شاهو القره داغي

انطلقت في العراق يوم السبت 5 سبتمبر عملية أمنية واسعة لمحاصرة (السلاح المنفلت) في بغداد والبصرة تنفيذاً لأوامر رئيس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة .

وقد أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة بأن “القوات المسلحة مستمرة بملاحقة كل من يعبث بالأمن والقانون والحكومة ستضرب بيد من حديد كل من يحاول العبث بالأمن و النظام “.

بينما صرح المتحدث باسم العمليات اللواء تحسين الخفاجي بأن “انطلاق العملية الأمنية جاءت من أجل حصر السلاح بيد الدولة ، فضلاً عن فرض هيبة الدولة والقانون في جميع المحافظات العراقية التي تتعرض لانفلات أمني بسبب السلاح غير المنضبط”.

 

مخاطر السلاح المنفلت

حسب المعلومات الغير رسمية هناك أكثر من 7 ملايين قطعة سلاح لدى العشائر ، بالإضافة إلى أرقام مضاعفة لدى الميليشيات و العصابات و جماعات المافيا المنتشرة في المحافظات العراقية ، وبحسب ضابط عراقي تحدث لصحيفة العربي الجديد فإن “60 في المائة من تجارة السلاح تقف وراءها جماعات و ميليشيات مسلحة ضمن الحشد الشعبي ، ويصل مجموع المبالغ التي يتم تداولها في هذه التجارة إلى 2 مليون دولار شهريا ويتستر عليها أحزاب و ضباط أمن”.

انتشار السلاح بشكل فوضوي وعدم حصره بيد الدولة مؤشر واضح على ضعف الدولة و غياب القوانين ، ولا يقتصر الآثار السلبية للسلاح المنفلت على الوضع الأمني ، بل يتجاوزه إلى التأثير على الوضع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي أيضاً.

ففي الجانب الأمني يؤدي السلاح المنفلت إلى اضطراب الأوضاع الأمنية و غياب الاستقرار . حيث انتشرت الصراعات العشائرية في العاصمة بغداد و محافظة البصرة بشكل واسع خلال الفترة الأخيرة  وأدت إلى وقوع اضرار بشرية ومادية نشر الرعب والخوف في أوساط المواطنين ، إضافة إلى تصاعد تزايد عمليات القتل و تصفية الشباب و الناشطين خلال التظاهرات وبعدها عن طريق هذا السلاح.

أما في الجانب الاقتصادي فإن الميليشيات تقوم باستغلال نفوذها للسيطرة على الجانب الاقتصادي والتجاري للمناطق التي تسيطر عليها تحت غطاء (محاربة الإرهاب) ، و تقوم بكسب المال عن طريق نشاطات غير مشروعة مثل تهديد التجار واخذ الاتاوات و عمليات التهريب و السيطرة على المحال التجارية ، إضافة إلى الاضرار الجانبية التي تلحقها بالاقتصاد العراقي بسبب خلق بيئة طاردة للتجار و رؤوس الأموال و تجنب المستثمرين من الدخول إلى العراق و القيام بالمشاريع الخدمية و التنموية خوفاً من هذا السلاح المنفلت.

وفي الجانب السياسي فإن سلاح الميليشيات هو الأداة العسكرية للأحزاب السياسية الحاكمة لتحقيق نفوذها والحفاظ على ثقلها داخل العملية السياسية ، إذ تعمدت الأحزاب المسيطرة على القرار السياسي على إضعاف المؤسسات الأمنية الرسمية لصالح تقوية الميليشيات ، واستخدمت هذا السلاح لتخويف المنافسين و تصفية الحسابات السياسية ، وهذه الممارسات تسببت بفقدان هيبة الدولة و حكم القانون وفقدان ثقة المواطنين بالسلطات والمؤسسات الرسمية.

 

فرص نجاح الكاظمي في فرض القانون

جميع الحكومات السابقة في العراق تعهدت بفرض القانون و حصر السلاح بيد الدولة ، ولكن لم يقتصر الفشل على حصر السلاح بيد الدولة ، بل عجزت الحكومة عن السيطرة على السلاح وتفاقمت أكثر في الشارع العراقي و أصبحت تجارة السلاح و حيازته من قبل الميليشيات والجماعات و الافراد أسهل من الماضي دون أي إجراءات حكومية ، بسبب غياب الإرادة الحقيقية لدى الحكومات السابقة لمواجهة العصابات المسلحة و تحول الحكومة إلى أداة شكلية بيد الأحزاب السياسية التي كانت تدير الدولة بشكل فعلي.

أعلن رئيس الحكومة الحالية مصطفى الكاظمي ومنذ اليوم الأول من توليه المنصب على عزمه لإنهاء السلاح المنفلت وحصر السلاح بيد الدولة باعتباره احد العراقيل التي تقف أمام عملية الإصلاح و تحقيق اهداف الحكومة المؤقتة من ضمنها توفير البيئة المناسبة للانتخابات المبكرة و إيقاف عمليات القتل و الاغتيالات التي تصاعدت مؤخرا.

وبعد يوم واحد من العملية حدثت اشتباكات عشائرية مجدداً في محافظة البصرة ، في إشارة واضحة بأن أصحاب السلاح المنفلت غير مكترثين بالإجراءات الحكومية و يشعرون أنهم في مأمن من المحاسبة و المسائلة وهذا ما يُفسر استمرارهم في النزاعات المسلحة التي تزعزع الامن و الاستقرار.

بينما خلايا الكاتيوشا عادت لإطلاق الصواريخ على مطار بغداد الدولي في اليوم التالي للحملة الأمنية للحكومة العراقية ، ما يعني عدم خشية هذه الميليشيات من الإجراءات الحكومية.

الإشكال الحقيقي في هذه العملية هو عدم تجرؤ الحكومة على ذكر الميليشيات التي تمارس نشاطات خارجة عن القانون و تقصف مؤسسات عسكرية وامنية للدولة ، ومن الصعب أن تُحقق الحملة الأمنية أهدافها إذا لم يسبقها تجريم واضح لهذه المجاميع المسلحة كما تفعل الدولة مع باقي الجماعات لضمان تحقيق الأهداف المرجوة و تطبيق القانون على الجميع.

إذا لم تشمل الحملة الأمنية جميع الجماعات الإرهابية و الميليشيات و الأطراف التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة فإنها لن تنجح و ستبقى مجرد قرارات لتخدير الشارع العراقي و تهدئته مع اقتراب الذكرى السنوية لمظاهرات تشرين/أكتوبر. حيث تحاول الأحزاب السياسية إقناع المواطنين بهذه الإجراءات خوفاً من اشتعال موجة جديدة من التظاهرات في ذكرى تشرين بسبب بقاء الأسباب التي دفعت المواطنين للخروج قبل عام و غياب الحلول العملية التي تساهم في تخفيف المعاناة على المواطنين و تُقدم من الواقع المعيشي للمتظاهرين.

 

التدخلات الإيرانية تعرقل الحلول

مشكلة السلاح المنفلت أنه ليس شأنا عراقياً داخلياً فقط حتى يتم معالجته داخل حدود العراق، بل هو مرتبط بالتدخلات الإيرانية التي وجدت في تقوية الميليشيات و الفصائل المسلحة طريقاً نافعاً لتحقيق أهدافها في العراق و حماية نفوذها ، عن طريق إضعاف الحكومة المركزية و المؤسسات الأمنية الرسمية لتحويل العراق إلى رهينة بيد الميليشيات الموالية لها ، ولا يمكن معالجة فوضى السلاح في ظل الدعم الإيراني المستمر لهذه الجماعات المسلحة.

من الواضح أن معالجة هذه المعضلة و حصر السلاح بيد الدولة يتطلب وجود حكومة وطنية شجاعة تفرض القوانين على الجميع ولا تخضع لقادة الأحزاب السياسية و الكتل وقادة الميليشيات، بالإضافة إلى قدرتها على الحديث بشكل ندي مع دول الجوار و إيقاف التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي والذي سيساهم في تحجيم نفوذ الميليشيات بشكل تدريجي و إعادة الاعتبار و الهيبة إلى الدولة العراقية .

 

مقال خاص براسام