أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أشرفت دورة المجلس(الثانية عشرة ١٩٤٨ – ١٩٥٢) من نهايتها في صيف عام ١٩٥٢، ولابد من اجراء انتخابات جديدة وأثر استقالة حكومة نوري السعيد الحادية عشرة في ١٠ تموز ١٩٥٢ حلت محلها حكومة مصطفى العمري في ١٢ تموز ١٩٥٢، وقد اخذت هذه الحكومة على عاتقها القيام بإجراء انتخابات جديدة، وصدرت في ٢٧ تشرين الأول إرادة ملكية تقضي بحل مجلس النواب، على أن تجري الانتخابات للمجلس الجديد خلال المدة القانونية المقررة.

وفي ٢٨ تشرين الأول تقدمت الأحزاب السياسية ( الاستقلال، الجبهة الشعبية المتحدة، الوطني الديمقراطي، الامة الاشتراكي) بمذكرات منفردة الى الوصي عبد الاله، متضمنه عدة مطالب أهمها، اعتماد مبدأ الانتخاب على درجة واحدة (الانتخاب المباشر) وعدم تدخل الحكومة فيها واطلاق الحريات السياسية، لقد انعكس إهمال الحكومة لمطالب المعارضة السياسية وخاصة من هذه الأحزاب على الصحافة التي أيدت هذه المطالب، فنشرت مقالات عدة، طالبوا فيها الى اجراء الانتخابات النيابية وفق الأسلوب المباشر، ومن ذلك مقال : “شعب يطالب، دعت فيه الشعب الى مطالبة رجاله المسؤولين بالإصلاح وإجراء انتخاب مباشر على يد “حكومة نزيهة”، إلا أن حكومة مصطفى العمري أصدرت بيانا أكدت فيه على الإبقاء بالنظام المعمول به (أي على درجتين) عند إجراء الانتخابات النيابية.

لكن الأحزاب السياسية المتمثلة بالجبهة الشعبية المتحدة والوطني والديمقراطي والاستقلال، أعلنت مقاطعتها الانتخابات عبر بياناتها التي أصدرتها في ٢ تشرين الثاني ١٩٥٢ أوضحت فيها أسباب المقاطعة، ودعت الشعب العراقي الى المقاطعة واحباط الانتخابات.

وكتب الدكتور عبد الجبار الجومرد ( القيادي في حزب الجبهه الشعبية المتحدة) مقالا تحت عنوان : “الشعب الذي لا يثق بمجلسه يتخذ من الشارع برلمانا له في الازمات” حاول فيه أن يؤكد الصيغة الدستورية للبرلمان، وأوضح أن البرلمان الذي لا يأتي عن طريق انتخاب صحيح لا يكون في الواقع برلمانا، بل هو ناد اعتيادي لعدد قليل من الأشخاص لا يمثلون الا انفسهم ولا يعبرون فيما يقولون الا عن آرائهم وحدهم، وأضاف أن الشعب الذي لا يثق بمجلسه يتخذ من الشارع برلمانا له في الازمات، لأن المجلس الذي لا يمثل حكومته حتما : “دكتاتورية تستند في بقائها على القوة. مضيفا أن الشعب قد يصبر مكرها على مصيبة وأختها، لكنه لا يستطيع أكثر من ذلك، لذا تراه يقول : “وأخطر الأمور شكوى ثم نجوى ثم بلوى”.

كان عدم اصدار مرسوم لتعديل قانون الانتخاب من درجتين (الانتخاب غير المباشر) الى درجة واحدة (الانتخاب المباشر) سببا رئيسيا لانتفاضة تشرين الثاني ١٩٥٢، ثم سقوط حكومة مصطفى العمري. حينها عهد الوصي عبد الاله الى رئيس أركان الجيش (نور الدين محمود) تشكيل (حكومة عسكرية مؤقتة)في ٢٣ تشرين الثاني ١٩٥٢، وأصدرت حكومة (محمود) المرسوم رقم (٦) لسنة ١٩٥٢ لإجراء الانتخابات وفق أسلوب الانتخاب المباشر، وجاء فيه لأول مرة الإشارة الى نحو واضح الى (الدعاية الانتخابية) التي عدها المرسوم انها حرة ضمن حدود القانون. لذا فقد أجريت الانتخابات النيابية المباشرة وفق هذا المرسوم في ١٧ كانون الثاني ١٩٥٣ على الرغم من الاحكام العرفية.

ونشرت الصحف الصادرة وقتئذ دعاية انتخابية للدورة الثالثة عشر، ولكن لم تكن هذه الدعاية الانتخابية قوية بسبب الاحكام العرفية وتجميد عمل الأحزاب السياسية، وغلق أغلب الصحف وخاصة الحزبية منها، وعلى الرغم من ذلك اتسمت هذه الانتخابات بشكل عام بالهدوء. ثم نشرت بعد ذلك نتائج الانتخابات.

بعد تشكيل حكومة أرشد العمري الثانية (٢٩ نيسان – ٣ آب ١٩٥٤)، أعلنت وزارة الداخلية عن موعد اجراء الانتخابات النيابية في جميع أنحاء العراق في ٩ حزيران ١٩٥٤، وفي هذه الفترة أعربت الأحزاب السياسية عبر بيانات أصدرتها وقتئذ عن الاشتراك في الانتخابات.

كما انها اعتقدت أن الوقت قد حان لتأليف (الجبهة الوطنية) التي أسهم فيها كل من حزب الاستقلال والوطني الديمقراطي وأنصار السلام وبعض المستقلين.

وقرر هؤلاء تشكيل جبهة عرفت باسم : (الجبهة الوطنية الانتخابية) شريطة أن تكون مقتصرة على فترة الانتخابات فقط، وقد تضمن ميثاقها عدة مطاليب، منها اطلاق الحريات الديمقراطية والدفاع عن حرية الانتخابات.

دعت شخصيات وطنية عراقية، وأغلبهم من المحامين الشعب العراقي الى تأييد ما جاء بميثاق الجبهة الوطنية الانتخابية، وبعد أن طرحت الجبهة الوطنية أسماء مرشحيها بدأت الدعاية الانتخابية تنشر في الصحف بشكل يومي حيث نشرت جريدة المثال (سياسة مستقلة) مقالا افتتاحيا بعنوان: ” ماذا بعد الانتخابات ؟” جاء فيه ليس عجيبا إذا استخلصنا من هذا المعركة الانتخابية، أن يقول الشعب كلمته وتقول الأحزاب كلمتها ويقول كل عراقي من الناخبين كلمته.. الذي يريده الشعب من أية حكومة عراقية هو أن تضع ثقتها فيه، وتستمد شجاعتها منه وتستند اليه وتضع نصب عينها تحقيق أهدافه الرئيسية.

في يوم الانتخابات (٩حزيران) الذي اتصف بأنه كان يوما ملتهبا بالحماسة والفاعلية والمنافسة الشديدة بين المرشحين، أصدرت الصحف أعدادا خصصت للانتخابات، ومما جاء في (جريدة فتى العرب) بعدد خاص عن الانتخابات : بعنوان رئيسي بارز : “اليوم يوم المعركة الحاسمة، اليوم يتغلب الحق على الباطل”، كما وجهت النصح للناخب بقولها : ” أيها الناخب الكريم حكم ضميرك قبل إعطاء صوتك”.

وبعد إعلان نتائج الانتخابات للدورة الانتخابية الرابعة عشرة أسفرت عن فوز (١٢) نائبا من مرشحي الجبهة الوطنية على مستوى العراق، وكان للموصل الحصة الكبرى فقد حصلت الجبهة الوطنية على (٥) خمسة مقاعد في مركز مدينة الموصل وهم كل من : عبد الجبار الجومرد  وذنون أيوب ومحمد صديق شنشل ومحمد حديد ونجيب الصائغ، فضلا عن النواب الـ (٩) من الجبهة وهم:

كامل الجادرجي ومجيد خدوري وجعفر البدر ومسعود محمد وحسين جميل ومحمد مهدي كبة وفائق السامرائي.

ومن المفيد بالإشارة الى أن نتائج الانتخابات على مستوى العراق، أسفرت عن فوز حزب الاتحاد الدستوري (بزعامة الباشا نوري السعيد) وحصل على (٥١) مقعدا، وحزب الامة الاشتراكي (بزعامة صالح جبر) وحصل على (٢٢) مقعدا، وحصل المستقلون على (٥٣) مقعدا، وحصل مرشحوا الجبهة الوطنية على (١٢) مقعدا.

لقد أثارت هذه النتائج استياء السلطة الحاكمة وامتعاض الإنكليز أيضا، على الرغم من ضآلة عدد الفائزين من مرشحي الجبهة الوطنية، لكن الوقائع تؤكد أن هذه المجموعة الصغيرة كان لها من الوسائل ما يمكنها من خلق الصعوبات أمام الفئة الحاكمة، مما أعطى العناصر المحافظة الحجة التي تبني عليها مخاوفها تعليق خاص أذاعته إذاعة لندن وطغت عليه لهجة الاستياء والنقد والتهويل.

كانت هذه الانتخابات النيابية من أكثر الانتخابات فعالية وأشدها منافسة (رغم التلاعب بنتائجها)، ومع هذا انها عدت نصرا شعبيا ساحقا للحرية الوطنية لأنها أتاحت الحصول على ثقة الشعب على الرغم من فوز الجبهة بعدد محدود من المقاعد وانحصر فوز مرشحيها في كبرى مدن العراق (بغداد، البصرة، الموصل) وأرجعت الجبهة سبب الفوز بهذا العدد القليل من المقاعد الى المضايقات التي مارستها الحكومة ضد مرشحيها.

أما الدورة الانتخابية الخامسة عشر فلم يحصل فيها أي دعاية انتخابية بسبب الإجراءات الشديدة التي أصدرتها حكومة نوري السعيد في حينه، كما عارضت ومنعت السلطات الحكومية أي دعاية انتخابية عند اجراء انتخابات الدورة الانتخابية السادسة عشرة والأخيرة في عام ١٩٥٨.