الباحث : حسين صالح السبعاوي

العراق بلد متعدد المكونات والمذاهب والأعراق حتى قيل أن العراق “عالم مصغر” لكثرة ما فيه من تنوع مذهبي وعرقي  فشماله لا يشبه جنوبه وغربه لا يشبه شرقه حتى في أصغر مدنه يوجد فيه التنوع. فإذا كان كل هذا التنوع الذي يتكون منه الشعب العراقي فلا يمكن أن يحكم حكما طائفياً تفرض الطائفة نهجها وعقيدتها على البقية من أبناء الشعب المختلف معها مذهبياً. وهذا الذي حصل في العراق ما بعد ٢٠٠٣ هناك طائفة تحكم والآخرون يتهمون بالإرهاب إن اعترضوا !

وهذا النوع من الحكم له عدة سلبيات على مستقبل الوطن وله عدة أبعاد ممكن أن تذهب بالوطن في مهب الريح . ومن أبعاد هذه السلبيات:

أولا : البعد السياسي :

لا يمكن أن تعتمد الطائفية كمنهج سياسي لإدارة الدولة لمجتمع متنوع. لأنه سيكون هناك إقصاء وتهميش للمكونات الأخرى. وهنا ستفقد المشاركة الحقيقية في إدارة الدولة وفي بناء الوطن ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تقسيم البلاد بسبب التهميش للآخرين. وهذا هو الذي نشاهده اليوم في العراق. كما إن إدارة الدولة على أسس طائفية سوف تغيب المشاريع الوطنية التي ستنهض بالبلد صناعياً واقتصاديا وسيعيش الشعب في صراعات دينية تاريخية مر عليها مئات السنين دون الوصول إلى نتيجة تذكر. ولنا في أوروبا عبرة عندما دخلت في صراع مذهبي في العصور الوسطى بين الكاثوليك والبروتستانت في حروب دامية كان من أبرزها حرب الثلاثين عاما .

ثانيا : البعد الأمني :

عندما تدار الدولة على أسس طائفية سوف تنتج قوات أمنية طائفية أيضا وسوف تتعامل هذه القوات مع المواطنين على أسس طائفية بعيداً عن المهنية وحقوق الإنسان. وسيكون تعاملها بازدواجية فهي من جهة ستغض الطرف عن من هم من طائفتها حتى لو كانوا مجرمين ومن جهة أخرى ستتهم الآخرين بتهم كيدية حتى لو كانوا أبرياء. كما أن هذه القوات لن تكون مؤهلة لحماية الوطن من أي اعتداء خارجي ويكون جام غضبها مسلطا على أبناء الوطن في الداخل. وعادة ما يكون ولاء هذه القوات لمراجعها الدينية وقيادتها الحزبية الطائفية مقدما على ولائها الوطني. يضاف إلى ذلك قلة كفاءتها وضعف تدريبها وينخرها الفساد والأمراض الطائفية. بهذا يكون الشعب هو الخاسر الأكبر لما تقوم به هذه القوات من جرائم والواقع يشهد على ذلك .

ثالثا : البعد الاجتماعي :

كانت الطائفية في بداية سنة ٢٠٠٣ محصورة في الأحزاب والقوى السياسية التي تحمل مشروعها لكنها وبمرور الزمن بدأت تؤثر على اللحمة الوطنية وتمزيق المجتمع. فبدأت تؤثر جغرافيا على الوطن وأحدثت انقساما جغرافيا خطيرا على الخارطة العراقية، ثم انتقلت الى القبائل والعشائر واحدثت انقسامات بين القبلية الواحدة وقطعت أواصر المحبة والتواصل فيما بينهم وصلت حد القطيعة رغم أن هذه القبلية الواحدة تربطها رابطة الدم والنسب. ثم تمددت الطائفية ووصلت إلى العائلة والأسرة مستهدفة تمزيقها. وبهذا قد مزقت الطائفية كل أواصر المحبة والترابط بين أبناء المجتمع لأنها مبنية على الكراهية والحقد والإقصاء.

رابعا : البعد الاقتصادي :

للطائفية أثرا سلبي على الاقتصاد وعلى الحياة المعيشية لأفراد المجتمع، لأنها تقصي أصحاب الكفاءة وتعطل التجارة بسبب سوء الأوضاع الأمنية وتهجر أصحاب رؤوس الأموال من التجار والصناعيين وغيرهم. كما أن للطائفية دور كبير في نشر الفساد والرشوة. وكل هذا ينعكس سلباً على اقتصاد الدولة .

إن المتابع لقضية الطائفية في العراق يجد بأنها تظهر بقوة كلما قرب موعد الانتخابات. وكلما ازداد الوعي الجماهيري لرفضها باعتبارها مصدر تمزيق العراق وتفتيت لحمته الوطنية تصاعد الخطاب الطائفي من خلال قنواتهم الإعلامية واستضافة الشخصيات الطائفية لإثارة الفتنة مستغلين المناسبات الدينية للتجييش. كما تكثر التفجيرات والاغتيالات والاتهامات المتبادلة لإثارة الاتباع وزيادة في الإستقطاب الطائفي  .

 

معالجة الطائفية :

هناك طروحات متطرفة لمعالجة الطائفية تعتمد على الإلغاء التام للطوائف والمذاهب . وهذا لعمري خطأ كبير كما هو خطأ الطائفية نفسها. فلا يمكن إلغاء أي مكون لأن المذاهب والطوائف هي المكونات الأصيلة للشعب العراقي. لكن يمكن إلغاء وحظر المشاريع والأحزاب السياسية المبنية على أسس طائفية. فالخطر هو بالطائفية السياسية التي تريد إدارة الدولة، كما يجب تقديم المشاريع الوطنية والشخصيات الوطنية التي تقود هذه المشاريع. فكلما ارتقت المشاريع الوطنية تفتت المشاريع الطائفية وانقرضت. إضافة إلى نشر الوعي السياسي لدى المواطن حول خطورة الطائفية ومشروعها على الوطن وما تجلبه من دمار وتمزيق. وقد لا حظنا ذلك في انتفاضة شباب تشرين العراقية التي أظهرت وعياً وطنياً عالياً برفضها للطائفية ومشاريعها السياسية المدمرة. كما لاحظنا كيف انتشر هذا الوعي في العراق وكيف التف حولها الشعب العراقي مظهراً تأييده لها. ومن مميزات هذا الوعي لدى الشاب العراقي أن هذه الانتفاضة قد ظهرت في وسط وجنوب العراق الذي طالما راهن عليها الطائفيين وإيران بأنها العمق الاستراتيجي لهم ولمشاريعهم الظلامية الهدامة .

تبقى الطائفية فتنة لعن الله من أيقضها . ولا يصلح لإدارة الدولية العراقية إلا المشاريع الوطنية التي تعتمد مبدأ المواطنة في إدارة الدولة .

قال الله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم )

 

مقال خاص براسام