إن الميليشيات المسلحة كانت تأمل الخروج بنتائج جيدة، تصب باتجاه خروج القوات الامريكية من العراق، من خلال الجولة الاولى للحوار الاستراتيجي الذي جرى بين واشنطن وبغداد في حزيران الماضي، الامر الذي جعل من التصعيد والتوتر هو الصفة المميزة للوضع العراقي، بعد إن تجاهلت حكومة الكاظمي قرار البرلمان العراقي بخروج القوات الامريكية، مما دفع الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة الى تصعيد عملياتها العسكرية، بأطلاق العشرات من صواريخ “الكاتيوشا” ضد القوات الامريكية، بعد أن فشلت الحكومة في أيقاف هذه الصواريخ، فضلاً عن فشلها في مواجهة وردع الميليشيات، أو حماية الشخصيات التابعة لها في قلب بغداد، وما جرى من اغتيالات وعمليات خطف تعطي صورة واضحة عن الوضع المعقد الذي تمر به حكومة “الكاظمي”، التي تحاول أعادة العلاقات مع واشنطن، حيث أدركت الاخيرة وتفهمت بأن حكومة “الكاظمي” ضعيفة، وغير قادرة على تنفيذ وعودها، بحماية سفارتها، أو قواتها العسكرية العاملة بالعراق، لذا تتجه الانظار الى الجولة الثانية من الحوار الاستراتيجي، والذي يتزامن مع زيارة الكاظمي لواشنطن، الامر الذي يمكن أن يشكل مرحلة جديدة في العلاقات بين بغداد وواشنطن. 

لقد صرح وزير الخارجية العراقية “فؤاد حسين” بأن رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي” سيزور “واشنطن” في شهر العشرين من أب/أغسطس الجاري، لاستكمال الحوار الاستراتيجي في جولته الثانية، والذي سيبدأ في19 اب/أغسطس الجاري بين العراق والولايات المتحدة الامريكية، والتي تبدو مترددة في استقبال “الكاظمي” فضلاً عن دعم حكومته، خصوصاً بعد تصاعد العمليات الهجومية على قوافل وارتال الدعم اللوجيستي الامريكية، من قبل الميليشيات المسلحة التابعة لإيران، التي فشل حكومة “الكاظمي” بردعها، حيث قامت هذه الميليشيات بمهاجمة المقرات الدبلوماسية، والمعسكرات التي تتواجد بها القوات الامريكية، الامر الذي يجعل من المحادثات القادمة صعبة مع واشنطن، والتي بدأت تتفهم المأزق الكبير الذي تعانيه الحكومة العراقية للسيطرة على هذه الميليشيات المنفلتة، حيث أجتمع “الكاظمي” قبل زيارته لواشنطن مع بعض القيادات السياسية في “تحالف الفتح” المنزعج من اداء الكاظمي، وقد أبلغوه بضرورة خروج القوات الامريكية من العراق، وقد تزامن هذا الاجتماع مع زيارة سرية لم يعلن عنها رسميا لقائد فيلق القدس الايراني “أسماعيل قاءأني” لبغداد، والتي قد تكون حملت بعض الرسائل السياسية والعسكرية لحكومة الكاظمي قبل زيارته للولايات المتحدة الامريكية، والتي تزامنت مع تصعيد كبير  للميليشيات ضد القوات الامريكية.

لقد كشف “غبريال صوما” عضو المجلس الاستشاري للرئيس الأميركي “ترامب” عن ملفات زيارة “الكاظمي” إلى واشنطن، والتي تشمل تعزيز العلاقات الثنائية بمختلف المجالات بما فيها الأمن، والاقتصاد، والطاقة، والرعاية الصحية، والتصدي لجائحة كورونا”، وأضاف إن اللقاء سيشهد مناقشة مسألة التدخل الإيراني بالشأن العراقي، ومناقشة حالات الاختطاف، والاغتيالات وحركة الاحتجاجات بالعراق، بالإضافة الى استهداف مبنى السفارة الامريكية في بغداد، التي تعرضت لعشرات الصواريخ من الميليشيات التابعة لطهران، كما سيبحث أيضاً انخفاض أسعار النفط وتأثيرها على الاقتصاد العراقي، خصوصا وأن الحكومة العراقية في مرحلة حرجة ، وأصبحت عاجزة عن دفع رواتب الموظفين بشكل مستمر”، واضاف بأن “سحب القوات الأميركية من الاراضي العراقية غير وارد، إلا أن تخفيض الأعداد سيكون حسب الاتفاقيات، والعمل المشترك بين الحكومتين العراقية الأميركية”. 

إن زيارة “الكاظمي” الى “واشنطن” في20أب/أغسطس الجاري، أصبحت محل اهتمام لكثير من المراقبين، و التي سيكون لها صدى كبير في الشأن العراقي المنقسم فيما يخص التواجد العسكري الامريكي، بين مؤيد، ومعارض له، كما إن هذه الزيارة تأتي في ظروف استثنائية، وأزمات معقدة يمر بها العراق على المستوى السياسي، والاقتصادي، والامني، والصحي، وقد تكون فرصة ثمينة للعراق، كون نتائجها ستنعكس بصورة مباشرة على المشهد الداخلي العراقي، وكذلك على الصعيد الإقليمي، والدولي، وبنفس الوقت هي محل ريبة للميليشيات التابعة لطهران والتي يمر نفوذها في أصعب مراحله في العراق، كونهم يمثلون التحدي الامني الاخطر لحكومة “الكاظمي”، وهم لا يريدون أن ينجح “الكاظمي” في زيارته الى “واشنطن”، حيث تعرّضت حكومته لضغوط شديدة من قبل الميليشيات المسلحة، وهناك تصريح لزعيم “ميليشيا العصائب” يقول فيه سنراقب زيارة “الكاظمي” بدقة، علماً بأن هناك زيادة في عدد  الهجمات الصاروخية على المواقع العسكرية التي تتواجد فيها القوات الامريكية، وخاصة قبل الزيارة وذلك لأسباب متعددة منها: 

  • أحراج “الكاظمي” أمام الادارة الامريكية، والتي تدرك بشكل جيد إن “الكاظمي” فشل في مواجهة وردع هذه الميليشيات، وفشل في حماية قواته في العراق، حيث كانت اخر هذه الهجمات: استهداف قافلة لوجستية في مدينة “ذي قار”، وكذلك “قاعدة بلد” الجوية، و”معسكر التاجي”، وقافلة لوجستية في مدينة “البصرة”، بالإضافة الى سقوط صواريخ في محيط “مطار بغداد الدولي”، حيث صعدت الميليشيات من عملياتها الهجومية بشكل غير مسبوق في هذه الفترة التي سبقت الزيارة.
  • إن هذا التصعيد العسكري للميليشيات ضد القوات الامريكية يبعث برسالة واضحة لواشنطن، مفادها قطع الطريق أمام أي تفاهمات، واتفاقات عميقة، سرية أو علنية، والتي يمكن أن يبرمها الكاظمي مع الولايات المتحدة الامريكية، فالميليشيات التابعة لإيران تخشى أن يبرم رئيس الوزراء اتفاقات على حساب مصالحها، ومصالح ايران، والتي قد تكون في غالبها الاتفاق على تصفية المليشيات، والحد من نفوذها وقدراتها، أو استهداف مقراتها وقياداتها، حيث تكثر التوقعات حول هذه الاتفاقات التي يمكن أن تبرم بين الجانبين، والتي يمكن أن تشكل حقبة جديدة من العلاقات، التي تؤسس لشراكة استراتيجية تقوم على ردع الميليشيات، وتشديد الحصار المفروض على ايران.

يبدو بأن الحوار الاستراتيجي في جولته الثانية لن يسهم في استقرار الاوضاع في العراق والمنطقة، بل سيعقد الوضع بشكل أكبر مما هو عليه الان، كون الخيارات المطروحة أمام حكومة “الكاظمي” صعبة، ولها تداعيات داخلية خطيرة وكبيرة، فلا يمكن لها أن تتجاهل رغبة الميليشيات التابعة لطهران والتي تنادي بخروج القوات الامريكية من العراق، كونها جهات قوية وقادرة على احداث فوضى داخلية عارمة، بقوة السلاح الذي يعمل خارج سلطة الدولة، كما إن حكومة “الكاظمي” لا يمكنها أن تتحمل التداعيات والعقوبات التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة الامريكية على العراق في حال خروج قواتها بدون اتفاق مع حكومة “بغداد”، كما أنها ستخسر الدعم الامريكي الذي يمكن أن يقدم لتجاوز الازمات التي تعصف بالعراق، بالإضافة للدعم العسكري، والاستخباري، والجوي، واللوجستي للقوات الحكومية، كما إن خروج القوات الامريكية سيعزز من التواجد الايراني كما إن الكثير من الجهات المسلحة تنتظر نتيجة الجولة الثانية من الحوار والتي يجب أن تتضمن فقرة واضحة بشأن خروج القوات الامريكية من العراق، وألا سيكون هناك تصعيد خطير ضد حكومة الكاظمي وهذه القوات، وهنا لا بد لنا أن نشير الى الخيارات المطروحة أمام حكومة الكاظمي وهي كما يلي:

  • أن تتخذ حكومة “الكاظمي” قرار بخروج القوات الامريكية من العراق، وهذا سيفقدها الدعم الامريكي بشكل كامل، ويجعل حلفاء طهران أكثر عدوانية وجرأة على استهداف حكومة “الكاظمي” والمصالح الامريكية في المنطقة، كما إن لهذا القرار تداعيات خطيرة على الوضع العراقي، وخاصة العقوبات التي ستفرضها الادارة الامريكية على العراق والتي لن تقل عن العقوبات الايرانية، كما إن الانسحاب الامريكي سيمكن النظام الايراني الذي يمارس الارهاب، والتطرف، الاقليميين في المنطقة، ويمكن أن يلحق ضررًا كبيرًا بالأمن القومي الأمريكي.
  • أن تتجاهل حكومة “الكاظمي” قرار خروج القوات الاجنبية(الامريكية)، الذي اصدره البرلمان العراقي حسب رغبة الميليشيات المسلحة، ومن ورائها ايران، وهذا يعني إن حكومة “الكاظمي” ستحصل على التزامات استراتيجية مهمة وواسعة من الادارة الامريكية لمواجهة التحديات، والازمات التي يمر بها العراق، كما إن هذا الخيار سيفتح مواجهة مباشرة مع الميليشيات، وسيكون التصعيد داخلي وبشقين وكما يلي:
    • تصعيد داخلي بين الميليشيات المسلحة، وبين حكومة “الكاظمي”، وهذا الخيار سيحول العراق الى فوضى عارمة، واقتتال داخلي قد يجر البلد الى المجهول، خصوصاً وإن “ميليشيا الابدال” هددت حكومة “الكاظمي” “بما وصفته الموقفَ الحازم تجاه نتائج زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية”، وقالت: “إن زيارة الكاظمي إلى واشنطن ستكون مراقَـبة ومرصودة بشكل دقيق، من قبل ما سمتها فصائل المقاومة في العراق ، لا سيما ملف الوجود العسكري الأمريكي في العراق ، مطالبة “الكاظمي” بحسم هذا الملف خلال لقائه الرئيس ” ترامب” ولكن الواقع يقول إن أقصى ما يمكن أن تفعله هذه الميليشيات هو أطلاق الصواريخ، والقيام بعمليات الخطف والقتل.
    • إن يكون هناك تصعيد بين الميليشيات وايران من جهة، وبين الحكومة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وهذا ما استبعده حالياً، كون ايران لا تريد الذهاب اليه، وكذلك الولايات المتحدة الامريكية لاستحقاقات داخلية.
  • أن تلجأ الحكومة العراقية والامريكية الى الاتفاق على تجنيب العراق صراع المحاور بين طهران وواشنطن، وإن يكون العراق على الحياد الايجابي، على أن تقوم واشنطن بتقليص التواجد العسكري الامريكي على الاراضي العراقية، مقابل إعطاء تعهدات بعدم استهداف الميليشيات من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وقد نوه قائد القيادة المركزية الامريكية “ماكينزي” عن بعض الخطوات التي يمكن أن تخفف التوتر بين الجانبين، حين قال: “إن واشنطن ستخفض قواتها في العراق ، ولكنها ستحافظ على تواجد طويل الامد”، ولكنه لم يفصح عن حجم هذا التواجد، الذي سيكون بذريعة محاربة الارهاب، وتقديم الدعم الجوي، والاستخباري، والاستشاري، والتدريبي للقوات العراقية، وهذا يجب أن يكون ضمن جدول زمني يتفق عليه الطرفين، وسيبقى السؤال هل ستوافق ايران ووكلائها في العراق على هذا الخيار؟.
  • أما الخيار الاخير والذي يمكن أن يكون الخيار الافضل، هو إن هذه الزيارة لن تكون أمام قرارات حاسمة فيما يخص الوضع العراقي، أو الجولة الثانية من الحوار الاستراتيجي ، للبت في خيارات صعبة في مرحلة حرجة تواجهها حكومة “الكاظمي”، والتي تحتاج للمشورة والدراسة، على أن يتم ترحيل هذا الملفات لفترة قادمة، كما إن الانتخابات الامريكية القادمة يمكن إن تغير السياسية الامريكية في المنطقة، في حال فشل “ترامب” من الفوز بفترة رئاسية ثانية، كما إن “الكاظمي” يريد أن تكون هذه الجولة من الحوار الاستراتيجي غير حاسمة، وليست الاخيرة.

إن الحوار الاستراتيجي المرتقب في جولته الثانية لا يمكن له أن يؤسس لعلاقة متوازنة وحيادية مع جميع الاطراف وخاصة الامريكية والايرانية، التي تتقاطع مصالحها بشكل كبير، وكلاهما يحاول أن يستخدم حكومة “الكاظمي” لتحقيق مصالحه، فالولايات المتحدة الامريكية تحاول استثمار حكومة “الكاظمي” لمواجهة النفوذ الايراني، وتحويلها الى حكومة لتنفذ المشروع الاميركي في العراق، بينما تحاول ايران أن تمرر اجندتها من خلال حكومة “الكاظمي” بخروج القوات الامريكية، الامر الذي يحول العراق لساحة صراع، ويجعل مهمة حكومة “الكاظمي” صعبة، كونها تعاني من اختلال وظيفي، وانقسامات سياسية حادة، ومشاكل اقتصادية، ومالية ،وصحية، وامنية خطيرة، مما يجعلها أمام خيارات صعبة ومصيرية في هذا الظرف الاستثنائي.