شاهو القره داغي
يقرر الإنسان العاقل القفز و البحث عن فرصة نجاة عندما يشعر بأن السفينة توشك على الغرق ، حتى لا يذهب مع السفينة إلى القاع ويغرق و يدفع ثمن أخطاء ربان السفينة .
تعاني سفينة محور (المقاومة) بقيادة طهران من العديد من المشاكل و الازمات السياسية و الاقتصادية في الآونة الأخيرة بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي أدت لانهيار العملة في إيران و لبنان و سوريا وارتفاع التضخم و نسبة الفقر و البطالة بين المواطنين .
تتعامل إيران مع العراق كدولة تابعة لمحور (المقاومة) و ممر لنقل المساعدات العسكرية والمالية و الميليشيات إلى باقي دول المنطقة ، و أدى ارتباط العراق بهذا المحور إلى إضعاف الدولة و إخضاعه لإملاءات إيران و تعطيل الصناعة الداخلية و المشاريع الوطنية لضمان استمرار الاستيراد من الخارج و بقاء العراق خاضعاً لشروط الآخرين ، مع الاستمرار في استنزاف ثروات العراق لخدمة هذا المحور دون أن يكسب أو يربح مقابل بقائه مع هذا المحور الآيل إلى الانهيار.

دوافع التوجه إلى لبنان
قبل أيام وصل وفد وزاري عراقي إلى بيروت لدعم الحكومة اللبنانية ، ضم الوفد العراقي وزير النفط إحسان عبدالجبار و وزير الزراعة محمد كريم الخفاجي. و التقى الوفد العراقي مع رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب ، وتم الاتفاق على قيام العراق بتزويد لبنان بالنفط مقابل استيراد المواد الغذائية و الصناعات و الطبابة اللبنانية، بالإضافة إلى التحضير لمشروع قانون يعفي لبنان من دفع رسوم جمركية على المواد الزراعية و الصناعية والغذائية التي يمكن ان يستوردها العراق من لبنان، والكثير من الخطوات التي تساهم في تخفيف الضغط على الحكومة اللبنانية .
هذا التوجه الحكومي العراقي إلى لبنان لتقديم المساعدة و تخفيف الضغوطات على الحكومة اللبنانية يثير الكثير من الشكوك والتساؤلات في جدوى هذه الخطوة في ظل الازمة الاقتصادية في العراق ولبنان، حيث أن لبنان نفسها تستورد أكثر من 85% من استهلاكه الغذائي من الخارج ، وحسب معلومات كشف عنها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فإن “حوالي 4 مليارات دولار من مجموع ما يستورده لبنان سنوياً ليس بحاجة إليها” ، حيث يظهر بوضوح أن هدف الاستيراد اللبناني يصب في مصلحة سوريا لتخفيف الضغط الاقتصادي عن النظام السوري في مقابل استنزاف الاقتصاد اللبناني و تدمير الصناعة اللبنانية.
ويبدو انه لا توجد مصلحة عراقية وطنية من هذا التوجه العراقي إلى لبنان و تقديم العون و المساعدة للحكومة اللبنانية ، لأن مطبخ القرار الاستراتيجي لهذه الدول هي الجمهورية (الإسلامية) في إيران و القرارات تُتخذ لتحقيق مصالح محور (المقاومة) و تقوية الميليشيات و الأهداف الاستراتيجية لإيران في المنطقة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل دعوات داخلية عراقية لإنعاش القطاع الزراعي و الاهتمام بالفلاحين و تخفيض الاستيراد من الخارج ، بالإضافة إلى دعم المعامل لاستئناف الصناعات الداخلية وتوفير فرص العمل للعراقيين عن طريق هذه المشاريع التي تساهم في تقوية الاقتصاد على المدى البعيد ، ولكن يبدو ان صانع القرار العراقي يُفضل مساعدة الحكومة اللبنانية على مساعدة الشعب العراقي تحقيقاً لرغبات طهران .

ماذا سيجني العراق من المحور الإيراني؟
تراجع أسعار النفط و انتشار فيروس كورونا و استمرار الفساد و تراكم الأخطاء السياسية و الإدارية، أثرت على قدرة الدولة على توفير رواتب الموظفين خلال الأشهر القادمة ، وهذا ما دفع البرلمان العراقي لإقرار قانون يتيح للحكومة اقتراض 18 مليار دولار لإيجاد مخرج للأزمة المالية وسد العجز المالي بعدما رحل رئيس الحكومة السابق (عادل عبد المهدي) وترك خزينة الدولة فارغة .
و صرح وزير المالية الحالي علي علاوي : “بأنه يتعين على العراقيين أن يخضعوا لسياسة تقشف مشددة قد تستمر لعامين ولن نستطيع إدارة الدولة إذا استمر سعر النفط في هذا المستوى لمدة سنة”.
وعلى الرغم من كل هذه المشاكل والأزمات المالية التي يعاني منها العراق ، إلا ان رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي تعهد بالوقوف مع إيران لمواجهة الازمة الاقتصادية و مساعدة طهران في تجاوز الصعوبات ، ومن خلال السياسات الحكومية و اجتماع وزراء حكومة الكاظمي مع السفير الإيراني في بغداد ، يبدو واضحاً أن سياسة الحكومة لن تتغير في طريقة التعامل مع إيران عن سياسات الحكومة السابقة بقيادة عبد المهدي و سيبقى ميزان العلاقات الاقتصادية يميل بوضوح للطرف الإيراني على حساب العراق .
وتجسيداً لذلك أكد رئيس البنك المركزي الإيراني عبدالناصر همتي بأن “طهران تزود العراق بالغاز الطبيعي و لدينا مبالغ في العراق ونريد من خلال قناة الأصدقاء العراقيين أن نقوم بمشترياتنا من الخارج ونتجاوز العقوبات الأمريكية”.
الأطراف السياسية التي تتحكم بالمشهد السياسي في العراق تهدف للحفاظ على الوضع الحالي لضمان مصالحها و حماية نفوذها السياسي و الاقتصادي ، وهذه الأطراف تُدرك تماماً أن ربط مصير العراق بمصير المحور الإيراني يعني الانهيار بصورة تدريجية ولكنها تُفضل بقاء مصالحها الآنية على المصالح الوطنية الاستراتيجية للبلاد، وترفض أي توجه للخروج من المظلة الإيرانية و البحث عن مصالح العراق بعيداً عن الاملاءات و التأثيرات الخارجية ، وسيدفع العراقيون ثمن هذا الرهان الخاسر من قبل رجال السلطة و صناع القرار.

 

خاص براسام