ارتفعت المطالبات في العراق لكثير من ساحات التظاهر والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب حكومة بغداد باتخاذ الاجراءات اللازمة لتجنيب العراق ما حدث في فاجعة تفجير بيروت، التي سلطت الضوء على مخازن العتاد والاسلحة التابعة لميليشيات الحشد الشعبي والمنتشرة داخل الاحياء السكنية في مدينة بغداد ومدن العراق الاخرى، كون النظام السياسي في العراق يسير على خطى النظام السياسي الحاكم في لبنان(حزب الله اللبناني)، و(ميليشيا الحوثي)في اليمن، وهناك دولة موازية للدولة العراقية تقودها الميليشيات وتعمل خارج سيطرة الدولة، ولا تكترث بحياة المدنيين، ولا يهمها شيء سوى مصالحها فقط ، لذا فجميع هذه التخوفات التي اطلقها العراقيون هي مشروعة ومبررة، لأن بقاء هذه المخازن التابعة للميليشيات داخل المدن تشكل تهديد مستمر ومباشر لحياة الابرياء، خصوصاً وإن لديها أسلحة وأعتدة وصواريخ لها طاقة تدميرية كبيرة، وهي منتشرة في مناطق واسعة ومكتظة بالسكان، والتي يمكن أن تؤدي الى كارثة إنسانية كبيرة في حالة انفجارها.

إن ما جرى في فاجعة “بيروت” أثارت الكثير من الشجون في العراق، فما حصل هو جريمة ذات ابعاد اقتصادية، وانسانية، واجتماعية، وصحية، مر بها العراق في الاعوام الماضية، وكانت تجربة مريرة وقاسية بسبب الكم الهائل والكبير والخطير من الانفجارات التي حصلت في الاعوام الماضية بمختلف أنواعها، والتي حصدت الالاف من الضحايا ،وتكبد العراق فيها الكثير من الخسائر المادية والمعنوية، وسأذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر عددا من التفجيرات التي لا زالت عالقة في ذاكرة العراقيين، بدأً من تفجير المرقدين (العسكريين)،في مدينة “سامراء” عام2006، والتي ثبت بالدليل القاطع وقوف ايران ووكلاءها هي وراء هذا التفجير الى جر البلد الى الحرب الاهلية الطائفية، وصولاً الى تفجير “الكرادة الشرقية” الذي حصل في3تموز/يوليو 2016، والذي أسفر عن مقتل أكثر من(324)،شخصاً وجرح ما يقارب(250)،أخرين بالإضافة الى تفجير منطقة “العبيدي” في2ايلول/ سبتمبر2016، حيث أنفجر مخزن عتاد وأسلحة راح ضحيته ما يقارب(15)، قتيلاً مع اصابة العشرات من المدنيين، بعد أن انطلقت الكثير من الصواريخ التي سقطت على منازل المدنيين في المنطقة، ثم جاء الانفجار الذي حصل في6حزيران/يونيو عام2018، والذي نتج عن انفجار كدس عتاد كبير كان مخزن بشكل غير قانوني في داخل “حسينية الامام الحسين” في القطاع رقم(10)، “بمدينة الصدر” ويعود “لسرايا السلام” التابعة “لمقتدى الصدر” والذي تسبب في مقتل أكثر من(18)، شخصاً وجرح ما يقارب(90)، شخصاً أخرين كما تسبب في هدم الكثير من المدارس والعشرات من المنازل، وأحدث حفرة في مكان الانفجار يصل قطرها أكثر من(25)،متراً وخلف خراباً ودماراً هائلاً  في منطقة الانفجار.

ايران هي الجهة الرئيسية التي استند عليها الحشد الشعبي في تسليح وتجهيز ميليشياته بالعراق، والتي تقدم مختلف أنواع الاسلحة، والاعتدة الخفيفة، والمتوسطة، والثقيلة، بالإضافة الى الصواريخ بمختلف أنواعها، والتي تصل من إيران بشكل رسمي، وغير رسمي، عبر الحدود

أما العام 2019، فقد الذي حافلاً بالكثير من التفجيرات التي طالت في غالبها مخازن أعتدة تابعة لميليشيات الحشد الشعبي، حيث كانت عبارة عن سلسلة متكاملة من الانفجارات، التي طالت الكثير من أكداس العتاد الثقيلة، والمتوسطة، والتي بدأًت من تفجير كدس عتاد في “معسكر الشهداء” في منطقة “أمرلي” بمحافظة “صلاح الدين” بتاريخ19تموز/يوليو عام 2019، ثم جاء الانفجار “الثاني” في ثلاث أكداس للعتاد في “معسكر أشرف” في شمال مدينة “ديالى” ثم جاء الانفجار “الثالث” في مخازن عتاد كبير وضخم في “معسكر الصقر” التابع لميليشيات الحشد الشعبي بتاريخ12 آب/أغسطس2019، بينما كان الانفجار “الرابع” في مخزن عتاد يعود لميليشيات الحشد بالقرب من “قاعدة بلد” في محافظة “صلاح الدين”، وكان أخر هذه الانفجارات في هذا العام في “قاعدة الصقر” بمدينة “الدورة “جنوب “بغداد” بتاريخ26 تموز/يوليو 2020، وهو الانفجار “الثاني” لهذه للقاعدة ولن يكون الانفجار الاخير في العراق، طالما بقيت فوضى السلاح المنفلت قائمة، والقائمة تطول في الانفجارات التي حصلت في العراق فهل من معتبر؟.

لقد اتخذت الميليشيات المسلحة من المناطق السكنية المأهولة بالسكان منطلقاً لأنشطتها الارهابية ، وخاصة في المناطق الشعبية الموالية لها، وأغلبها في المناطق الشيعية، وخاصة في بغداد، حيث قامت بتخزين الكثير من أعتدتها في هذه المناطق المكتظة بالسكان، خصوصاً وإن لديها اسلحة وصواريخ لها طاقة تدميرية كبيرة، في خطوة غير مسبوقة، وعدم التزام واضح من قبل الميليشيات بضوابط حمل السلاح وتخزينه خارج المدن، مما نتج عنه حوادث مروعة راح ضحيتها الكثير من المدنيين الابرياء، وأضرار مادية ضخمة،  بسبب تخزينها في ظروف غير أمنة، وغير ملائمة بسبب ارتفاع درجات الحرارة ، وسوء التخزين، علماً أن مليشيات الحشد الشعبي تعتمد في تسلحيها على جهتين رئيسيتين هما : 

  • الجهة الاولى الحكومة العراقية: حيث تجهز حكومة بغداد ميليشيات الحشد الشعبي عن طريق وزارة الدفاع العراقية، بالإضافة الى المساعدات الخارجية التي يقدمها الاتحاد الاوروبي، والقوات الامريكية، التي تقدم لها الكثير من الاسلحة والاعتدة، بما فيها الاسلحة التي سيطرت عليها هذه الميليشيات ومنها الدبابات الامريكية “أبرامز”، والتي هددت القوات الامريكية بوقف الدعم والتعاون العسكري مع العراق ما لم يتم استرداد هذه الدبابات، واليك أن تتخيل ما هي الاسلحة والاعتدة التي يحصل ويسيطر عليه الحشد؟.
  • الجهة الثانية ايران: وهي الجهة الرئيسية التي استند عليها الحشد الشعبي في تسليح وتجهيز ميليشياته بالعراق، والتي تقدم مختلف أنواع الاسلحة، والاعتدة الخفيفة، والمتوسطة، والثقيلة، بالإضافة الى الصواريخ بمختلف أنواعها، والتي تصل من إيران بشكل رسمي، وغير رسمي، عبر الحدود، وهناك كميات كبيرة من المتوسطة، والبعيدة المدى، مخزنة لدى الميليشيات، كما قال السياسي الصدري “بهاء الاعرجي” في تغريده له على حسابه الشخصي قال فيها: “من طبيعة النيران لحريق مخازن عتاد معسكر الصقر، يظهر أن طبيعة الاسلحة التي احترقت غير عادية، ولا تستعملها القوات الحكومية، ولا الحشد الشعبي، وهي امانة لدينا من دولة جارة”، أما “هادي العامري” زعيم “ميليشيا بدر” فقد قال: في استعراض النصر في محافظة صلاح الدين “بأن قوات “بدر” أصبحت أقوى من الجيش”، في إهانة مباشرة للمؤسسة العسكرية الحكومية، وأنا أتحدى القائد العام للقوات المسلحة أن يعرف الأعداد الحقيقية لمليشيات الحشد الشعبي، أو إن يعرف ما هي الاسلحة التي بحوزتهم، أو أعدادها، أو أعداد مخازن العتاد والذخيرة، واماكن تخزينها”، لأنهم يرون أنفسهم بأنهم فوق الدولة، وفوق القانون، لذا فهم يخزنون سلاحهم داخل المدن.

إن فوضى السلاح في العراق، وضعف الدولة ومؤسساتها الامنية والعسكرية، تجعلنا نقول بأن من أهم الاسباب الرئيسية لقيام هذه الميليشيات بتخزين اسلحتها واعتدتها في هذه المناطق المأهولة بالسكان هي:

  • لإخفائها عن عمليات الرصد الجوي، والاستخباري.
  • لتلافي الضربات الجوية المحتملة من قبل القوات الامريكية.
  • محاولة التحصن بالمناطق المدنية، واستخدام المدنيين كدروع بشرية.
  • لسهولة نقلها الى مناطق الاطلاق، كون تخزينها في مناطق بعيدة يجعل من الصعوبة نقلها لمسافات طويلة خشية الاستهداف، لذا يتم تكديسها في هذه المناطق لسهولة نقلها الى مناطق الاطلاق، التي عادة ما تكون قريبة من المناطق السكنية، خشية اكتشافها.
  • ان سبب تخزين الميلشيات المسلحة للأعتدة والذخائر في المناطق السكنية يأتي لضمان السيطرة والنفوذ على هذه المناطق التي تتمتع بها هذه الميلشيا بشعبية ما، كونها تتواجد في مناطق موالية لهذه الميليشيات لذا تعتبر هذه المناطق أمنة بالنسبة للميليشيات.
  • كون الميليشيات لا تثق بالحكومة والدولة العراقية، رغم أنها هي من شكلتها ولديها وزراء في هذه الحكومة ورغم سيطرتهم عليها .
  • التعليمات الصادرة من ايران تقتضي بإخفاء هذه الاعتدة والاسلحة عن الحكومة العراقية خشية الاستحواذ عليها ،ويجب تخزينها في مناطق موالية لهم كونها تعود لمحور المقاومة والممانعة التي تنتمي اليه فصائل المقاومة الاسلامية الشيعية التابعة لها، لذا فهذه المناطق تكون أكثر أمناً. 

أن أغلب المخازن التي طالتها التفجيرات بدون تأثير عامل خارجي كالقصف الجوي، أو التخريب المتعمد، كانت بسبب سوء التخزين، وقلة الخبرة، وعشوائية الاختيار لأماكن التخزين، فضلاً عن عدم ملاءمة المستودعات لشروط خزن الاعتدة

لاشك بأن جميع القوانين والاعراف العسكرية تمنع تخزين هذه الاسلحة والاعتدة والذخائر داخل المدن السكنية، والمبدأ الثابت في هو دفع الاذى قدر الامكان عن المدنيين في أي مواجهة عسكرية، ومن يعرف خريطة المخازن والمذاخر التي كانت موجودة في الدولة السابقة قبل عام2003، يجد بأن محازن الاعتدة على مستوى العراق موزعة بشكل ممتاز، ومخطط له، ومدروس، وآمن، ويخدم جميع مسارح العمليات العسكرية، بكافة الاتجاهات، بما فيها التحديات المحتملة، والكثير من الضباط الكبار السابقين يعرفون هذا جيدا، فهناك مخازن ومذاخر مؤمنة، ومحصنة، وتتوفر فيها الشروط الامنة للخزن، وفيها الكثير من تحوطات للأمان، وهناك اسلوب معروف لخزن الاسلحة والاعتدة حسب نوعيتها،  كما إن المخازن التي تكون في جبهات القتال عادة ما تكون بعيدة عن الوحدات، وأمنية، ومحصنة، لدفع الاذى قدر الامكان في حالة انفجارها، لذا يجب اخراج جميع الاعتدة المخزنة من المدن، بالتنسيق مع وزارة الدفاع الى مخازن بعيدة عن المدن، واعتماد الاليات اللازمة لتخزين الاعتدة، لتجنب الكثير من الحوادث المؤلمة، ولكن المشكلة الحقيقة تكمن في المخازن التي تقع خارج سيطرة الدولة، وتعود لدولة الميليشيات.

أن أغلب المخازن التي طالتها التفجيرات بدون تأثير عامل خارجي كالقصف الجوي، أو التخريب المتعمد، كانت بسبب سوء التخزين، وقلة الخبرة، وعشوائية الاختيار لأماكن التخزين، فضلاً عن عدم ملاءمة المستودعات لشروط خزن الاعتدة، وهي في أغلبها مقرات مؤقتة للتخزين، يضاف الى ذلك ارتفاع درجات الحرارة، وخاصة في الاشهر التي تشهد ارتفاعات غير مسبوقة كحزيران (يونيو)،وتموز (يوليو)،واب (أغسطس)يضاف الى ذلك حوادث التماس الكهربائي، ولغرض تلافي هذه النقاط يجب الرجوع الى المخزن الرسمية للدولة والتي تتواجد خارج المدن بمسافات كافية يصل البعض منها في أقل تقدير الى(20)،كم وهذا يخص القوات التي تأتمر بأمرة القائد العام، أي لا تشمل الميليشيات الولائية، وقد يقول قائل لماذا هذا المقال يوجه الى الميليشيات فقط؟ نقول لأن أغلب التفجيرات هي في مخازن الحشد الشعبي، وأغلبها كانت داخل المدن، وهي الوحيدة التي تعمل خارج المنظومة الامنية.

وأخير لا بد أن نشير الى اللجنة التي شكلتها الحكومة في هيئة المنافذ لجرد الحاويات عالية الخطورة المتكدسة داخل المعابر، ونقول هو أجراء روتيني، أكثر مما هو واقعي في معالجة مثل هذه الحاويات، التي تحوي مادة “نترات الامونيا” في غالبها، لأن تكديسها بالموانئ والمنافذ غير صحيح من الناحية الاستخبارية والامنية، ولكن السؤال المهم لو وجدت بعض هذه الحاويات التابعة للميليشيات في هذه المنافذ، من هي الجهة القادرة على وقف هذه الحاويات؟، والجميع لا زال يذكر حادثة “الرائد علي شياع المالكي” الذي القى القبض على معمَّم إيراني بإحدى نقاط التفتيش في أحد المنافذ التابع لمحافظة البصرة، بتهمة تهريب الزئبق، وتجارة المخدرات، كيف تم توقيف هذا الضابط، وتهديده بالقتل، ثم نقله، بل كي نعطي صورة دقيقة لبعض المناطق الجنوبية نقول بأن هناك نزاعات عشائرية ومواجهات مسلحة خارجة عن سيطرة الحكومة، الأمر الذي أفقد الدولة هيبتها، وقد صرح قائد شرطة البصرة “الفريق رشيد فليح” حول السلاح المنفلت في تصريح صحفي قال فيه: “بأن سلاح العشائر في محافظة البصرة وحدها يعادل تسليح فرقتين عسكريتين” لذا فالمحافظات الجنوبية أصبحت بسبب سيطرة وهيمنة الأحزاب السياسية، والمليشيات المسلحة التابعة لطهران، بيئة حاضنة لعصابات القتل، والسرقة، وتجارة المخدرات القادمة من إيران” والتي تديرها وتشرف الميليشيات بشكل رئيسي، بعد أن  تمردت على الدولة.