة الدولة، والتعامل مع الناس بالحكمة والحزم والرحمة والإنصاف، بعيداً عن الظلم والكراهية والأحقاد الشخصية والطائفية والمذهبية!

وكل سياسة خالية من الحكمة والحزم والرحمة والإنصاف هي عبث، وأداة  تدميرية للبلاد والناس، وإن سميت في مرحلة من المراحل الضياع والتبعية بأنها (سياسة) لأنها ستقود في المحصلة لخراب الوطن وهلاك المواطنين، بل وجعل الأحياء منهم في خانة الأعداء للوطن، أو في أفضل الأحوال من السلبيين الذين لا دخل لهم في ما يجري في البلاد في كل الأحوال!

في العراق بعد العام 2003، وصل الصراع بين غالبية السياسيين لمراحل عجيبة، لا يمكن تصورها، ودخلت في دهاليز الملفات الخاصة، وشراء ذمم الآخرين للإيقاع بكل من لا يسير على الخطة المرسومة من رؤوس الحكم، أو من زعماء المليشيات الرسمية!

وكل من يقول رأيه من السياسيين والإعلاميين والوجهاء أو حتى الذين يحاولون الاعتراض على السياسات الطائفية والانتقامية والتهميشية والتبعية سيتهمون بشتى التهم، وفي مقدمتها المادة (4) من قانون مكافحة الإرهاب، فضلا عن تهمة التعاطف والتعاون مع النظام السابق وغيرها من التهم الجاهزة لكل من يريد أن يقول كلمة الحق، في زمن كثرت فيه المظالم (الرسمية)!

وبعد الإيقاع بالضحية سواء أكان من المسؤولين الكبار أو الصغار أو حتى من عموم المواطنين تنهال عليهم غرف التعذيب بشتى التهم التي لا تخطر على البال، شتى أنواع التعذيب!

وتلك التهم، في غالبها العام هي تهم كيدية، وتتم على يد عناصر (مليشياوية) مدربة على انتزاع الاعترافات سواء من الضحية مباشرة، أو من أفراد حمايته، وبعد الحصول على تلك الاعترافات تتم مساومة الأقوياء لإجبارهم على فعل (سياسي) ما لا يتفق أصلاً مع (مبادئ هذا المسؤول) ولا مع ضروريات المرحلة حينها، وأما إن كان المسؤول ضعيفا فيتم سحقه وربما حتى القضاء عليه!

في العراق هنالك العديد من (المسؤولين الشركاء) الذين وقعوا (ضحية) (إخوانهم) في المركب السياسي، ومنهم من تمكن من (الهَرَب) في الوقت الضائع لخارج البلاد، ومنهم من رتبت له مكيدة معينة انتهت باعتقاله واتهامه بتهم كيدية قاصمة للظهر، وعلى رأس هؤلاء النائب عن محافظة الأنبار الغربية ( أحمد العلواني) المعتقل حاليا!

قصة العلواني يمكن أن تكون من الروايات، أو الأفلام المميزة  في عالم الفن والأدب، وذلك لكثرة المشاهد التراجيدية، وربما اللعب بمشاعر البشر التي رافقت تلك الحادثة المرسومة بمداد المكر والكراهية والانتقام!

العلواني عرف بأنه من الشخصيات الداعمة للاعتصامات المناهضة للواقع العراقي ولحكومة نوري المالكي التي حكمت العراق بالحديد والنار في واحدة من أتعس مراحل الحكم!

الحكاية بدأت نهاية العام 2012 حينما انطلقت مظاهرات في أكثر من ست محافظات عراقية منددة بغياب الدولة، والظلم اليومي الرسمي ضد الأبرياء في مدن شمال وشرق وغرب العاصمة بغداد!

وقد ظهر العلواني في حينها على وسائل الإعلام كأحد المعارضين للمالكي!

وتنوعت أسباب الاعتقال للعلواني نهاية العام 2013 لكن هنالك من يقول إنها نتيجة شكوى مقدمة ضده من قبل نائب رئيس الوزراء حينها، “صالح المطلك”، والذي اتهمه فيها بتدبير محاولة الاغتيال والاعتداء الذي حصل على موكبه حينها، لكن الحقيقة أن السبب الأكبر هي معارضة الحكومة!

وقد ذكرت بعض الوثائق المسربة أن المالكي وجدها فرصة للقضاء على العلواني، ولذلك وجه ” بتشكل لجنة تحقيق على أن تتم عملها خلال 72 ساعة فقط”.

وبينت الوثائق أنه مجموعة من الأسماء من بينهم العلواني وشقيقه علي، وآخرين لا نريد التطرق لأسمائهم شاركوا في محاولة اغتيال المطلك!

ورغم انخراط العلواني في العملية السياسية ومشاركته معهم لكن مشاركته هذه لم تشفع له، حيث اعتقل أحمد العلواني من منزله في مدينة الرمادي بالأنبار، في فجر 28 أيلول 2013،

وبعد محاكمات صورية، أصدرت المحكمة الجنائية المركزية في (23 تشرين الثاني 2014) حكما بإعدام العلواني، وهذا الحكم لم ينفذ حتى الساعة!

منع العلواني ولأكثر من عام من الزيارة العائلية، وحتى جلسات المحاكمة لا يسمح لعائلته بحضورها، وأن محامي العلواني (الراحل بديع عارف) اعتذر عن إتمام العمل بالقضية بعد حضوره للمرافعة الثانية بسبب تلقيه تهديدات من جهات وأكد أن حياته مهددة بالخطر!

وبحسب تصريحات عائلة العلواني فإن” النائب العلواني قد تعرض للكثير من التعذيب النفسي والجسدي، والصورة الأولى التي نشرت بعد زيارة عائلته له في المعتقل تقول الكثير حيث إن من يعرف العلواني لن يصدق أن أمامه جسد العلواني لأنه تغير بشكل غريب وكأنه يعاني من مرض ما، أو أن التعذيب قد سحقه سحقاً، بعد أن فقد أكثر من نصف وزنه”!

وهكذا كانت ثمرة العمل السياسي مع أحزاب وشخصيات لا تؤمن بالشراكة ولا تقبل بمفهوم دولة المواطنة!

الشراكة السياسية أثبتت فشلها وحالات الغدر بالعلواني ونائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي، والراحل عدنان الدليمي، ومحمد الدايني ورافع العيساوي وغيرهم تؤكد أن العملية السياسية مكسورة الجناح ولا خير فيها لأنها طائفية ومسيرة من الخارج، ولهذا فإن الغالبية العظمى من المستمرين فيها لم يغيروا شيئا، بل وصاروا مجرد عقبات ضاربة لكل مشروع إنقاذي على اعتبار أنهم يمثلون نصف الشعب العراقي وليتهم نجحوا!

 

خاص براسام