الباحث : حسين صالح السبعاوي

 

كنا نتكلم سابقا عن الحروب الإسرائيلية – العربية عندما كانت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية لدى العرب وأن الصهاينة هم محتلين لفلسطين ومقدساتها ، أما اليوم فبدأنا نتكلم عن العلاقات العربية – الإسرائيلية وسياسة التطبيع معهم وكأن شيئا  لم يكن .  أمام هذا المشهد المأساوي فمن الممكن أن يطالبنا الصهاينة بتعويضات عن الحروب السابقة معهم!

في عالم السياسة – وخاصة الغربي منها – فإن السياسة مصالح، وهنا أتساءل ما هي المصلحة المرجوة من إعتماد سياسة التطبيع العربي – الصهيوني خصوصا ما أقدمت عليه الإمارات العربية مؤخرا بالذهاب للتطبيع معهم . بالنسبة لدولة الامارات ليس لها أي حدود جغرافية مع العدو الصهيوني ولم تدخل حربا عسكرية معه حتى يقول قائل بأن الإمارات أقدمت على هذه الخطوة من أجل أمنها وسيادتها وأن العدو الصهيوني متفوق عليها عسكريا. أما ما صرحت به الإمارات بأن هذا التطبيع سيؤدي إلى إيقاف ضم المستوطنات وتوسيعها على حساب الأراضي الفلسطينية فقد نفاه رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو بل اعتبر أن السلام مع الإمارات جاء من مبدأ (القوة). كذلك أدعت بعض الشخصيات الرسمية والإعلامية بأن ثمن هذا التطبيع هو لمواجهة إيران، وهنا لا بد من التذكير بأن أكبر جالية إيرانية في دول مجلس التعاون الخليجي هي في الإمارات ويمارسون شتى المهن خاصة في مجال التجارة والصيرفة، وأن أكبر تبادل تجاري في دول مجلس التعاون الخليجي هو ما بين الإمارات وإيران حيث بلغ حجم التجارة سنويا قرابة ١٣ مليار ونصف …

إذا لا يوجد أي مبرر سياسي ولا أمني ولا اقتصادي على إقدام الإمارات على هذه الخطوة والتي ستفتح شهية بعض الدول العربية الأخرى أن تحذوا حذوها .

ثم هناك تساءل آخر هل ما جرى هو تطبيع أم تحالف ؟

وفق المعطيات أعلاه أن ما جرى هو تحالف إماراتي – صهيوني وأيضا بلا ثمن لأن الصهاينة لم ولن يدافعوا عن الإمارات إذا ما تعرضت لأي خطر …

إذا هذا التطبيع هو مجرد خدمة قدمت للصهاينة على حساب القضية الفلسطينية والأمن القومي العربي وخاصة الخليجي منه. أما السبب الحقيقي لأي نظام سياسي عربي يقدم على التطبيع والتحالف مع الصهاينة هو بسبب غياب دور الشعوب بالمشاركة في صناعة القرارات المهمة والاستراتيجية  مع غياب القيم والمبادئ التي تحرم وتجرم التطبيع والتحالف ضد أعداء الأمة من الصهاينة والله تعالى قال: ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود …)

لا أشك أبدا أن الأنظمة العربية اليوم تعيش حالة أسوء من حال ملوك الطوائف في القرن الحادي عشر عندما كانوا يتقاتلون فيما بينهم ويقمعون شعوبهم وفي نفس الوقت يدفعون الجزية للفونسو ملك قشتالة .

وهكذا هو حال الشعوب العربية تعيش حالة من الرعب والإقصاء والقمع، وأحرارهم  ومصلحيهم  في غياهب السجون وفي نفس الوقت يتذلل الحكام للصهاينة ويطلبون ودهم في حين يفترض العكس، وقد قال تعالى: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى …)

إن الخطوة الإماراتية لم تكن مفاجئة بالنسبة لأي متابع لتطور العلاقة ما بين الأنظمة العربية والصهاينة فهي امتداد لمعاهدة كامب ديفيد سنة ١٩٨٢ بين مصر والصهاينة وهي امتداد لأوسلو الاتفاقية التي تمت بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين الصهاينة سنة ١٩٩١ وهكذا بقية الاتفاقات والمعاهدات العربية مع الصهاينة والتي أثبتت فشلها وأن الخاسر فيها هو الطرف العربي عموما والقضية الفلسطينية خصوصا .

لكن اليوم الصهاينة يعيشون حالة من الغرور والتعالي والعنجهية يقابلها حالة من الذل والخنوع العربي. يتحمل النظام العربي مسؤولية هذا الذل والخنوع الذي تعيشه الأمة اليوم بسبب سياساتها القمعية ضد الشعوب والتبعية المطلقة للغرب وأمريكا، لكن هذا العلو الصهيوني هو حالة شاذة ومؤقتة ولن يدوم لهم  كما قال ربنا عز وجل: (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا).

وليعلم الساعون إلى التطبيع أن تحرير الأقصى شرف عظيم لا يناله المترفون ولا المسرفون بل يناله أصحاب الهمم العالية والإيمان العميق، المتراحمون فيما بينهم الأشداء على الكفار، الذين لا يخافون في الله لومة لائم. ومهما ذهبت الأنظمة العربية للتطبيع مع الصهاينة تبقى الشعوب العربية رافضة لهذا التطبيع وتعتبر الصهاينة هم العدو الأول لهم وأن كيانهم هو مجرد كيان لقيط ليس له مكان في فلسطين وأن عامل الوقت والفرص يحول بينهم في المواجهة التي ستقضي عليهم .

وإن غدا لناظره قريب .

 

 

مقال خاص براسام