أ‌. د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

يعتبر ما قام به ( الفريق بكر صدقي) وبمشاركة قسم من الجيش العراقي في ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦، أول انقلاب عسكري ليس في العراق وانما في المنطقة العربية.

وقبل الدخول في معرفة الدوافع والأسباب الحقيقية وراء هذا الانقلاب، لابد من معرفة من هم قطبي الانقلاب العسكري والمحركين الأساسيين له، هما :

حكمت سليمان، والفريق بكر صدقي، فمن هم :

يعد (حكمت سليمان) المحرك الأساسي للانقلاب العسكري، و (حكمت) بغدادي، أكمل دراسته الإعدادية في بغداد، وفي العشرين من عمره ذهب الى الاستانة (إسطنبول) لمتابعة دراسته في مدرسة الحقوق، ثم انتقل الى المدرسة (الملكية الشاهانية الخاصة بتخرج الموظفين الإداريين، وعند قيام الانقلاب العثماني سنة ١٩٠٨ بقيادة محمود شوكت باشا انغمر في النشاط السياسي مع الاتحاديين، واشترك في الحرب العالمية الاولي معهم، وقام أثناء الحرب بزيارة ألمانيا فاعجب بعمرانها وتنظيمها وجيشها، ولما انتهت الحرب عاد الى العراق، فساير الإنكليز وأسندت بعض المناصب الإدارية، ثم صار من بين الذين يتناوبون الكراسي الوزارية من غير أن يظهر بينه وبين الإنكليز أي خلاف سياسي فعد من أصدقائهم.

بدأت مرحلة جديدة في حياة (حكمت سليمان) بانضمامه الى حزب الاخاء الوطني الذي أسسه ياسين الهاشمي في (٣٠ تشرين الثاني ١٩٣٠) واختير عضوا في هيئته الإدارية وأصبح وزيرا للداخلية في وزارة رشيد عالي الكيلاني في ٢٠ آذار ١٩٣٢، وفي عهدها حصل اضطراب في الأوضاع الداخلية، وكان رأي (حكمت سليمان) استخدام القوة، وكان له ما أراد.

وفي أثناء الحركات العسكرية تعرف (حكمت) على (الفريق بكر صدقي) وتوطدت علاقتهما بعد ذلك، وحدث بين (حكمت) وحزب الاخاء خلاف عند تأليف وزارة ياسين الهاشمي الثانية في ١٧ آذار ١٩٣٥، وذلك لعدم استيزار حكمت لوزارة الداخلية كما أراد، وكان (حكمت) يعتقد بأنه هو الذي فتح الطريق أمام (ياسين الهاشمي) للوصول الى سدة الحكم عن طريق نشاطه لتحريض العشائر ضد الوزارات السابقة، ويرى الأستاذ الدكتور سامي القيسي في مؤلفه الموسوم “ياسين الهاشمي ودوره في السياسة العراقية بين عامي ١٩٢٢ – ١٩٣٦، الجزء الثاني، ص ٤٤١”، بقوله : “ان استثناء حكمت سليمان في وزارة الهاشمي كان خطأ جسيما ارتكبه الهاشمي”.

نشط (حكمت سليمان) لمقاومة الوزارة الهاشمية ووحد جهوده مع جماعة الأهالي، حيث جمعهم موقفهم من ياسين الهاشمي وزعمهما بأنه يحكم البلاد حكما دكتاتوريا، فانضم الى جماعة الأهالي في بداية عام ١٩٣٥، وسخر إمكانيات الجماعة لخدمة مآربه الشخصية في الإطاحة بالوزارة الهاشمية، وعمد الى إيجاد التقارب بين جماعة الأهالي وبكر صدقي الذي ادعى بأنه اطلع على مبادئ (جماعة الأهالي) وأقسم اليمين أمامهم، كما سعى الى تحريض بعض الساسة على مقاومة الوزارة، ويذكر ناجي شوكت في مذكراته الموسومة : “سيرة وذكريات ثمانين عاما ١٨٩٤- ١٩٧٤، (بغداد،١٩٧٤)، ص٢٥٧، ما جرى بينه وبين حكمت سليمان من خلال زيارة (حكمت) لتركيا في صيف ١٩٣٥، بقوله : “وفي ذات اليوم سألني قائلا : الى متى ستبقى هنا ؟ لما لا ترجع الى بغداد، أجبت إنني افضل الابتعاد عن بغداد لأني لا احب أن أزج نفسي في المشاحنات السائدة فيها ولا أؤمن بصحة تدخلات روؤساء القبائل في سياسة الدولة وتشبثهم بالهوسات لإسقاط الوزارات، فاذا به يقول : ” إن تدخل الروؤساء في أمور الوزارات قد فات وانتهى وسيكون التدخل في هذه المرة بواسطة قوة أعظم، سألته وما هي هذه القوة ؟ أجاب إنها قوة الجيش فأدركت خطر الموقف وقلت له : دعوني مرتاحا هنا صافي البال إني افضل تمثيل بلادي في منصبي هذا على العودة الى الوطن والزج بنفسي في آتون السياسة”.

ويصف كامل الجادرجي في مذكراته، حكمت سليمان قبل الانقلاب، بقوله : “ولو أن حكمت فحص نفسه فحصا دقيقا قبل الانقلاب المذكور بمدة وجيزة لوجد أن عوامل نفسية متضاربة متنازعة فمن ميل الشديد الى الثورة على الأوضاع الشاذة القائمة في العراق، … ومن ميل شديد الى استعمال القوة في الإصلاح ومن اعجاب متناه بمصطفى اتاتورك وثورته، ومن تقديس لحركة هتلر … ومن ميل الى الثورة الشيوعية، رغم كونه غير مؤمن بقابلية الروس”

بعد نجاح الانقلاب شكل (حكمت) وزارة الانقلاب في ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦، وعندما قتل بكر صدقي بالموصل – كما سنرى ـ قدم (حكمت) استقالت وزارته في ١٧ آب ١٩٣٧ وبذلك سقطت وزارة الانقلاب.

  • رئيس وزراء العراق كفنه لا يكفيه :

يروي المؤرخ العراقي (عبد الرزاق الحسني) في مقال له في مجلة آفاق عربية التي صدرت في بغداد عام ١٩٧٨، أنه في عام ١٩٦٤ توفي غاندي (رئيس وزراء الهند) فذهبت بصحبة رشيد عالي الكيلاني الى السفارة الهندية ببغداد وقدمنا التعزية، وعند عودتنا زرنا (حكمت سليمان) في منزله، وأخبرناه بأننا ذهبنا قدمنا التعزية، فطلب مني الحضور غدا صباحا للذهاب الى السفارة الهندية وتقديم التعزية، وبالفعل ذهبت (أي الحسني) في صباح اليوم التالي الى دار (حكمت) ويصف بأنه كان يتناول فطور الصباح في الرواق الخارجي، وعندما انتهى ذهب الى المغسل وسقط هناك وتوفى وكان جسمه ضخما جدا، وعند تغسيله تبين ان الكفن لا يكفيه ولا يجوز المخيط فيقول (الحسني) اتصلنا بمفتي العراق الشيخ (الزهاوي) فأبلغنا لا يجوز المخيط وإنما يجوز استخدام خوص النخل وهكذا كان وهكذا انتهى لم يأخذ معه شيئا مناصبه وأملاكه ومزارعه التي تمتد من حي جميلة ببغداد الى محافظة ديالى سوى عمله.

أما بكر صدقي أداة التخطيط والتنفيذ للانقلاب، فهو من مواليد ١٨٨٦م عسكري وسياسي عراقي من أبويين كرديين، ولد في قرية عسكر القريبة من مدينة كركوك، درس في الأستانة (إسطنبول) في المدرسة الحربية (الكلية العسكرية لاحقا) وتخرج منها ضابطا في الجيش العثماني وشارك في الحرب العالمية الأولى في آخر سنينها.

بعد نهاية الحرب، انضم الى الجيش العراقي الذي أسس بعد قيام الدولة العراقية في ٦ كانون الثاني ١٩٢١، برتبة ملازم أول، وكان ضابطا طموحا يقتدى بسلوكيته باتاتورك وموسوليني وفرانكو، وكان يشعر بالغبن لعدم تقدير خدماته من قبل الحكومة، وخاصة دوره الفعال في القضاء على حركات العشائر في الفرات الأوسط، يضاف الى ذلك خشيته من توسع النشاط القومي لصلاح الدين الصباغ ورفاقه الذين بدأوا يتقربون الى ياسين الهاشمي، ويشيدون بسياسته القومية، فأستغل بكر التذمر الذي يسود صفوف الجيش من جراء استخدامه من أجل تسوية النزاعات السياسية لتحقيق مآربه في القيام بانقلاب عسكري، وإقامة دكتاتورية عسكرية على غرار ما حدث في تركيا وايران، تستطيع تأسيس حكومة تعيد للبلاد استقرارها، وتحقق له الإصلاحات في شتى المجالات.

بدأ بكر صدقي الاتصال بمن يثق بهم من ضباط الجيش ففاتح الفريق عبد اللطيف نوري (قائد الفرقة الأولى ) الذي كان ساخطا على الوزارة لرفضها السماح له بالتداوي خارج العراق على نفقتها، واتفقا على القيام بالحركة ووصفا خطة التنفيذ أثناء القيام بالمناورات الخريفية المعتادة في جبال حمرين، في المنطقة الواقعة بين خانقين وبغداد، واستغلال غياب (طه الهاشمي) رئيس أركان الجيش خارج العراق لحضور مناورات الجيش البريطاني، وأصبح عبد اللطيف نوري (وكيلا لرئيس أركان الجيش) مما سهل الأمور كثيرا.

وفي ليلة الخميس (٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦) زحفت وحدات من (قره غان) وبلدروز متوجهه نحو العاصمة يقودها بكر صدقي،- كما سنرى –.

المصادر المعتمدة :

١ – صفاد عبد الوهاب المبارك، انقلاب سنة ١٩٣٦ في العراق، (رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية الآداب، ١٩٧٣).

٢ – رجاء حسين حسني الخطاب، تأسيس الجيش العراقي وتطور دوره السياسي من ١٩٢١ – ١٩٤١، (بغداد، ١٩٧٩).

٣ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزئين الثالث والرابع، الطبعة الخامسة، (بيروت، ١٩٧٨).

٤ – أ. د. لطفي جعفر فرج، الملك غازي ودوره في الحياة السياسية العراقية (بغداد، ١٩٨٠).

٥ – ناجي شوكت، سيرة وذكريات ثمانين عاما ١٨٩٤ – ١٩٧٤، (بغداد، ١٩٧٤).

٦ – سامي عبد الحافظ القيسي، ياسين الهاشمي ودوره في السياسة العراقية بين عامي ١٩٣٢ – ١٩٣٦، جزئين، (البصرة، ١٩٧٥).

٧ – كامل الجادرجي، من أوراق كامل الجادرجي، (بيروت، ١٩٧١).

٨ – صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة في العراق، (دمشق، ١٩٥٦).