أ.د. عدنان قطان باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

         كانت دورة المجلس الثانية عشر (١٩٤٨ – ١٩٥٢) تقترب من نهايتها، في صيف عام ١٩٥٢، ومن المفيد الاشارة الى أن دورتين فقط من دورات مجلس النواب السادسة عشر استكملت مدتها القانونية البالغة أربع سنوات، الدورة التاسعة (١٩٣٩ – ١٩٤٣) والثانية عشر، من مجموع (١٦) ستة عشر دورة.

استقالت حكومة نوري السعيد الحادية عشر في 10 تموز 1952، وحلت محلها حكومة مصطفى العمري في 12 تموز 1952م، وصدرت الادارة الملكية في 27 تشرين الأول بحل المجلس النيابي، على أن تجري الانتخابات للمجلس الجديد خلال المدة القانونية المقررة، وفي 28 تشرين الأول تقدمت الأحزاب السياسية (الاستقلال والجبهة الشعبية المتحدة والوطني الديمقراطي والامة الاشتراكي) كلا على انفراد بمذكرات الى الوصي، متضمنة مطالب اصلاحية عامة، ومن أهمها اعتماد (مبدأ الانتخاب المباشر) وعدم تدخل الحكومة فيها، كما قررت هذه الأحزاب في الوقت نفسه مقاطعة الانتخابات. اذا لم تتحقق هذه المطالب. وقد أدى ذلك اى تراجع حكومة العمري واصدرت بيانا الى الشعب، أوضحت ان الوزارة تتبنى مبدأ الانتخاب المباشر، وشكلت لجنة تضم فريقا من كبار علماء القانون والادارة لدراسة قانون الانتخاب المباشر الذي اقترحته حكومة العمري، على أن يسهم فيها ممثلون عن الأحزاب السياسية، لكن هذه الأحزاب رأت أن رد البلاط الملكي على مذكراتها اتسم بالفتور، كما عدت في الوقت نفسه مقترح حكومة العمري بأنه مناورة مما أدى الى رفضها لهذا المقترح، وأدى الى تصلب موقف هذه الأحزاب وتمسكها بتعديل قانون الانتخابات، مما حدا بها الى اعلانها عن مقاطعة الانتخابات، الا اذا ضمنت الحكومة اجراءها على أساس التعديل المطلوب.

  • مؤتمر البلاط :

وضعت المعارضة الوطنية بعملها هذا حكومة مصطفى العمري والبلاط الملكي أمام الأمر الواقع، ودفع ذلك كلا من العمري (رئيس الوزراء) وأحمد مختار بابان (رئيس البلاط الملكي) الى أن يقترحا على الوصي عبد الاله عقد مؤتمر عام بنية مناقشة هذا الوضع مع الساسة ذوي العلاقة في البلاد، نال المقترح موافقة الوصي.

عقد المؤتمر الذي أطلق عليه البعض (مؤتمر البلاط) برئاسته في 3 تشرين الثاني 1952، وحضره عدد من رؤساء الوزارات السابقين ورؤساء الأحزاب وعدد من الوزراء. كان هذا الاجراء محاولة من الحكومة والبلاط لامتصاص نقمة المعارضة الوطنية، وتهدئة الحالة السياسية المتأزمة ولو الى حين. فضلا عن التوفيق بين وجهات النظر، ومع هذا جاءت النتيجة على النقيض مما كان يبتغيه المجتمعون.

أوضح الوصي (عبد الاله) في البداية أن غرض الاجتماع هو التداول حول مذكرات الاحزاب التي قدمت. لقد حاول قادة الأحزاب (كامل الجادرجي – رئيس الحزب الوطني الديمقراطي) و (محمد مهدي كبة – رئيس حزب الاستقلال) و (طه الهاشمي – رئيس حزب الجبهة الشعبية المتحدة) و (صالح جبر – رئيس حزب الامة الاشتراكي)، من خلال هذا المؤتمر اطلاع الوصي على الامور التي شخصوها في مذكراتهم جليا. وأهمها المطالبة بتعديل قانون الانتخاب وجعله على درجة واحدة، الا أن رؤساء الوزراء السابقين (توفيق السويدي وأشرف العمري وجميل المدفعي) عارضوا فكرة الانتخابات المباشرة. الا ان الوصي غضب وكابر ورفض الاصغاء الجاد لنداء الاصلاح وتهجم على قادة المعارضة واستهان بمذكراتهم. وهكذا انتهى الاجتماع دون جدوى لا سيما بعد أن جرت مجابهه كلامية حادة بين طه الهاشمي ( رئيس حزب الجبهة الشعبية) والوصي عبد الاله حول قضايا الاصلاح المطلوب. لقد كان اهمال الحكومة لمطالب المعارضة من الاحزاب والقوى الوطنية، وبخاصة عدم اصدار مرسوم لتعديل قانون الانتخاب المباشر سببا رئيسا وراء الانتفاضة الشعبية التي حدثت في تشرين الثاني ١٩٥٢ والتي اضطرت مصطفى العمري الى تقديم استقالة حكومته في ٢١ تشرين الثاني ١٩٥٢.

  • مرسوم الانتخابات النيابية رقم (٦) لسنة ١٩٥٢ :

بعد تكليف جميل المدفعي بتأليف الوزارة البديلة أجرى عدة اتصالات لتشكيل الوزارة، لكن أعتذر ”خشية سوء العاقبة“ على حد قول طه الهاشمي، وقد شاع في الوقت نفسه أن هناك مناورة لإيداع الامور بأيدي الجيش، كما شاع أن حل الاحزاب واقع ضمن المخطط، وفي ضوء ذلك وضعت الفئة الحاكمة نوعين من الحل، الأول منه يقضي باستخدام الشدة وذلك بإسناد الامور الى الجيش، أما الثاني وهو اسلوب المرونة واللين ويتجلى بتأليف وزارة تطمئن الشعب وتتعهد بالإصلاحات. هذا ما ورد برسالة طه الهاشمي (رئيس حزب الجبهة الشعبية) الى الدكتور عبد الجبار الجومرد (معتمد الحزب بالموصل) في ٢٤ تشرين الثاني ١٩٥٢، وأضاف الهاشمي في رسالته: بيد أن الفئة الحاكمة فضلت الحل الأول بادعائها أن هناك إخلالا بالأمن وخرقا لبعض المؤسسات. فعهد الوصي الى رئيس أركان الجيش (نور الدين محمود) بتشكيل وزارة عسكرية مؤقتة في ٢٣ تشرين الثاني ١٩٥٢.

يقول المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني في مؤلفه (تاريخ الوزارات العراقية، ج ٨) أن نورالدين محمود حاول بعد أن شكل وزارته تهدئة الحالة الشعبية. واظهار حكومته بمظهر يطمئن به بعض المطالب الوطنية، فأعلن مجموعة اصلاحات فيها الاسراع لإعداد قانون الانتخابات على أساس مبدأ الانتخاب المباشر، فقررت وزارة العدلية في ٢٥ تشرين الثاني ١٩٥٢، تأليف لجنة برئاسة عبد الجبار التكرلي (عضو محكمة التمييز) للنظر في اعداد لائحة انتخاب النواب بصورة مباشرة، واستعانت اللجنة بقوانين انتخاب النواب في كل من مصر ولبنان وسوريا وتركيا، وهي الدول المشابهة أوضاعها للعراق، في وضع لائحة مرسوم للانتخاب يحل محل قانون الانتخاب السابق الذي بني على مبدأ الانتخاب بدرجتين.

قدمت اللجنة لائحة مرسوم للانتخاب المباشر الى الوزارة وهو مرسوم الانتخابات النيابية رقم ٦ لسنة ١٩٥٢. فصدق عليه في ١٦ كانون الأول ١٩٥٢. تميز هذا المرسوم بميزة واحدة وهي جعله الانتخاب مباشرا، كما وزع المناطق الانتخابية الى شعب كثيرة، ولم يقتصر انتخاب أعضاء الهيئة التفتيشية على المناطق، ثم قبول انتخاب أعضاء الهيئة التفتيشية على المناطق، ثم قبول انتخاب النائب بالأكثرية. في حين لم يرد في المرسوم ما يشير الى شأن الطعن في النيابات بعد تصديق المضابط الانتخابية يعد جرما يلزم العقاب. وفي الأول من تموز ١٩٥٢، شرعت الحكومة تعديلا عندما أصدرت قانون انتخاب النواب رقم (٧٤) لسنة ١٩٥٢، الذي ألغت بموجبه تمثيل الأقلية اليهودية في البرلمان العراقي بسبب مغادرتهم العراق، وأصبح عددهم أقل من النصاب اللازم لانتخاب نائب لهم في أية دائرة من الدوائر الانتخابية.

في القسم الثاني سوف نرى – إن شاء الله – كيفية تنفيذ المرسوم وإجراء عملية الانتخابات بالأسلوب المباشر