المقدمة:

لاشك إن الكثير من المراقبين والمحللين في الساحة العراقية والمشهد الامني العراقي يعرفون بأن تنظيم الدولة انسحب من كثير من المدن العراقية خصوصاً بعد خسارته لمدينة الموصل، فكانت المعارك التي خاضها بعد ذلك عبارة عن مفارز تعويق ومعارك شكلية، وهذا يعني إن التنظيم لا يزال يحتفظ بقوات لم يتم الزج بها في معارك التنظيم ودفاعه عن المدن، ولكن الشيء الاكيد إن التنظيم ضعفت قوته وإمكانياته وقدراته العسكرية واللوجستية ولكنها لم تنتهي، ومن يراقب المشهد الامني العراقي يرى بأنه كلما تعقدت الامور والاوضاع السياسية في العراق يظهر تهديد تنظيم الدولة من جديد وبقوة، ويجري توظيف ظهوره من قبل الكثير من الاطراف الداخلية والخارجية لخدمة مصالحها في العراق والمنطقة، لذا نرى ظهوره بقوة بعد خروج مظاهرات تشرين الماضي ثم تلاشى بعد ذلك لفترة أخرى، ثم ظهر مرة أخرى بعد تصاعد حدة التوتر بين قوات الحشد الشعبي والقوات الامريكية بعد مقتل “قاسم سليماني”، وأبو “مهدي المهندس”، والذي صاحبه وقف الدعم الجوي والجهد الاستخباري من قبل قوات التحالف الدولي، فيا ترى من هي الجهات المستفيدة من احتمالية عودة تنظيم الدولة للمشهد العراقي مرة أخرى، أو من بقاء تهديده قائما؟، ولماذا لم تتخذ الاجراءات اللازمة لمعالجة هذا التهديد بصورة شاملة وكاملة سياسيا، وعسكريا ، واقتصاديا، واجتماعيا؟، بمعالجات حقيقة للأسباب التي أدت الى ظهوره لضمان عدم عودته مرة أخرى.

من المسائل المهمة لا بد لنا من الوقوف، عندها هي إن ما ورد من معلومات عن تنظيم الدولة في التقارير الدولية والاممية، وكذلك التقارير الاستخباراتية الامريكية، والعراقية، حول القدرات البشرية ،والعسكرية، واللوجستية لتنظيم الدولة، حيث تشير بعض التقارير الصادرة عن الحكومة الأمريكية والأمم المتحدة أنه يوجد ما يصل إلى (25)ألف مقاتل، حوالي (11)ألف مقاتل في العراق، و (14)ألف مقاتل  في سوريا، علماً بأن التنظيم فقد الكثير من قدراته العسكرية والمالية، بسبب خسارته لنفوذه نتيجة المعارك التي خاضها وخسرها في العراق وسوريا، والتي كان أخراها خسارته لمدينة “الباغوز” السورية الاستراتيجية، التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية(PKK)بدعم أمريكي، حيث اعتقلت مقاتلين ينتمون لتنظيم الدولة ينتسبون الى(54) دولة، وهي تحتجز ما لا يقل عن(10)الاف مقاتل، بما فيهم (2000)مقاتل أجنبي، تم اسرهم هناك هذا يعني إن التنظيم فقد الكثير من القدرات والامكانيات القتالية والبشرية، بالإضافة الى فقدانه للحاضنة الاجتماعية التي يمكن أن تؤهله للعودة مرة أخرى لهذه المناطق، لذا فهو يسعى إلى إعادة تأكيد وجوده في المناطق التي فقد السيطرة عليها في العراق، ويحاول استغلال الفرص لشن هجمات انتقامية ضد القوات المحلية والحكومية.

تساؤلات في الامكانيات والقدرات:

لو نظرنا في ميزان القوى في المواجهة القائمة مع تنظيم الدولة لوجدنا هناك اختلال كبير في موازين القوى البشرية والعسكرية واللوجستية، مما يعني إن هناك خلل في ادارة الصراع بشكل كبير، علماً بأننا نعلم بأن حرب العصابات تختلف بشكل كبير عن الحرب النظامية، وهي السبب الرئيسي في اطالة أمد الصراع، لذا سنتناول بعض الامكانيات والقدرات دون الخوض في تفاصيلها، ونطرح بعض التساؤلات حول القدرات العسكرية للقوات المسلحة الحكومية وكما يلي:

أولا: تتكون منظومة القوات المسلحة العراقية من العديد من القوات العسكرية النظامية والغير نظامية ، بما فيها المنظومات الامنية، والاستخباراتية، والمخابراتية، والتي تشمل المسميات التالية:

  • وزارة الدفاع بجميع تشكيلاتها البرية، والبحرية، والجوية، والاستخبارية، والادارية.
  • وزارة الداخلية بجميع تشكيلاتها التي تشمل الشرطة المحلية، والشرطة الاتحادية، وقوات الرد السريع، وقوات حماية المنشآت، والمنظومات الامنية، والاستخبارية.
  • جهاز مكافحة الارهاب.
  • قيادة قوات بغداد.
  • ميليشيات هيئة الحشد الشعبي.
  • ميليشيات الحشد الشعبي التابع لمرجعية النجف(حشد المرجعية).
  • ميليشيات الحشد العشائري السني.
  • وزارة البيشمركه.
  • المنظومات الامنية العراقية التي تشمل جهاز المخابرات العراقي، ومديرية الاستخبارات العسكرية ، وجهاز الامني الوطني العراقي، ومنظومات الامنية في كردستان العراق.

ثانيا: هل من المعقول إن جميع هذه القوات والوزرات الامنية والجيوش والميليشيات المسلحة المدعومة من قبل ايران، ومن قبل قوات التحالف الدولي التي وصل عدد الدول المشاركة فيه الى أكثر من(67)دولة، والتي تقدم الدعم الجوي والاستخباري واللوجيستي للقوات الحكومية منذ عام2014، جميع هذه القوات لا تستطيع القضاء على تنظيم الدولة، علماً إن القوات الحكومية تمتلك من القدرات والامكانيات العسكرية واللوجستية والمالية ما تتفوق به على تنظيم الدولة بشكل كبير وغير قابل للمقارنة، فهل يعقل أن هذه القوات جميعها لا تستطيع أن تواجه(11)ألف مقاتل ينتمون لتنظيم الدولة؟، ومنقطعين تماماً عن العالم الخارجي، ويعانون من قلة الامكانيات العسكرية والبشرية واللوجستية، وصعوبات في التمويل والتعويض، بالإضافة الى أنهم يعانون من رفض الحاضنة الاجتماعية لهم، علماً إن الاجهزة الامنية والاستخبارية والعسكرية لديها معلومات مفصلة عن المناطق الجغرافية التي يتواجد بها التنظيم، والتي نجح في أنشائها بطريقة يصعب الوصول اليها من قبل القوات الحكومية، وهي معروفة ومشخصة بدقة، ولكنهم فشلوا الى الان في القضاء عليه أو على الاقل تحجيم حركته، لذا نراه يتحرك بحرية تامة لمعرفته الجيدة في هذه المناطق، وبمجرد أن أوقفت قوات التحالف الدولي الدعم الجوي والجهد الاستخباري للقوات الحكومية والتي كانت السبب الرئيسي في دحر التنظيم في الفترة الماضية، حتى صعد التنظيم من عملياته الهجومية، ونجح في تنفيذ سلسلة من العمليات الهجومية وعلى جبهات متعددة داخل وخارج المدن، مما اربك الوضع الامني بشكل كبير جداً.

هل يشكل تنظيم الدولة خطراً حقيقياً على الامن القومي العراقي:

في البداية أقول بأن التنظيم لم يعد يشكل خطراً حقيقياً على الامن القومي العراقي لأسباب كثيرة، منها فقدانه لقدراته العسكرية، والمالية، والبشرية، واللوجستية، وتعرض الكثير من قيادته للقتل والاغتيال ، وعدم وجود حاضنة اجتماعية له في المناطق السنية التي سيطر عليها التنظيم في الفترة الماضية، خصوصاً بعد أن تسبب في هذا الخراب والدمار الكبير الذي تعرضت له هذه المناطق، على يد مقاتليه، وعلى يد القوات الحكومية وميليشياتها المسلحة، بالإضافة الى قوات التحالف الدولي، جراء العمليات العسكرية والتي أدت الى طرد التنظيم واستعادة هذه المدن، والتي لا زالت تعاني من عدم جدية الحكومات في اعادة اعمارها وتعويض المتضررين، أو حتى بيان مصير المخطوفين والمغيبين على يد الميليشيات الطائفية، التي ترفض الخروج من كثير من المناطق السنية التي تم استعادتها منذ عام2014، لذا فالتنظيم لن يتمكن من العودة مرة أخرى لهذه المناطق للسيطرة عليها، وهو يحاول أن يستفيد ويوظف ضعف الجاهزية القتالية للقوات الحكومية، وضعف الروح المعنوية لدى بعض القوات، بالإضافة الى عدم وجود التنسيق الامني والعسكري بين الاطراف المعنية وتوظيف الخلافات السياسية بين الاطراف المحلية، علماً بأن تنظيم الدولة انحصر نفوذه على جميع المستويات وكما يلي:

  • على المستوى السياسي: لا شك بأن الظروف السياسية التي توفرت للتنظيم في عام2014، والتي استغلها التنظيم وساعدته في السيطرة على المناطق السنية غير متوفرة الان، ومنها الحراك الشعبي الذي انطلق في المحافظات السنية ضد السياسات الحكومية الطائفية، والذي واجهته حكومة المالكي بالمقاربة الامنية، واستخدام القوة ضد أبناء هذه المناطق، كما إن الدمار الكبير الذي سببه التنظيم لهذه المناطق، والسياسات التي اتبعها التنظيم في هذه المناطق ومنها المعاملة السيئة لأهلها جعلت منها مناطق نافرة لوجوده ورافضة له بشكل غير مسبوق، رغم بقاء الكثير من هذه الاشكالات مع الحكومة عالقة لحد هذه اللحظة، كما إن الظروف بشكل عام والتي سبقت سيطرت التنظيم على المناطق السنية غير متوفرة، كما إن ما حصل في مدينة الموصل في حزيران عام2014، كانت مؤامرة كبيرة تم تنفيذها ضد المناطق السنية لاستباحتها وتدميرها من قبل ايران واتباعها في العراق، بالإضافة الى إن هناك حراك شعبي انطلق في تشرين الماضي عابر للطائفية ، ويطالب بأنهاء الحكم الطائفي، والنفوذ الايراني، ويطالب باستعادة الدولة، وهي من صلب مطاليب المناطق السنية مما يجعله أقرب الى تحقيق مطالب أهل السنة التي خرجوا من أجلها في الفترة الماضية.
  • على المستوى العسكري: مما لا شك فيه بأن القدرات والامكانيات العسكرية والبشرية لتنظيم الدولة تراجعت وضمحلت بشكل كبير، بعد المعارك الكبيرة التي خاضها التنظيم في العراق وسوريا  ، ولن يتمكن التنظيم من الحصول على أمكانيات عسكرية أو بشرية أو مالية جديدة كما حصل عليها بعد حزيران عام2014، باستيلائه على الاسلحة الخفيفة، والثقيلة، ومستودعات الاعتدة ، التي تركها الجيش العراقي والقوات الامنية بعد انسحابها من مدينة الموصل، ثم محافظة صلاح الدين، ومحافظة الانبار، رغم وجود معلومات تشير الى حصوله على اسلحة ايرانية جديدة الصنع، وجميع هذه الامور تعتبر محدد رئيسي على قدرة التنظيم وإمكانياته في العودة مرة أخرى، وحتى لو توفرت له الاسلحة والعتاد فهو يعاني من نقص في القوة القتالية البشرية، نتيجة الخسائر في القيادات والافراد، وهناك أعداد كبيرة منها يقبعون في السجون العراقية والسورية، مما أضعف قدرة التنظيم بشكل كبير.
  • على المستوى الاقتصادي والمالي: إن استيلاء التنظيم بعد حزيران عام2014، على مدن كبيرة وغنية بالموارد الاقتصادية مثل النفط، والغاز، و الكبريت، والفوسفات، والكثير من الموارد الاخرى الزراعية، والصناعية، والتي استثمارها التنظيم بعد سيطرته على هذه المدن، بالإضافة الى استيلائه على المصارف الحكومية، والتي مكنته بصورة كبيرة، وجعلته يتمتع بإمكانية اقتصادية كبيرة ساعدته في انتشاره وسيطرته على هذه المناطق، ولكنه اليوم يعاني من فقدانه لجميع هذه الموارد بالرغم من احتفاظه ببعض هذه الاموال، ولكنه يبدو بأنه عاد مرة أخرى الى الاعتماد على فرض الاتاوات على المقاولين، وعجلات النقل، وأصحاب الاموال، وعلى عمليات التهريب، بحيث تكفي لتغطية عملياته، ونفقاته الادارية، وتكفي لاستمراريته في العمل، ولكنه في الحقيقة يعاني من اشكالية في كبيرة في موارده الاقتصادية والمالية على المدى القريب، ولكنها ليست معانى كبيرة بحيث تمنعه من تنفيذ عملياته الهجومية، لذا فإمكانياته المالية والاقتصادية لا تساعد التنظيم في مسألة العودة مرة أخرى للسيطرة على هذه المناطق التي تتطلب امكانيات كبيرة لإدارتها، فيما لو حصل ذلك. 
  • على المستوى الاجتماعي: إن المناطق السنية طالما كانت رافضة ومقاومة للإرهاب بجميع اشكاله، ورافضة أن تكون حاضنة اجتماعية له، ولكنها كانت حاضنة قوية للمقاومة العراقية التي واجهت الاحتلال الامريكي البريطاني بعد عام2003، والتي قضت مضاجع العملاء، لذا قد يحصل التنظيم على حاضنة جغرافية له في المناطق السنية بسبب طبيعة المناطق الصحراوية والجبلية التي يتواجد فيها التنظيم، ولكنه لن يستطيع أن يحصل على تعاطف الحاضنة الاجتماعية الرافضة له في هذه المناطق، خصوصاً بعد أن دمرت واستبيحت مناطقهم بسببه، بالإضافة الى سياساته الداخلية في التعامل مع السكان المحليين لهذه المناطق والتي منع أهلها من الخروج منها، مما عرضهم للقتل، والاختطاف، والتدمير، على يد الميليشيات الطائفية، لذا فكيف له أن يعود في مناطق هي رافضة لتواجده بشكل غير قابل للبس، رغم عدم وجود معالجات حقيقة من قبل الحكومات للمشاكل التي تعاني منها هذه المناطق، ومنها التميز الطائفي والعرقي، والسياسيات الحكومية الطائفية الظالمة.

 

الجهات المستفيدة من بقاء تهديد تنظيم الدولة قائماً:

يبدو بأن هناك الكثير من الجهات الخارجية والداخلية تستفيد من بقاء تهديد تنظيم الدولة قائماً وتريد بقاء احتمالية عودته قائمة هي جهات  كثيرة، وعلى مستويات متعددة منها دولية، وإقليمية، ومحلية، وجميع هذه الاطراف لديها أجندة ومصالح تتطلب بقاء هذا التهديد قائماً ولو لفترة زمنية محددة حتى ولو كانت على حساب مصلحة العراقيين وأمنهم ومستقبلهم ومن هذه الجهات هي:

  • الولايات المتحدة الامريكية: إن الولايات المتحدة الامريكية تعتبر الانسحاب الذي جرى عام  2011 ، هو خطأ استراتيجي كبير، كونها سلمت البلد لإيران، وعادت الى العراق بعد عام2014، بحجة محاربة الارهاب على أمل عدم الخروج منه ولكي تبرر وجودها في العراق أو سوريا فهي بحاجة لذريعة ولعدو يهدد استقرار المنطقة، وما جرى عام 2014، من سيطرة التنظيم على الكثير من المدن في العراق وسوريا وعدم تدخل الولايات المتحدة الامريكية منذ البداية أي في حزيران من العام نفسه لوقف تمدد التنظيم، يثير الكثير من التساؤلات عن سبب التأخير لشهر أب، ولماذا تركت التنظيم يتمدد ويسيطر على الكثير من المدن، لذا فتبرير التواجد العسكري الامريكي هو لمحاربة الارهاب والقضاء عليه، ولكن حقيقة هذا التواجد هو لمصالح اقتصادية، وسياسية، وعسكرية بعيدة المدى تهم الامن القومي الامريكي ونفوذها في الشرق الاوسط، بما فيها أيجاد توازن مع النفوذ الروسي في سوريا، ولمراقبة النشاطات النووية الايرانية التي أصبحت مرفوضة من قبل أدارة ترامب، لذا فهي تريد لهذا التهديد أن يستمر، طالما يؤمن لها البقاء بالعراق بحجة المساعدة في مواجهة الارهاب وتدريب القوات الحكومية، وتقديم الدعم الجوي والاستخباري واللوجيستي ومراقبة تحركات تنظيم الدولة، ورأينا عندما توقف هذا الدعم كيف صعد التنظيم من عملياته الهجومية ضد القوات الحكومية، التي لا زالت بحاجة ماسة للدعم العسكري والتدريبي الذي تقدمه قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، لذا فهي من الجهات المستفيدة من استمرار تهديد تنظيم الدولة، كون القوات الحكومية غير قادرة على مواجهة التنظيم، بسبب قلة وضعف الدعم الجوي والجهد الاستخباري، وهذا ما أثبتته المعارك التي خاضتها القوات الحكومية مع التنظيم في الفترة الماضية، والتي لا يمكن لها أن تستغني عن الدعم الذي تقدمه قوات التحالف الدولي لها، والذي كان حاسماً في تغير موازين القوى ودحر التنظيم.
  • ايران: تعتبر ايران من الدول المستفيدة من بقاء تهديد تنظيم الدولة واحتمالية عودته، فايران تدخلت في العراق بشكل سافر بذريعة دعم الحكومة العراقية والقوات الحكومية لمواجهة تنظيم الدولة ،ولكنها في الحقيقة هي تدخلت لدعم وتشكيل الميليشيات المسلحة التابعة لها لتنفيذ مشروعها في العراق والمنطقة، حيث سلحت وشكلت ميليشيات تدين بالولاء لها، لذا فبقاء تهديد تنظيم الدولة يضمن بقاء هذه الميليشيات التابعة لإيران، خصوصاً وأنها أصبحت جزءاً من القوات المسلحة العراقية بعد أن شرعن وجودها بقانون مرر بالبرلمان العراقي، كما إن ايران مستفيدة اقتصادياً من خلال بيع الاسلحة لهذه الميليشيات التي شكلت بذريعة مواجهة تنظيم الدولة، كما إن هناك مستشارين عسكرين ايرانيين ولبنانين يعملون مع هذه الميليشيات، وهو جزء من الوجود الايراني الرسمي بالعراق، وما يجري من حرق للمحاصيل الزراعية في المناطق السنية، والقاء الاتهامات على تنظيم الدولة، يصب في مصلحة ايران اقتصادياً، فهي مستفيدة منه بشكل كبير بحيث تحول العراق سوقاً للبضائع الايرانية، وهي محاولة لتوظيف نفوذها في العراق للتخلص والتملص من العقوبات الامريكية التي فرضت عليها، كما يحصل بالنسبة للكهرباء والغاز الذي يشتريه العراق من ايران بأضعاف اسعاره في الاسواق العالمية.
  • ميليشيات الحشد الشعبي الولائية: يبدو بأن الميليشيات التابعة لإيران والتي شكلت بحجة محاربة تنظيم الدولة، لا تريد الانسحاب من المناطق السنية التي سيطرت عليها بعد أن تم استعادتها من قبل القوات الحكومية، ولكي تجد المبرر لبقائها ووجودها في هذه المناطق لا بد من وجود تهديد أو مبرر لذلك، وتهديد تنظيم الدولة هو الاقرب والافضل، لذا يجب أن يبقى قائماً، وإن يستمر، كونها مستفيدة من وجودها اقتصادياً بشكل كبير من هذه المناطق، التي تعتبرها تهديد لها وللنظام السياسي الحاكم، كما أنها تعمل على تنفيذ سياسات طائفية تخدم المشروع الايراني في العراق ، لذا فهي تحاول أن تبقي هذه المناطق غير مستقرة، كما أنها ترفض ارجاع النازحين الى مناطقهم، وهي من قامت باختطاف وتغييب الالاف من أبناء المناطق السنية والذين لا يعرف مصيرهم الى يومنا هذا، حيث جرى اختطافهم بتواطؤ حكومي وقضائي كامل، وهي بذلك تنفذ أجندة ايرانية واضحة المعالم للسيطرة على هذه المناطق، وهي جزء من الصراع الطائفي بهذه المناطق المستباحة، بسبب ضعف الدولة، وأجهزتها الامنية والعسكرية التي أصبحت خاضعة لرغبات قيادات الحشد الشعبي التابعة لإيران ،كما إن ذريعة وجود التنظيم في بعض المناطق السنية يبيح لهذه الميليشيات تواجدها وقيامها بمداهمة الكثير من الشخصيات ومن شباب أهل السنة، وهي تقوم باعتقال شبابها بحجة الانتماء لتنظيم الدولة، ثم تقوم بمساومة أهليهم عليهم مقابل مبلغ من المال، ولكن في حقيقة الامر هي تنفذ أجندة حزبية وطائفية لإفقار أهل السنة والسيطرة على مناطقهم، وخاصة في محافظات “ديالى” والموصل، وصلاح الدين، وحزام بغداد ، لأغراض التغير الديمغرافي الذي تمارسه هذه الميليشيات.
  • الاكراد: لاشك بأن الاكراد كانوا من أكبر المستفيدين من سيطرة تنظيم الدولة على الكثير من المدن الحضرية في العراق، كونها شكلت مرحلة جديدة في تعامل كردستان مع الحكومة المركزية التي كانت في أضعف مرحلها، بسبب الانقسام السياسي، وتمدد تنظيم الدولة، وانهيار المنظومة العسكرية والامنية، ليندفع الاكراد بقوات البيشمركه للسيطرة على المناطق المتنازع عليها، ومنها مدينة كركوك النفطية، ليصرح بعدها مسعود برزاني بأن الحدود ترسم بالدم وأنه لن ينسحب من المناطق التي سيطر عليها بعد حزيران2014، حتى وصلنا الى الاستفتاء الذي دعا اليه برزاني في عام2017، حيث عادت الحكومة المركزية الى أعادة السيطرة على جميع هذه المناطق، بدعم امريكي وايراني، خاصة بعد أن تمكن سليماني من ابرام صفقة مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على تسليم مدينة كركوك بدون قتال، لذا فعودة التنظيم خاصة في هذه المناطق التي يطلق عليها المتنازع عليها، يصب في مصلحة الاكراد الذين ينادون بقيادة مشتركة لهذه المناطق مع الحكومة المركزية، وهم يصرحون بأن القوات النظامية لن تستطيع من ضمان استقرار هذه المناطق مالم تشترك معهم قوات البيشمركه، فعودة تنظيم الدولة لهذه المناطق قد يعيد السيطرة الى قوات البيشمركه مرة أخرى.
  • حكومات المنطقة الخضراء: يبدو بأن تعدد الازمات في العراق أصبحت هي المنقذ للحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق بعد عام2003، ولكي تهرب من الاشكالات الكبيرة التي يعاني منها نظام السياسي القائم، تحاول أن توظف الازمات، فكلما تعددت وتعقدت وازادت الاوضاع في العراق سوأً، وارتفعت الاصوات بفساد الطبقة السياسية، تذهب الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد الى أثارة المخاوف من عودة التنظيم والارهاب مرة أخرى، بحيث أصبح التنظيم الشماعة التي تستباح بها الحرمات، وتدمر بها المدن، ويختطف بها الشباب من أهل السنة ويغيبون، ويمنع النازحين من العودة الى مدنهم ومنازلهم، ويتستر به على الفاسدين، وتتدخل بذريعته القوات الايرانية واللبنانية والاجنبية للعراق، وتعلق بسببه كافة الاستحقاقات التي يجب على الحكومات تنفيذها، لكي تهرب من المشاكل الداخلية، ومن استحقاقات المرحلة لذا فهي تلجأ الى افتعال الكثير من الحوادث الامنية، وتسوقها إعلامياً لتأخذ مداها الاعلامي، كإلقاء القبض على شبكة تعود لتنظيم الدولة، وتسوق بأن هناك مخطط للقيام بتفجيرات كما حصل في البصرة، لكسب التأييد، وايصال رسالة مفادها بأن هناك أولويات، ويجب أن تؤجل هذه المطاليب الان، مثل ما جرى في التعامل مع مطاليب ثورة تشرين والتي لم تنفذ الحكومات المتعاقبة أي منها الى يومنا هذا، بحجج واهية ومتعددة، منها تدهور الوضع الامني، والازمة الاقتصادية، وتفشي فيروس كورونا وغيرها.
  • إن عدم قيام الحكومات المتعاقبة بخطوات جادة لمعالجة الاسباب التي أدت الى ظهور تنظيم الدولة، هي من الاسباب التي تدعوا الى بقاء التنظيم واستمرار تهديده، كما إن فشل الحكومات في ارجاع النازحين الى مناطقهم بسبب سيطرة فصائل الحشد الولائي التابعة لإيران على هذه المناطق، وعدم تعويض المتضررين جراء العمليات العسكرية التي أدت الى تدمير المناطق السنية، وفشل الحكومات في اطلاق حملة لإعادة أعمار المناطق التي دمرت بشكل كامل تقريبا، كما إن عدم أنهاء وجود المخيمات التابعة لعوائل تنظيم الدولة قد يدفع الكثير من الاطفال والشباب الى التطرف من جديد، وتتحمل الحكومة مسؤولية عدم اعادة تأهليهم ودمجهم بالمجتمع العراقي، والذين سيكونون بمثابة قنبلة موقوتة مع مرور الوقت أذا لم يتم الانتباه اليها ومعالجتها، كما إن رفض القيادات الامنية في المحافظات إرجاع الاهالي بحجة وجود أحد الاشخاص التابعين لهذه العوائل ضمن تنظيم الدولة يعتبر من المعالجات الخاطئة التي يجب وقفها والانتباه اليها، ويجب على القضاء التدخل لوقف هذه المهزلة القانونية، فلا يمكن أن تؤخذ وتعاقب العائلة بجريرة انتماء أخيه أو أبنه للتنظيم.

الخلاصة:

الكثير منا يسأل لماذا عاد التنظيم الى تصعيد عملياته الهجومية ضد القوات الحكومية؟ وهل يمتلك من القدرات العسكرية ما تمكنه من السيطرة على المدن مرة أخرى؟ أم أنها حرب استنزاف فقط أو لخط الاوراق وضمان عدم الاستقرار في هذه المناطق ؟أم إن هذه الهجمات ورائها أجندة أخرى بعيدة عن تنظيم الدولة ؟ ولغرض الاجابة على الاسئلة نقول:

إن البيئة المحلية والاقليمية والدولية قد تنمح التنظيم فرصة جديدة لتجاوز الصدمات التي مرت به ليعود بقوة لواجهة المشهد العراقي، كما إن تناقص الضغوطات الخارجية عليه قد تدفعه للعودة مرة أخرى ،والذي يمكن أن يوظف اعلامياً، ولكنه في الحقيقة لن يعود كما كان بعد حزيران عام2014، كما أننا نود أن نسأل هل هناك تغير في البيئة المحلية والاقليمية والدولية؟.

أنا أعتقد بأنه يوجد تغير ولكن نحو الاسوأ !أذن نقول لا يوجد تغير بل إن الاوضاع تنحدر نحو الاسوأ، بسبب تضارب المصالح بين الفاعلين المحليين في الداخل والخارج، فالانقسام السياسي الداخلي أصبح حاداً بين المكون الواحد، بعد أن كان بين الطوائف في الفترة الماضية، كما إن التنظيم يستفيد من الخلافات الداخلية بين المكونات الرئيسية وبين الكتل السياسية ضمن الطائفة الواحدة، كما يحاول أن يوظف الخلاف بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان، وهو يستفيد ويوظف الخلافات والانقسامات التي تعصف بالمشهد العراقي، ويحاول أن يوظفها لمصلحته من خلال أعادة ترتيب صفوفه والتموضع في ثنايا الاختلافات السياسية المحلية، والإقليمية، والدولية.

أن التدخل الايراني في العراق وسوريا واليمن والبحرين جعلت التنظيم يستفيد منه لتجديد خطابه الاعلامي والشرعي، وتوظفيه في تجنيد الشباب المندفع، كما إن إعلان الولايات المتحدة أنها ستسحب قواتها من سوريا، بثت في قيادات التنظيم الامل بالعودة مرة أخرى للمشهد العسكري، ثم جاء الاعلان الامريكي بالسماح لتركيا بشن عملية عسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية الحليف الاستراتيجي لها في مواجهة تنظيم الدولة، كفرصة جديدة في تخفيف الضغط العسكري والميداني على التنظيم، كما وفر مساحة أكبر لتنظيم الدولة لممارسة نشاطه القتالي، مما جعل الاخيرة تهدد بأطلاق سراح الالاف من المساجين التابعين لتنظيم الدولة والمسجونين لديها أذا لم يتم وقف العملية العسكرية التركية في الشمال السوري ، بعد إن نجح الكثير من المساجين من تنظيم الدولة في الفرار، وجميع هذه التطورات دفعت قوات سوريا الديمقراطية الى التراخي في ملاحقة التنظيم والقضاء عليه، وقد عمدت الى ذلك ليستمر تواجدها ودعمها من قبل واشنطن، مما سبب عرقلة للجهود الرامية للقضاء على تنظيم الدولة، واربك المشهد بشكل كبير، كما أن تصاعد حدة التوترات والتهديدات بين القوات الأمريكية وايران من جهة، وبين ميليشيات الحشد الشعبي من جهة اخرى، بعد مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس” أوقف جهود محاربة التنظيم وأضعفها بشكل كبير، وجعل من الصعب على هؤلاء الشركاء التنسيق والتوافق على مواجهة تنظيم الدولة، علماً بأن القوات العسكرية الامريكية قد انسحبت من بعض المواقع العسكرية في العراق، مما أدى الى انخفاض الضغط المسلط على تنظيم الدولة، الامر الذي مهد الطريق لتنظيم الدولة الى تصعيد عملياته الهجومية كخطوة أولى، لاستعادة قوته ونشاطه والذي يمكن أن يصبح تهديداً مستقبلياً من الصعب احتوائه. 

الخاتمة:

هذا يجعلنا نقول بأن التنظيم قادر على تنفيذ عمليات هجومية، ولن تمنعه هذه أي معوقات من القيام بعمليات هجومية تواكب تعقيدات المرحلة التي يمر بها التنظيم، والتي يمكن أن تعيده مرة أخرى الى  الواجهة الاعلامية، لذا فهو يحاول العودة الى حرب العصابات، كونه لا يزال يمتلك مرونة عالية، وقدرات عسكرية، ولوجستية، وتكتيكية، وهجومية متنامية، مع قدرته المتزايدة على الحركة والتنسيق مع خلاياه المنتشرة في مناطق تواجده الجغرافي لشن سلسلة من العمليات الهجومية، بعد أن فشل في خوض الحرب النظامية، بسبب التفوق الجوي الذي غير موازين القوى على الارض، وأجبر التنظيم على التقهقر والتراجع، لذا فهو يسعى لتنفيذ حرب استنزاف طويلة الامد، من خلال قيامه بشن عمليات هجومية نوعية خاصة ضد المتعاونين مع القوات الحكومية، وضرب أهداف تؤدي الى عدم الاستقرار الامني، متى ما سمحت الظروف بذلك، ولكنه لن يكون قادراً على السيطرة على المناطق كما حصل في حزيران عام2014.