يبدو بان الحقائق على الارض تقول بأن تنظيم الدولة الذي هزم اقليمياً، لايزال يتمتع بقدرات عسكرية نوعية، وبمرونة عالية، وديناميكية كبيرة تمكنه من شن هجمات النوعية ضد القوات الحكومية، كما يمكن أن نقول بأن التحالف الدولي نجح في إخراجه من المدن وأضعاف نفوذه العسكري والمالي بشكل كبير، ولكنه فشل في القضاء عليه بشكل نهائي، وهذا ما تبين من خلال نوعية العمليات المتزايدة والتي تصاعدت وتيرتها في الفترة الأخيرة، مما أثارت قلقاً كبيراً لدى القيادات الامنية والسياسية باحتمالية عودة التنظيم مرة أخرى، بسبب الظروف التي مهدت وساعدت التنظيم على شن هذه الهجمات، ومن هنا نسأل من أين يستمد تنظيم الدولة هذه المرونة العالية ؟وهل هي بسبب تنامي قدراته العسكرية والاستخبارية ؟ أم أنها بسبب ضعف القدرات العسكرية للقوات والحشود الحكومية وتراخيها في هذه الفترة؟.

للإجابة على هذه الاسئلة نقول: إن الحملة الدولية الضخمة والواسعة لمواجهة تنظيم الدولة أدت الى استعادة القوات الحكومية للمدن التي خرجت عن سيطرتها وطرد التنظيم منها، وأجبرته على الخروج منها بعد تكبده خسائر كبيرة، جعلته يندفع للمناطق الصحراوية والجبلية البعيدة نسبياً عن المدن، خصوصاً بعد خسارته للمدن الكبرى كمدينة الموصل والرقة، وللإجابة بدقة على هذه التساؤلات لا بد لنا من قراءة استراتيجية التنظيم الجديدة، التي تقوم على إن خسارة التنظيم للمدن التي كان يسيطر عليها لا تعني خسارته للقوة التي يمتلكها !لذا فهو يعود من الحرب النظامية الى حرب العصابات من مرة أخرى، بعد أن فشل في الحفاظ على المدن التي سيطر عليها بعد عام2014، بسبب الخلل الكبير في موازين القوى، وخاصة الدعم الجوي، والاستخباري، الذي قدمته قوات التحالف الدولي التي تضم أكثر من(67)دولة.

لذا فالتنظيم يعتمد باستراتيجيته العسكرية الجديدة على تفادي المواجهة المباشرة مع القوات الحكومية المدعومة من قوات التحالف الدولي بسبب التفوق الجوي، واختلال موازين القوى، كما أنه يعتمد في عقيدته القتالية على العمليات الهجومية التعرضية وليس الدفاعية، كونه يجيد ويدقن اسلوب حرب العصابات، التي تمتاز بالصدمة، والترويع، وسرعة الحركة، والكر والتحرف، والانتشار، وتنفيذ عمليات أشبه ما تكون بالغارات، التي يضرب فيها أهدافاً محددة كالاغتيال، والخطف، أو تدمير أهداف معينة كنقاط المراقبة والحراسة، وحواجز التفتيش، وقطع الطرق لفترات معينة، ونصب السيطرات الوهمية، يضاف لذلك قدرته على التعرض على عدة جبهات ونقاط في مناطق مختلفة في بوقت محدد، ثم ينسحب الى قواعده الامنية التي أنطلق منها، وهذا يعطي دلالة واضحة إن التنظيم لديه القدرة على ما يلي:

  • قدرة التنظيم على التكييف مع الواقع الميداني الجديد، بما تمليه عليه تعقيدات المرحلة، بما فيها قدرته على تجنب المعارك الخاسرة والتملص منها، بسبب اختلال موازين القوى، وصعوبة مواجهة التهديدات المحتملة، مع تراجع امكانيته وقدراته العسكرية في السيطرة على مدن أو مناطق جغرافية جديدة  كما حصل في عام2014.
  • قدرة التنظيم على تغيير وتطوير الكثير من التكتيكات العسكرية بما يتلائم مع إمكانيته العسكرية وهيكليته التنظيمية الجديدة، وكذلك مع طبيعة ونوعية الاهداف المستهدفة من خلال استخدام مجموعات صغيرة ولكنها قوية ونوعية ومدربة بشكل جيد، مع التركيز على اسلوب الهجمات الانغماسية، والذئاب المنفردة.
  • قدرة التنظيم على التمويل الذاتي، وشراء نوعيات سلاح جديدة، وخاصة الاسلحة الايرانية التي تثير الكثير من التساؤلات في كيفية وصول هذه الاسلحة لمقاتلي التنظيم؟ والتي استخدامها في ضرب المواقع والقوات الحكومية في الهجمات الاخيرة، وهنا نسأل هل هناك أجندة ايرانية في هذه الهجمات، وخاصة في مناطق ديالى لتمرير مخططات طائفية.
  • قدرة التنظيم على الجمع بين العمل الامني والعسكري، وهذا يجعل التنظيم يهتم بشكل كبير في مسألة جمع المعلومات الاستخبارية المفصلة، والتي تعتبر مهمة جداً في حرب العصابات.
  • إن قدرة التنظيم على ضرب مواقع متعددة بجبهات مختلفة يعني بأن التنظيم بدأ يستعيد المبادأة في العمل العسكري، بمشاغلة بعض الاهداف وضرب أخرى في مناطق قد تكون بعيدة عن الهدف المطوب، مما يؤدي الى أرباك القوات الحكومية خاصة في حسابات الفعل وردة الفعل، التي غالباً ما تكون محسوبة، كما حصل في هجوم “مكيشيفة” عندما تكبدت القوات التي جاءت لإسناد النقطة المستهدفة بخسائر كبيرة، فاتت وغفل عنها المخطط العسكري الحكومي.
  • قدرة التنظيم على تحقيق مبدأ المباغتة بهجماته من خلال تحديد وقت، ومكان، واتجاه الهجوم ، لضرب أهداف نوعية ومنتقاة بدقة عالية، وفي جبهات متعددة لخلط الاوراق، ثم الانسحاب الى قواعده الامينة التي انطلق منها.
  • نجاح التنظيم وقدرته على توظيف وفهم الجغرافيا العراقية، بما يضمن استخدامها لتؤمن له الستر ، والاختفاء، والتنقل الامن، وجمع المعلومات، ثم الانسحاب الى قواعد الامنة، لذا فهو يتمتع بنوع من حرية الحركة في الارياف وبعض المدن.
  • الكفاءة العالية للتنظيم في استغلال الفرص المتاحة له، وتحديد الثغرات الامنية، وتشخيص البيئة الهشة في المناطق المستهدف، بما فيها المناطق الرخوة، والتي غالباً ما تكون  الحدود الفاصلة بين قيادات العمليات بين المحافظات، أو المناطق القريبة من المناطق التنازع عليها، أو المناطق الحدودية، والتي غالبا ما تكون ضعيفة، ورأينا كيف بررت قيادة عمليات سامراء بأن الهجوم الذي وقع في منطقة “مكيشيفة” هو ضمن قاطع قيادة عمليات “صلاح الدين” وليس قيادة عمليات “سامراء” وكأن القيادة تتبع لبلد أخر غير العراق، وهذا ينسحب على العمليات التي تنطلق من مناطق خاضعة لإقليم كردستان العراق.
  • توظيفه للصراع السياسي، والضعف الاقتصادي، والخلافات السياسية الطائفية، بما فيها تغول الميليشيات في المناطق السنية، ورفضها كشف مصير الالاف من المغيبين والمخطوفين من هذه المناطق، ورفضها ارجاع النازحين الى مناطق “جرف الصخر” و”عزيز بلد” ومناطق “ديالى” مع عدم وجود خطة لأعمار المناطق المدمرة، وبقاء ميليشيات الحشد الشعبي في هذه المناطق رغم استعادتها من التنظيم، للتضيق على أهالي هذه المناطق، وفرض الاتاوات عليهم، وفتح المكاتب الاقتصادية، والاستحواذ على بعض الممتلكات العامة التي تعود للوقف السني.
  • قدرته على توظيف الصراع الداخلي القائم بين الولايات المتحدة الامريكية، وإيران، وميليشياتها في العراق، والناجم عن “مقتل سليماني” وأبو “مهدي المهندس” بالإضافة الى انسحاب القوات الامريكية من الكثير من المواقع والقواعد العسكرية، الامر الذي فتح الباب واسع أمام التنظيم ليقوم بالتصعيد من عملياته العسكرية ضد القوات الحكومية.

 جميع هذه العوامل تجعلنا نقول بأن التنظيم قادر على انتاج نفسه من جديد، وقادر على إعادة تنظيم صفوفه مرة أخرى، والتي تشمل ترتيب القوة العسكرية، والاستخبارية، والدعم اللوجيستي، وإعادة تنظيم الهيكلة الشرعية والتنظيمية(إدارية وعسكرية)،بما يتلائم مع المتغيرات الميدانية الجديدة التي أفرزتها المواجهة العسكرية المباشرة على الصعيد الأمني، والعسكري، والإداري، والشرعي، فالتنظيم يرى أنه خسر معركة ولكنه لم يخسر الحرب بعد؛ ومن يراقب عمليات التنظيم ويرى نشاطه وتدرجه في شن العمليات الهجومية وتركزيه على محافظة صلاح الدين، وديالى، والانبار، وكركوك، يتوصل لنتيجة بانه في بداية عملياته استهداف بشكل مركز مناطق الاحزمة الريفية المحيطة بالمدن، والتي لا يزال يتمتع فيها بقدر من حرية الحركة ثم انتقل منها بعد ذلك للمناطق الحضرية، ومراكز المدن، والمحافظات، كما حصل في تفجير مديرية الاستخبارات العسكرية في محافظة كركوك، ثم تلتها مناطق جنوب مدينة الفلوجة، والتاجي، وهذا يجعلنا نقول بأن التنظيم يحاول أن يعود الى الواجهة الاعلامية من خلال العودة الى حرب العصابات، التدرج في تنفيذ العمليات الهجومية.

معوقات وتحديات تواجه تنظيم الدولة:

يعاني تنظيم الدولة في هذه الفترة من معوقات وتحديات كثيرة، منها قلة الموارد البشرية، والمالية، وفقدان الحاضنة الاجتماعية، والاختراق الامني الكبير في صفوفه وخاصة قياداته، خصوصاً بعد أن خسر نفوذه العسكري والجغرافي بالعراق وسوريا، وتعرض قياداته للقتل خاصة بعد مقتل العديد من قياداته التنظيمية والشرعية، والامنية، وكان أخراها مقتل زعيم التنظيم(البغدادي)في فجر 27تشرين الاول/أكتوبر عام2019، بغارة جوية نفذتها فرقة العمليات الاولى المختصة بمكافحة الارهاب، والتي يطلق عليها القوات الخاصة الامريكية “دلتا فورس” في قرية “باريشا” بمدينة “إدلب” السورية، كما يعاني من شراسة الحملة العسكرية التي يقودها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ضده، والتي أدت الى خسارة نفوذه بشكل كامل في العراق وسوريا، بالإضافة الى قدراته العسكرية والبشرية، مع فشل الهيئات الشرعية في كسب مقاتلين جدد، لذا فهو يحاول أن يستغل الفوضى السياسية، والازمة الاقتصادية والمالية، والانقسام الحاد بين الكتل السياسية، والخلافات الداخلية، وتردي الوضع الامني، بعد أن تم أيقاف الدعم الجوي والجهد الاستخباري لقوات التحالف الدولي، لذا فقد انعكست جميع هذه المعوقات والمتغيرات والتحديات على بنية التنظيم الحالية وأدائه القتالي. 

إن توالي الضربات على تنظيم الدولة وخسارته للمدن الواحدة تلو الاخرى، وخاصة المدن الكبرى في العراق وسوريا كمدينة الموصل والرقة، شكلت استنزاف كبير لقدرات التنظيم العسكرية والبشرية، حيث وجهت له ضربات مؤلمة، وكان أخرها خسارته لمدينة “الباغوز” الاستراتيجية والتي كانت تمثل أخر معاقل التنظيم في سوريا، والتي تعتبر ضربة قاتلة لأنهاء دولته المزعومة، ليعود التنظيم كما كان قبل عام2014،الى معاقله في الصحراء والمناطق الجبلية، كما إن خسارة التنظيم لكثير منه القيادات الميدانية كانت صفعة أخرى أفقدته توازنه، ولكن الواقع يقول بأن هذه الضربات المتتالية أدت الى شلل واضح في قدرات التنظيم العسكرية والقيادية، ولكنه لم ينقطع ولا يزال نشطاً، فالتقارير الاممية والاستخبارية تشير الى إن التنظيم لا زال يحتفظ بقوات قادرة على شن عمليات هجومية مستمرة وانتقامية، ويتحين ويستغل الفرصة المناسبة لإعادة ترتيباته وقدراته العسكرية لتصعيد العمليات الهجومية، بما يتلائم مع قدراته ومهامه الجديدة، من خلال تفعيل خلاياه النائمة وهو حسب صحيفة “واشنطن بوست” فإن التنظيم لا يزال قويا، ويمثل قوة قاتلة في أجزاء كبيرة من سوريا والعراق.

ماذا يعني توقف الدعم الجوي والاستخباري لقوات التحالف الدولي؟:

لقد أثر توقف الدعم الجوي والجهد الاستخباري لقوات التحالف الدولي بشكل كبير وخطير على القوات الحكومية، وأدى الى تصاعد العمليات الهجومية لتنظيم الدولة في هذه الفترة، لأسباب كثيرة منها ضعف القدرات والامكانيات العسكرية الحكومية لمراقبة تحركات التنظيم، وقلة المعلومات الاستخبارية، أو عدم القدرة على التعامل مع المعلومات الاستخبارية المتوفرة بصورة صحيحة، كما حصل بهجوم “مكيشيفة” في مدينة “سامراء” عندما توفرت المعلومات ولكنها لم تصل بالوقت المناسب الى النقاط المعنية، ولم تتخذ الاجراءات اللازمة لصد أو أيقاف التعرض، كما إن ضعف وغياب منظومة المراقبة الجوية والرصد الالكتروني، بما فيها الاقمار الاصطناعية، وابراج المراقبة، ومناطيد المراقبة، والطائرات المسيرة، جعلت التنظيم يتحرك بأريحية عالية، بعد أن كانت مرصودة من قبل قوات التحالف الدولي، الذي كان يقوم بجميع هذه العمليات، ويقوم بتنفيذ ضربات جوية استباقية، تستهدف مواقع، ومقرات، وتجمعات تنظيم الدولة، بل كان يرصد حركة الافراد، والعجلات في مختلف الظروف الجوية، وبهذا يكون تنظيم الدولة هو أحد المستفيدين من ايقاف الدعم الجوي والجهد الاستخباري للقوات الحكومية، بعد أن فشلت المنظومة الاستخبارية في الوصول الى المعلومة الاستخبارية التي تمنع هذه الهجمات قبل وقوعها، أو التعامل معها في الوقت المناسب، بما فيها تحديد التهديدات المحتملة ومعالجتها قبل وقوعها، وهذا خلل كبير جداً.

التنظيم يوظف الفوضى السياسية:

لقد حاول التنظيم أن يستثمر الازمات داخل النظام السياسي، ويستغل حالة الفوضى السياسية التي يمر بها العراق، خصوصاً مع تصاعد الحراك الشعبي الرافض للطبقة السياسية الحاكمة، وللنفوذ الايراني، الذي ولد حالة مستمرة من فقدان الامن، وعدم الاستقرار السياسي الداخلي، بسبب ضعف الحكومة المركزية ، وأجهزتها الامنية، وعدم قدرتها على معالجة تردي الاوضاع والخدمات، وانتشار الفساد المالي والاداري، وفشلها في اطلاق حملة لإعادة اعمار المناطق المدمرة، كما أنه يوظف الجرائم والانتهاكات التي قام بها الحشد الشعبي والمستمرة بالمناطق السنية، ومنها عدم السماح للنازحين بالعودة الى مناطقهم، وفرض الإتاوات، وفتح المكاتب الاقتصادية، والتضييق على الناس والسيطرة على بعض الاملاك العامة التابعة للوقف السني، وهذا كله يصب في مصلحة التنظيم، وخاصة تمكين الوكلاء التابعين لإيران من هذه المناطق الذي يمكن إن يشعل المقاومة مرة أخرى، في أي فرصة سانحة نتيجة التضييق الذي تقوم به الميليشيات مما ينعش التنظيم من جديد.

يبدو بأن التنظيم قد أعاد النظر في بنيته التحتية بما يؤمن عودته لشن هجمات جديدة، فهو لا يزال يمتلك من المقومات العسكرية ما تمكنه من الاستمرارية في نهجه القتالي، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها في الفترة الماضية، ويبدو بأنه تراجع عن فكرة شن عمليات كبيرة تؤدي الى السيطرة على مناطق جغرافية أو مدن حضرية، حيث تشير المعلومات بأن التنظيم يحاول أن يغير اساليب قتاله وتكتيكاته العسكرية لتتلائم مع المرحلة الراهنة والمتغيرات التي طرأت على بنيته وهيكليته التنظيمية، وهذا أدى الى أعادة انتاج نفسه أو ولادته من جديد،  فهو يقوم بمراقبة الاهداف التي يريد استهدافها بدقة كبيرة، بما فيها معرفة السياق العام لتنقل القوات، حيث تشير صحيفة “نيويورك تايمز” الى إن مقاتلي تنظيم الدولة يقضون وقتا طويلا لمراقبة روتين القوات الأمنية في البلد، و”يبحثون عن الثغرات الأمنية، وأوقات الحركة ،وعندما يجدون الثغرات، يبدؤون بالعمل من خلالها، كما إن قدرة التنظيم على شن الهجمات الليلية يزيد من فاعلية التنظيم، ويقلل من خسائرهم، نتيجة الاستهداف الجوي لمقاتلي التنظيم.

إن تنظيم الدولة يركز في استراتيجية الجديدة على العمل النوعي وليس الكمي ليوظفها إعلامياً، من خلال استهداف شخصيات محددة وأهداف نوعية بعينها، كاستهداف القبائل السنية والقوات القبلية الموالية للحكومة “الحشد العشائري”، بما فيها الشخصيات القيادية المهمة التي يعتبرها التنظيم معادية له، لخلق فجوة بين القوات الامنية والسكان المحليين، مما يجعل الكثيرون يرفضون التعاون مع القوات الامنية كي لا يستهدفوا من قبل التنظيم، من خلال القيام بعمليات اختطاف، أو اغتيال، أو حرق للمحاصيل الزراعية، أو القيام بالقصف العشوائي على المدن والقرى التابعة لهم، لخلق الفوضى، وعدم الاستقرار، فقتل شخصيات مهمة في كل شهر أفضل من تنفيذ الالاف العمليات على أهداف عادية، وقد نفذ التنظيم ما يقارب(15)محاولة اغتيال ضد القادة المحليين في عام2018، فهو يقوم بانتقاء نوعي وواضح للأهداف المراد ضربها دون الاحتفاظ بها، ليتجنب التنظيم دفع كلفة باهظة نتيجة عدم قدرته في المحافظة عليها والدفاع عنها، بسبب السيادية الجوية لطائرات التحالف الدولي، لذا فالتنظيم يحاول أن يخوض حرب استنزاف، لتحطيم معنويات القوات الحكومية وفقدان ارادتها على القتال، كما أنه يحاول  يعيق عودة الحياة الطبيعية للمناطق التي تم استعادتها، ومما يساعدهم في ذلك وجود الحشد الشعبي الذي يقوم بأعمال استفزازية لأبناء هذه المناطق، ومنها منع النازحين من العودة لهذه المناطق.

إن مقتل البغدادي ترك فراغاً كبيراً أثر على تماسك التنظيم وقدراته البشرية والمادية، وبنفس قد يكون هذا الاستهداف خفف الضغوطات الخارجية على التنظيم، الذي فشل في المحافظة على نفوذه، خصوصاً بعد أن فقد نفوذه الجغرافي العسكري، فهما يكون القائد الجديد للتنظيم فلن يكون بذات السطوة والقوة والامكانية التي كان يتمتع بها البغدادي، والذي أدى مقتله الى خلخلت صفوف التنظيم، خصوصاً مع استمرار الحملة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية التي تريد القضاء عليه، مستغلة انكشاف التنظيم وهزائمه المتلاحقة بالعراق وسوريا، مما أدى الى اختلال توازنه العسكري، لذا فهذه العمليات التي تنفذ في العراق هي جزء من اعادة الثقة بقدرات التنظيم العسكرية والتنظيمية، الذي تراجعت وتناقصت موارده وتراخى تماسكه، وبنفس الوقت يريد القائد الجديد أن يثبت قدرته على مواصلة العمل واستعادة المبادأة، وقد تكون العمليات الخارجية أوفر حظاً للتنظيم في الفترة القادمة من العمليات التي تنفذ في العراق وسوريا، خاصة بعد نجاح أسلوب عمليات الذئاب المنفردة، التي لا تتطلب تحضيرات كبيرة لتنفيذها، خاصة في الدول الاوروبية التي تحتضن الكثير من مقاتليه، ليعود بقوة للواجهة الاعلامية، خصوصاً انه استعدى بتشدده المناطق التي حكمها بعد عام2014.

الخاتمة:

إن التنظيم يعاني من استنزف كبير جداً في قياداته وموارده، بسبب خسارته للمعارك التي خاضها التنظيم في الفترة الماضية، والتي أدت الى خسارة قدراته البشرية، والعسكرية، والمالية، وبالتالي خسارة الكثير من نفوذه في العراق وسوريا، فلا توجد حاضنة لهذا التنظيم في هاذين البلدين، كما أنه غير قادر على كسب وتجنيد أفراد جدد في صفوفه، لذا فهو يعاني من ضعف في القدرات العسكرية والبشرية واللوجستية، وهو يعتمد في تنفيذ هذه الهجمات على ما تبقى من أفراد التنظيم من أصحاب الخبرة والعمل النوعي، وهو قادر على خلط الاوراق، من خلال القيام بعمليات يمكن لها أن تزعزع الامن والاستقرار، ولكنه بكل الاحوال ومهما امتلك من مقومات القوة لن يستطيع العودة والسيطرة على المدن والمناطق من جديد، وهذا يعني أننا أمام استراتيجية جديدة، وتكتيكات واساليب قتالية جديدة لا تحتفظ بالأرض، ولكنها موجهة ضد أهداف محددة تواكب المرحلة الراهنة التي يمر بها التنظيم، ومما لا شك فيه أن التنظيم قام بإعادة تنظيم شاملة لهيكليته التنظيمية، والعسكرية، والادارية، والشرعية، بعد الخسائر والمتغيرات الكبيرة التي مر بها التنظيم.