أ‌. د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

 

لقد دللت الانتخابات التي جرت عام ١٩٤٨ (الدورة الثانية عشرة والتي امتدت حتى عام ١٩٥٢ )، على انه في الامكان التدخل فيها مهما سلمت النيات، ولهذا ارتأى عدد من نواب المعارضة في المجلس التقدم بطلب الى حكومة نوري السعيد الحادية عشرة، لوضع تشريع جديد يأخذ بمبدأ الانتخاب المباشر، فنظم ما يقارب الثلاثون نائبا من ابرزهم محمد صديق شنشل وفائق السامرائي وحنا خياط، تقريرا بذلك في ٢٦ شباط ١٩٥١، وجاء فيه :

”… لما كان قانون الانتخابات النيابية النافذ الآن …لا يحقق الهدف المقصود منه وهو تنفيذ ارادة الشعب تمثيلا حقيقيا بل هو في الواقع من أكبر العقبات في سبيل تحقيق هذا الهدف… نرى وجوب الغاء هذا القانون وتشريع قانون جديد يأخذ بطريقة الانتخابات المباشرة…“.

وبدأت مناقشات هذا التقرير في جلسات المجلس المتتالية ٢٨، ٢٩، ٣٠ المنعقدة في ٢٧، ٢٩ آذار، والأول من نيسان ١٩٥١، ففي الجلسة التي انعقدت في ٢٧ آذار ١٩٥١، تحدث النائب محمد صديق شنشل، وابتدأ متسائلا : ”ما هو نظامكم ؟“، وأضاف قائلا : ”هل هو ديمقراطي أم دستوري؟ الجميع حائرون لا يدرون ما هو نظامنا، كل هذا نجم عن عدم تطبيق القاعدة الأساسية في الانتخابات لدى الدول الديمقراطية وهي ضمان ممارسة الفرد لحقوقه العامة …“. واختتم حديثة مبينا الأسباب التي دعت الى تقديم هذا الاقتراح بقوله : ”… نحن تقدمنا بهذا الاقتراح على أساس تطبيق النظام الديمقراطي الذي يفترض الدستور العراقي أن يكون مطبقا فيه وصيانة للأحكام الدستورية وحرصا على ايجاد هيئة نيابية تمثل الشعب لضمان المصالح العامة ولضمان كرامة الفرد …“.

ووجه انتقاده الى قانون الانتخابات المعمول به وعده نظاما قديما يجب تغييره وأشاد في الوقت نفسه بمزايا الانتخاب المباشر وايجابياته بقوله : ” … هل نبقى في قانون الانتخاب، نطبق وسائل انقضى عى تطبيقها نحو نصف قرن كامل وزالت أخيرا من الدنيا بأجمعها، إن للوسيلة في مثل هذا الأمر أهمية كبرى، فالنائب الذي يأتي عن طريق انتخاب مباشر عن أبناء منطقته ويحس بمسؤولياته أمام ناخبيه، بينما نفس النائب لو خرج من نفس المنطقة عن طريق الانتخابات الغير مباشرة يجد نفسه مسؤولا أمام المنتخبين الثانويين وحدهم، حتى لو جرت الانتخابات بحرية تامة عدا ذلك، فان العلاقة بين (النائب وبين مجموعة الناس تتغير بتغيير الوسائل …“.

أما النواب المسيحيين فقد شنو نقدا لاذعا على قانون الانتخابات الذي يعمل على تكريس التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، حين قال النائب (متي سرسم) : ” … قانون الانتخاب مثلا لا يزال لا يعترف بوجود أقليات دينية في البلاد على ما يسمى بالأقليات نظاما انتخابيا يختلف تمام الاختلاف عما يطبق على بقية أفراد الشعب ….

وخاطب أعضاء المجلس منبها ومحذرا من خطورة هذه المسألة بقوله : ” لقد آن الأوان لنا أن نفيق وعلينا أن نمحو هذه الوصمة من تاريخ شعبنا المليء بالكفاح والجهاد، فكيف يجوز لأحد أن يصف سكان هذه البلاد بهذه الكلمات وهم عراقيون دما ولحما …“.

وأضاف ” قانون الانتخاب الحالي مخالف للنص الدستوري القائل بتساوي أفراد الشعب جميعا في الحقوق حسبما جاء في المادة (١٨) من الدستور”. وكذلك وجه اللوم الى نظام الحكم الذي يعمل على تفريق أبناء الشعب الواحد عندما فرق بين نواب الأقليات ونواب الأكثرية في الترشيح، فالأقليات يرشحون في كل المناطق الانتخابية، أما نواب الأكثرية يرشحون عن منطقتهم الانتخابية، وعد هذا الاجراء في منتهى الغبن والاجحاف.

واختتم حديثه تاركا لأعضاء المجلس الحكم بهذا التشريع بقوله : ”… إني أترك لكم تقدير هذا الموقف لتحكموا على العقلية السائدة في هذا البلد ولتتكاتفوا معي في أن نسعى لإزالة هذا الغبن الذي لحق اخوانكم من جراء تشريع ناقص عجيب غريب مشين لكرامة البلد وسمعته في الداخل والخارج، فان الزمن الذي وضع فيه هذا القانون يجب أن يزول ويندثر… ويجب أن تمحى هذه الكلمة البغيضة (أقليات) من قاموسنا فنحن كلنا شعب واحد ولنا وطن واحد وملك“.

كما تكلم عن الموضوع نفسه نائب المسيحيين (عبد الله القصير)، فقد طلب من الحكومة والمجلس أن تحقق له أمنية طالما تمناها، حين قال : ”… نحن نطالب مطالبة ونرغب رغبة أكيدة في أن يمثل مجلس الامة من الرجال المخلصين الأكفاء ولا فرق عندنا اذا كان هناك رجال من الأكثرية أو الأقلية، لذلك فاننا نرجو ونلتمس من الحكومة ورئيس الوزراء أن يساعد بكل ما عنده من الإمكانيات على سد هذه الثغرة، ونرجو أن يكون تمثيل الأقليات على نفس الاسلوب الذي ينتخب فيه ممثلوا الأكثرية…“.

وعلى ما يبدو أن النواب المسيحيين من خلال أحاديثهم تضامنوا مع نواب المعارضة لتعديل قانون الانتخابات.

  • تقرير نواب المعارضة يوقع الحكومة في دائرة الحرج :

تحدث النائب محمد صديق شنشل (من نواب المعارضة) في الجلسة (٣١) المنعقدة في ٣ نيسان ١٩٥١، طالبا من الحكومة ايضاح موقفها من قانون الانتخابات، حين قال : ”… ما زالت الحكومة تتمتم ولا تصرح … قولوا ما هو مبدؤكم ؟“ وتساءل عن سر عدم حضور رئيس وزراء (نوري السعيد) الى المجلس، طالبا حضوره للاستيضاح منه، واختتم حديثه متهكما من الحكومة حينما قال : ”لنفهم شنو (ما هي) قصتكم ؟“، واعتبر (شنشل) أن غياب نوري السعيد (رئيس الوزراء) عن حضور مناقشة هذه الامور المهمة دليلا على ضعف الحياة النيابية، وهنا يؤكد (شنشل) على ضرورة حضور (رئيس الوزراء) لأنه كما قال : ”لا يتجرأ أحد من المسؤولين أن يبدي رأيه ونوري السعيد (رئيس الوزراء) ”. وقد أيده في حديثه هذا النواب ( فائق السامرائي وعبد الكريم الأرزي (نائب بغداد) وسعد عمر (نائب كربلاء). كما طالب إحالة التقرير الى لجنة لدراسته بموجب المادة (٣٩) عن النظام الداخلي للمجلس، الا أن المقترح رفض بالأكثرية.

وعلى ما يظهر أن تقرير نواب المعارضة ومناقشاتهم أوقع الحكومة في دائرة الحرج عند المطالبة باجراء الانتخابات النيابية وفق الاسلوب المباشر مما دفع نواب الحكومة (وغالبهم من أعضاء حزب الاتحاد الدستوري – حزب نوري السعيد) بتقديم مقترح لتعديل قانون انتخاب النواب رقم (١١) لسنة ١٩٤٦، وتضمن المقترح تقليص مدة الانتخابات واعتبار الطعن بالانتخاب باحدى طرق النشر بعد تصديق (المضابط) الانتخابية من قبل المجلس جريمة يعاقب عليها بالحبس لمدة سنتين، ولقي هذا الاقتراح معارضة شديدة من نواب المعارضة في المجلس باعتباره اقتراحا لاصلاح القانون القائم حصرا.وعند اجراء التصويت عليه وافقت الأكثرية الحكومية ب (66) صوتا وخالفه (18) نائبا وتغيب عن الجلسة (42) نائبا.

قوبلت هذه اللائحة التي أبقت على طريقة الانتخاب على درجتين بمعارضة شديدة خارج المجلس، من الأحزاب السياسية والصحافة الوطنية، فأصدر كل من حزب الجبهة الشعبية المتحدة والحزب الوطني الديمقراطي بيانا مشتركا عبرا فيه استنكارهما للائحة التعديل الجديد الذي لم تختلف عن سابقتها، وكذلك فعل حزب الاستقلال، ودعوا الى الوقوف ضد هذا التعديل.

وفي صيف عام  1952 كانت دورة المجلس االثانية عشرة تقترب من نهايتها ولابد من اجراء انتخابات جديدة، فلنرى ما هو موقف البلاط الملكي والحكومة واحزاب المعارضة من ذلك.

 

ملاحظة:

إن الباحث خلال دراسته الاكاديمية في أواخر ثمانينات القرن الماضي صور محاضر جلسات مجلس النواب العراقي خلال العهد الملكي وهو بحوزته، لذا اقتضى التنويه.