• شاهو القره داغي

بالتزامن مع إعلان البنك المركزي العراقي تأمين رواتب الموظفين لشهر تموز وقبل عيد الأضحى المبارك، ينتظر الموظفون في (إقليم) كردستان العراق إعلان الحكومة عن موعد صرف رواتب شهر آذار بعد 30 يوما على توزيع رواتب شهر شباط مع استقطاع وصل إلى 20% من رواتب الموظفين وقد يزداد الاستقطاع إلى 30% في حال عدم وصول الإقليم إلى اتفاق مع الحكومة المركزية في بغداد.

كان لدى حكومة الإقليم عدة مصادر لتجميع الموارد و توزيع رواتب الموظفين وهي (إيرادات النفط، الإيرادات الداخلية، مساعدات التحالف الدولي ، و حصة الموازنة التي كانت تأتي من بغداد) ، ولكن في الفترة الأخيرة وبسبب تراجع أسعار النفط وانخفاض الإيرادات الداخلية و توقف بغداد عن إرسال حصة الإقليم من الموازنة ، أصبحت حكومة الإقليم عاجزة عن توفير رواتب الموظفين، و لجأت لاستقطاع نسبة من الرواتب على الرغم من تأخرها، بحجة إجراء إصلاحات لمساعدة الحكومة في القيام بواجباتها و صرف الرواتب حسب الإمكانيات المتاحة حالياً.

 

ينظر المواطنون في إقليم كردستان العراق بقلق شديد نحو الإجراءات الأخيرة لحكومة الإقليم، وخاصة استقطاع الرواتب بحجة وجود الازمة المالية ، حيث يرى الكثيرون أن هناك مجالات و أبواب كثيرة للفساد في الإقليم من الأولى على الحكومة التعامل معها قبل المساس برواتب الموظفين .

في أواخر حزيران الماضي نشر الكاتب الصحفي المعروف (عارف قرباني) مقالاً يتحدث فيه عن إخراج ملايين الدولارات من الإقليم من قبل الحزبين الحاكمين في الإقليم منذ عام 2003 وحتى الآن ، ويقول (قرباني) في المقال” بعد سقوط النظام العراقي السابق، جاء بول بريمر إلى كردستان العراق حاملاً 3 مليارات دولار من مال العراق وقام بتسليمه إلى الإقليم، و الحزبين الحاكمين لم يودعوا هذا المبلغ في خزينة الحكومة و لم يوزعوه على المواطنين في الإقليم، بل تم تقسيم المبلغ بين الطرفين و إرساله إلى خارج الإقليم”.

ويضيف قائلا “في أواخر عام 2011 عندما كانت تأتي الكثير من الأموال من بغداد وكانت زائدة عن حاجة الإقليم، تراكمت 4 مليارات دولار من أموال شركات النفط الأجنبية في الإقليم، تم توزيع المبلغ بين الحزبين و إرساله إلى الحسابات البنكية التابعة لهم في الخارج”.

“وفي بداية عام 2013 وبسبب الظروف السياسية آنذاك، تم نقل و إفراغ كل الأموال التي كانت موجودة في بنوك الإقليم، وكانت الأموال للمواطنين و المشاريع و فروع البنوك الاهلية في الإقليم، وتم تكديس الأموال في مخازن تابعة للحزبين الحاكمين دون أن يتطرق البرلمان أو السلطة القضائية او الادعاء العام او حتى المواطنين والاعلام لهذه القضية الخطيرة”.

أموال هذه الحالات الثلاث التي ذكرها الكاتب يكفي لرواتب الموظفين في الإقليم لمدة عامين كاملين ، ولكن حكومة الإقليم لا تتطرق إلى هذه الملفات و تنشغل بالإصلاح عن طريق استقطاع و ادخار رواتب الموظفين تطبيقاً للمقولة القائلة “عند وجود فائض في الميزانية تذهب الى جيوب الأغنياء و عند وجود عجز في الميزانية يتم سداده من جيوب الفقراء.”.

أما بخصوص الملفات الأخرى للفساد ، فإن المعابر الحدودية أصبحت من أكثر الأبواب فساداً داخل الإقليم حسب معلومات نواب البرلمان ، حيث يؤكد النائب (علي حمه صالح) أن ” حجم الفساد في المعابر الحدودية يصل إلى 150 مليون دولار شهرياً، وهناك 27 شركة تحصل على ملايين الدولارات شهرياً من خلال نشاطات غير قانونية و أخذ الأموال من التجار و رجال الاعمال ، إضافة إلى وجود العديد من الشركات التي دخلت في شراكات مع بعض المسؤولين و تُدخل بضائعها عن طريق التهريب، دون أن تتحرك الحكومة لإيقاف هذا الفساد او تحجيمه.

لا يمكن التعويل على عمليات الإصلاح و مكافحة الفساد إذا لم تبدأ بمصادر دخل الأحزاب الحاكمة و محاسبة حيتان الفساد و تفعيل مبدأ (من أين لك هذا) مع كل المسؤولين الذين استغلوا مناصبهم الحكومية والحزبية كوسيلة للإثراء الغير مشروع ، وكما يقول باني النهضة السنغافورية (لي كوان يو) فإن (تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج .. يبدأ من الأعلى نزولاً للأسفل ) وحينها يمكن تحقيق نتائج ملموسة و انعاش الاقتصاد الوطني و استرجاع الأموال المنهوبة و توفير الرواتب بكل أريحية دون ادخار او استقطاع، ولكن حكومة الإقليم ومن خلال الإجراءات الأخيرة تُحمل الشعب مسؤولية الفساد داخل مؤسسات الدولة و تحاول معالجة الحكومة على نفقة المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وحاجة الموظفين إلى الرواتب.

من الصعب أن يقتنع المواطن بجدوى الإجراءات الحكومية وشعارات مواجهة الفساد وهو يرى الانفاق الهائل للأحزاب الحاكمة على نشاطاتها و قنواتها الإعلامية دون أن تتأثر بالأزمة المالية ، بينما يتأثر المواطن وينقطع راتبه بحجة وجود أزمة اقتصادية ونقص في السيولة ، وخاصة في ظل غياب الشفافية في ملف إيرادات النفط و الإيرادات الداخلية والتي تزيد الشكوك حول الجهود الحكومية لمحاربة الفساد و إجراء إصلاح حقيقي شامل يصب في صالح المواطنين و ينعكس بالإيجاب على الواقع الاقتصادي للبلاد.

 

 

مقال خاص براسام