أ‌. دعدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

زحفت وحدات الجيش من (قره غان) وبلدروز في ليلة الخميس الموافق ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦، قاصدة بعقوبة واحتلها ثم قطعت خطوط الاتصال مع بغداد، واستولت على أسلاك البرق (الهاتف)، وفي الساعة السابعة والنصف زحفت القوات نحو العاصمة بغداد يقودها بكر صدقي.

وفي الساعة الثامنة والنصف صباحا ألقت ثلاث طائرات من القوة الجوية ألوفاً من المنشورات المطبوعة بالآلات الطابعة .. ومما جاء فيها :

         “أيها الشعب العراقي الكريم : لقد نفذ صبر الجيش المؤلف من أبنائكم من الحالة التي تعانونها من جراء اهتمام الحكومة الحاضرة لصالحها وغاياتها دون أن تكترث لصالحكم ورفاهكم، نطلب الى صاحب الجلالة المعظم إقالة الوزارة القائمة، وتأليف وزارة من أبناء الشعب المخلصين”.

                                                                                     التوقيع

                                                                         الفريق بكر صدقي العسكري

                                                                         قائد القوة الإصلاحية الوطنية  

 

وفي الوقت نفسه حمل حكمت سليمان (كان يشغل منصب وزير الداخلية) كتابا الى الملك موقعا من قبل (بكر صدقي وعبد اللطيف نوري) وسلمه الى رئيس الديوان الملكي (رستم حيدر) وذلك في الساعة التاسعة والنصف صباحا .. وكان (رستم حيدر) قد قدم نسخة من المنشور الذي ألقته الطائرات الى الملك غازي فبدأت إشارات الانفعال الشديد على وجهه، وأمر باستدعاء ياسين الهاشمي (رئيس الوزراء) ونوري السعيد (وزير الخارجية) وجعفر السعدي (وزير الدفاع) والسفير البريطاني (أرشيباك كلارك) ووكيله (الميجر يونك) ومستشار السفارة (الكابتن هولت).

وبادر الملك غازي بالحديث قائلا : “لا شك انكم اطلعتم على محتوى المنشور الذي ألقته الطائرات، ولكن الشيء الجديد في الموقف أن حكمت سليمان قد حمل له الآن رسالة يبين فيها قادة الانقلاب بأنه إذا لم يتفق معهما الملك فإن بغداد ستقصف بالقنابل بواسطة الطائرات بعد ثلاث ساعات. ثم وصف الملك للسفير ظروف العاصمة غير المشجعة، وأوضح له بأنه لن يوافق على أية فكرة تدعو الى المقاومة”.

أدرك السفير البريطاني (كلارك) أن موقف الملك يستند على أساس أن المقاومة ستكون عديمة الفائدة وأنه يحبذ استقالة الوزارة، وقد أدى موقف الملك هذا الى اتهامه بمعرفة الانقلاب مسبقا فذكر السفير البريطاني في تقريره الذي بعثه الى حكومته في ٢ تشرين الثاني ١٩٣٦، قائلا : “لقد كنت اراقب الملك غازي وهو يتناقش ووزرائه في صباح ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦، بدقة وأنا متأكد من قولي بأنني “أقتنعت بأن الملك كان على علم بالانقلاب”.

ويؤيد هذا الرأي الأستاذ الدكتور (لطفي جعفر فرج)، في مؤلفه الموسوم : (الملك غازي ودوره في سياسة العراق في المجالين الداخلي والخارجي ١٩٣٣ – ١٩٣٩، (بغداد مكتبة اليقظة العربية، ١٩٨٧).

ويذكر أن الملك كان عارفا بالانقلاب، وان بكر صدقي استغل تذمره من سياسة الهاشمي ورغبته في تغيير الوزارة ففاتحه بعزمه على تنفيذ الانقلاب العسكري عندما تبدأ مناورات الجيش السنوية في (قرةغان بقرب خانقين)، وقد جرت هذه المفاتحة في يوم (٢٣ تشرين الأول ١٩٣٦) حيث أعلن الملك عن ارتياحه لذلك الخبر، وأبلغ بكر صدقي أن نجاحه وجماعته سيكون مدعاة لدخول سجل البطولة العسكرية، وانه سيساعدهم قدر استطاعته. وطلب الملك التكتم الشديد ودعا لهم بالتوفيق راجيا عدم اطلاع أحد على ما دار بينهما ضمانا لنجاح الحركة وفسح المجال له للقيام بالدور المناسب. ويذهب سندرسن باشا في مذكراته (طبيب العائلة المالكة) للرأي نفسه بقوله: “لم أكن أشك بأنه كان على علم مسبق بالحادث”.

ومهما يكن من أمر فقد حلقت في سماء بغداد ثلاث طائرات في الساعة الحادية عشرة والنصف، وألقت أربع قنابل سقطت الأولى أمام مدخل مجلس الوزراء ووزارة الداخلية، وسقطت الثانية أمام دائرة البريد بالقرب من دار ياسين الهاشمي، والثالثة في نهر دجلة والرابعة أمام بناية البرلمان.

وقد عجل إلقاء القنابل في استقالة وزارة ياسين الهاشمي، وقد أوضح (الهاشمي) في استقالته : “أن قلة التجربة وبعض الاطماع قد طوحت بالمسؤولين عن الدفاع عن هذه البلاد أن يقدموا على حركة أعتقد أنها تؤدي الى نتائج غير محمودة”.

وكانت وزارة ياسين الهاشمي الثانية وهي الحكومة العراقية الحادية والعشرون خلفت وزارة جميل المدفعي الثالثة، واستمرت للفترة من ١٧ آذار ١٩٣٥ إلى ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦.

وتألفت هذه الوزارة التي اطيح بها انقلاب بكر صدقي من:

–       رئيس مجلس الوزراء – ياسين الهاشمي.

–       وزير الداخلية – رشيد عالي الكيلاني ثم حكمت سليمان.

–       وزير الدفاع – جعفر العسكري.

–       وزير الخارجية – نوري السعيد.

–       وزير العدلية – محمد زكي البصري

–       وزير المالية – رؤوف البحراني.

–       وزير المعارف – محمد رضا الشبيبي (استقال في ١٥ أيلول ١٩٣٥) فخلفه صادق البصام.

–       وزير الاشغال – محمد أمين زكي.

 

بعد استقالة الهاشمي عهد الملك غازي الى حكمت سليمان بتأليف الوزارة في ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦، واستمرت ١٦ آب ١٩٣٧، بعد مقتل بكر صدقي في الموصل في ١٢ آب ١٩٣٧، فاجبر على الاستقالة وحكم عليه بالسجن خمس سنوات.

وتألفت وزارة الانقلاب من :

  • رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية – حكمت سليمان.
  • وزير الدفاع – عبد اللطيف نوري.
  • وزير الخارجية – ناجي الأصيل.
  • وزير العدلية – صالح جبر استقال في حزيران 1937، وخلفه علي محمود الشيخ.
  • وزير المالية – جعفر أبو التمن استقال في حزيران1937، فخلفه محمد علي محمود.
  • وزير المعارف – يوسف عز الدين، استقال في حزيران1937، فخلفه جعفر حمندي.
  • وزير الاقتصاد والمواصلات – كامل الجادرجي استقال في حزيران 1937، فخلفه عبد المهدي المنتفكي تشكلت بعدها وزارة جميل المدفعي الرابعة.

لكن هذا التكليف لم يثن بكر صدقي من دخول بغداد على رأس الجيش.

لكن جعفر العسكري (وزير الدفاع في الوزارة المستقيلة) أقنع الملك بإرسال كتاب الى بكر صدقي لمنع دخوله وقطعاته الى مدينة بغداد، وأخذ العسكري على عاتقه إيصال الكتاب الى بكر صدقي رغم تحذيره من مخاطر هذا العمل، وقد قام أعوان بكر صدقي بقتله، ففقد الجيش العراقي قائدا قديرا وواحدا من مؤسسي الجيش العراقي.

واصل الجيش تقدمه وأصبح على أبواب العاصمة في الساعة الرابعة بعد الظهر واحتل سدة ناظم باشا المحيطة بالعاصمة وأقام المتاريس ونصب المدافع، وفي الساعة الخامسة والنصف بدأت القطعات العسكرية تجتاز الشارع العام تتقدمها القوات الآلية والفريق بكر صدقي، وفي السادسة مساء شكلت الوزارة التي ذكرناها سابقا .