جاسم الشمري

يقال إن ” الاغتيالات لا يمكن أن تنصر قضية شعب مظلوم أو ترد إلى وطن ضائع حقوقه، وإنما الطريق إلى تحقيق مطالب الوطن يكون بفهم الشعب كله لقضيته وإيمانه بها وعمل جميع أفراده على تحقيقها واتحاد كلمتهم”.

وتختلف الغاية من الاغتيالات ما بين الغايات الانتقامية والشخصية والسياسية والاقتصادية والدينية وحتى الفكرية، وربما العبثية.

وفي العراق كانت خلال السنوات التي تلت الاحتلال موجات متعددة للاغتيالات، وكانت ترتفع وتنخفض بحسب حجم ردود الأفعال الرسمية والإعلامية والشعبية.

وخلال مظاهرات تشرين الأول الماضي ارتفعت وتيرة الاغتيالات وحصدت أرواح العشرات من الناشطين والمتظاهرين ثم انخفضت نتيجة الضغوط الشعبية والإعلامية.

وهذه الأيام عادت من جديد موجة جديدة من الاغتيالات وسحقت العشرات من شباب العراق خلال الأيام القليلة الماضية، وقد وصلت لمرحلة مخيفة دفعت العديد من السفارات العاملة في العراق والمنظمات الحقوقية العراقية والعربية لاستنكار هذه الجرائم المنظمة ضد شباب العراق!

وبدأت أحدث موجة للاغتيالات في مدن الجنوب بعد ما تمت تصفية الناشط تحسين أسامة، الجمعة (14/8/2020)، وهذا الحادث شجع على عودة المظاهرات بالشوارع لثلاثة أيام حيث فتحت قوات الأمن الرصاص الحي على المتظاهرين الذين رموا منزل المحافظ بحجارة وقنابل حارقة وأغلقوا العديد من الطرق الرئيسية.

وأثار مقتل أسامة، الذي كان يدعو لمحاربة الفساد والميليشيات، غضباً كبيراً في عموم البلاد، خاصة بسبب الطريقة الوحشية لمقتله، ولكونه من المتظاهرين البارزين في البصرة، كما أنه أب لأربعة أطفال.

وآخر جرائم الاغتيال هي جريمة اغتيال الناشطة المدنية البارزة والطبيبة، ريهام يعقوب، الأربعاء الماضي (19/8/2020)، برصاص بندقية هجومية كان يلوح بها مسلحان على دراجة نارية في البصرة، والفقيدة ناشطة في الحركة الاحتجاجية المحلية منذ 2018 وقادت العديد من المسيرات النسائية.

وحادث اغتيال الناشطة رهام يعقوب هو الحادث الثالث من نوعه الذي يستهدف فيه مسلحون ناشطاً سياسياً الأسبوع الماضي بعد أن قتل ناشط وتعرضت سيارة أربعة نشطاء آخرين لإطلاق رصاص في حادث منفصل.

ونقلت بعض وسائل الإعلام المحلية العراقية ومواقع التواصل الاجتماعي تهديدات إيرانية لنشاطين عراقيين في مدينة البصرة بتهمة إثارة أعمال الشغب والعنف خدمة للمصالح الأميركية، بحسب زعمها.

ونشرت وكالة مهر الإيرانية الرسمية، عام 2018 قائمة بأسماء ناشطين عراقيين، بينهم رهام يعقوب، وقالت إنهم يندرجون ضمن شبكة تم “استقطابها من قبل القنصلية الأميركية في البصرة” لتنفيذ مصالح أميركا في المنطقة، ومن بينها “استهداف مكانة إيران وتقسيم الشرق الأوسط ولاسيما العراق”!

هذه الحوادث دفعت عشرات الدول لاستنكار اغتيال الناشطين، وقد أعربت 18 دولة أوروبية وغربية، الجمعة الماضية، عن قلقها “العميق” من عمليات الاغتيال التي طالت ناشطين في البصرة وبغداد، داعية السلطات إلى تقديم مرتكبيها للعدالة.

وشمل البيان المشترك توقيع سفارات أستراليا، بلجيكا، بلغاريا، كندا، كرواتيا، جمهورية التشيك، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، المجر، إيطاليا، هولندا، بولندا، رومانيا، إسبانيا، السويد، المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وأدان البيان المشترك صادر عن سفارات تلك الدول “حالات العنف ضد ناشطي المجتمع المدني العراقي، وعلى وجه الخصوص الاغتيالات التي استهدفت الناشطين في مدينة البصرة وبغداد في ظل حملة ممنهجة من التهديدات العلنية والترهيب”.

وفي ذات السياق كشفت مفوضية حقوق الإنسان في العراق الخميس الماضي أن “حالات ومحاولات الاغتيال للناشطين المدنيين بلغت تسع حالات في محافظات البصرة وذي قار وميسان جنوب البلاد خلال شهر آب/ أغسطس الحالي لوحده”.

وفي هذا الإطار نشرت صحيفة (صاندي تايمز البريطانية) تقريراً لمراسلتها في الشرق الأوسط لوزير كالاغان، قالت فيه “إن الميليشيات في العراق تواصل استهداف الناشطين، وأن لديها قائمة اغتيالات عليها 70 اسماً، وإن الناشطة في مجال حقوق المرأة رهام يعقوب (29 عاما) كانت تقود سيارتها الأربعاء الماضي في شوارع البصرة الخانقة مع صديقتين. وكانت تعرف أن حياتها في خطر، لكنها لم تعرف أن المسلحين كانوا وراءها”.

وأكد التقرير بأن” رهام يوسف كانت تعلم بالتهديد وقد قيل لها إن اسمها على قائمة القتل التي تتداولها الجماعات المؤيدة لإيران في العراق، وتستهدف الأشخاص الذين انضموا وشاركوا في التظاهرات الداعية لتحسين الحياة اليومية وتوفير المياه الصحية والكهرباء، في وقت تصل درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية. وكان القتلة يتابعون الأسماء على القائمة واحدا بعد الآخر. فقبل خمسة أيام قتل ناشط، وبعدها بيومين نجا اثنان من محاولتي اغتيال، فيما اغتيل هشام الهاشمي، الخبير في شؤون الجماعات المسلحة والمتطرفة فيما يعتقد بشكل واسع أنها عملية انتقامية”.

إن المتابع لما يجري في العراق يجد أن هنالك تحريضات رسمية وغير رسمية عراقية وأجنبية تدعو للجم أفواه المتظاهرين وخنق أصواتهم، ولهذا يبدو أن الأمور تتم عبر سلسلة من الترتيبات، ربما تبدأ بالتحريض مروراً بالفتاوى المؤيدة للقتل، وصولاً لمرحلة الترتيب اللوجستي للاغتيال، وانتهاءً بمرحلة التنفيذ التي تعدّ آخر تلك المراحل الإجرامية التي يراد منها إبقاء العراق على وضعه المتردي وعدم السعي للتغيير!

لا يمكن للاغتيالات أن تكون المعول القادر على لجم، أو تخويف شباب العراق، ولهذا من الأفضل أن تسعى الحكومة لتنفيذ مطاليب الجماهير، وتقديم قتلة المتظاهرين للعدالة، وترتيب الملفات الأمنية والسياسية والخدمية المنتهية الصلاحية، وإلا فإن هؤلاء الذي ساروا في طريق ثورة تشرين لن توقفهم الاغتيالات، وهم مصرون على التغيير رغم كل صور القتل والترهيب والتعذيب والتغييب الميليشياوي ضدهم!

 

مقال خاص براسام