جاسم الشمري

تتكون الشعوب من عوائل مختلفة، وهذه العوائل لها أصول ترتبط بها مع الآخرين، وهو ما يعرف بالفصيلة، أو القبيلة، أو العشيرة، ويكون بين أبناء العشيرة الواحدة أو عدة عشائر تحالفات في الجوانب الإنسانية والحياتية المختلفة.

إن تطور الحياة الإنسانية ومجيء الدولة الحديثة، أضعف دور العشيرة في فض النزاعات المختلفة، إلا أن الدولة التي يغيب فيها القانون يضطر فيها الناس إلى العودة للعمل بالقانون العشائري بسبب غياب هيبة الدولة، وعجزها في الغالب عن تحصيل حقوق الناس، وهذا ما حصل، ويحصل، في العراق بعد العام 2003!

العراق مجتمع عشائري، وهذه حقيقة لا يمكن القفز عليها، ولهذا يبقى للعشيرة العديد من الأدوار الخيرة التي يمكن أن تقوم بها من أجل سلامة والمجتمع واستقراره.

ويبدو أن الظروف غير الطبيعية في العراق قد انسحبت إلى بعض العشائر، وصرنا نسمع بمواجهات دموية وبمختلف أنواع الأسلحة في العديد من مدن العراق بين بعض العشائر، وربما، أحياناً، لأسباب لا تستحق أن تراق من أجلها قطرة دم واحدة، وكل هذه الحوادث تقع إما على مرأى مسمع القوات الأمنية، أو في غياب تام لها بطريقة متعمدة أو غير متعمدة في تلك المحافظات التي تشهد مواجهات عشائرية.

ويوم السبت الماضي (12/9/2020) أعلنت مديرية الاستخبارات العسكرية، عن إحباط نزاع عشائري وإلقاء القبض على المتورطين في البصرة.

وذكرت المديرية في بيان، أن مفارز شعبة الاستخبارات العسكرية تمكنت من إحباط نزاع عشائري قبل حدوثه بمنطقة الهارثة في البصرة، وألقت القبض على المتورطين “رؤوس الفتنة” وتم تسلميهم للجهات المختصة.

ومع تنامي ظاهرة النزاعات العشائرية في العراق سنحاول هنا ذكر بعض تلك النزاعات التي وقعت خلال هذا العام فقط، وذلك على النحو الآتي:

  • بتاريخ 14 شباط/ فبراير2020، وعلى خلفية نزاع عشائري وقع هجوم مسلح استهدف مستشفى في البصرة، وأسفر الهجوم عن إصابة شخصين داخل المستشفى، فضلاً عن حدوث أضرار مادية في واجهة مستشفى ابن البيطار الأهلي.
  • وفي 9 آذار/ مارس، 2020، قتل وأصيب 5 أشخاص بنزاع عشائري في ذي قار جنوبي العراق!
  • وفي يوم 7 حزيران/ يونيو، 2020 سقط عدد من الجرحى بنزاع عشائري مسلح في ذي قار!
  • وفي يوم 12 حزيران/ يونيو، 2020، وقع نزاع عشائري عنيف في البصرة.. استخدمت فيه الأسلحة الثقيلة، وأسفر عن سقوط أربعة جرحى!
  • وفي يوم 21 حزيران/ يونيو، 2020، أصيب 10 أشخاص بينهم عنصر أمن بنزاع عشائري في ميسان!
  • وفي يوم 25 حزيران/ يونيو، 2020، أصيب ثلاثة أشخاص بنزاع عشائري في ديالى.
  • وفي يوم 3 تموز/ يوليو، 2020 سقط خمسة أشخاص ما بين قتيل وجريح في نزاع عشائري في ذي قار.
  • وفي يوم 3 تموز/ يوليو، 2020، تسبب نزاع عشائري في النجف بمقتل طفل!
  • وفي يوم 14 تموز/ يوليو، 2020، قتل وجرح العديد من الأشخاص في نزاع عشائري شرقي كربلاء!
  • وفي يوم 15 تموز/ يوليو، 2020، وقع نزاع عشائري في حديثة بمحافظة الأنبار بمشاركة سلاح الحشد وعناصره!
  • وفي يوم 30 تموز/يوليو، 2020، سقط العديد من القتلى والجرحى في نزاع عشائري بذي قار.
  • وفي الأول من 1 آب/ أغسطس، 2020 ، أودى نزاع عشائري بحياة شخص في ميسان وأصيب العديد من المواطنين!
  • وفي يوم 14 آب/ أغسطس، 2020، اندلع نزاع عشائري شمالي البصرة، دون تحديد الضحايا!
  • وفي يوم 24 آب/ أغسطس، 2020، قتل ثلاثة أشخاص بنزاع عشائري في ميسان.
  • وفي يوم 28 آب/ أغسطس، 2020، قتل شخص وأصيب ثمانية آخرون إثر نزاع عشائري في بغداد.

ونتيجة لهذه المواجهات الدموية وجه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بداية آب/ أغسطس، القيادات الأمنية، بمتابعة ملف السلاح المنفلت والنزاعات العشائرية، مؤكدا على ضرورة إنهائه.

وذكر المكتب الإعلامي للكاظمي في بيان أنه أجرى رئيس الوزراء زيارة إلى مقر قيادة العمليات المشتركة في بغداد، وأكد الكاظمي بأن” الحكومة ورثت تركة ثقيلة من السلاح المنفلت والنزاعات العشائرية، التي باتت تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع وتهدد أفراده، كما تعمل على عرقلة جهود الإعمار والتنمية في البلاد، ويجب متابعة هذا الملف والتنسيق المشترك بين القوات الأمنية للعمل بكل الجهود المتاحة لإنهائه، وفرض هيبة الدولة، ومواجهة كل ما يهدد أمن واستقرار البلد”.

وفي يوم السبت (5/9/2020) نفذت حكومة بغداد حملة لنزع السلاح في البصرة، وقد أسفرت ” عن إلقاء القبض على 10 من المطلوبين وفق مواد قانونية مختلفة، والعثور على 3 أكياس من مادة C4 مع TNT وزورق و12 غرام من المواد المخدرة، ورشاشتين BKC، و7 بنادق نوع كلاشنكوف و3 أخرى نوع GC، وبندقية قنص مع ناظور وقاذفة ( 40 ) ملم ومسدس، فضلا عن مجموعة من 7 حاويات عتاد أحادية 12 ملم، كما تم العثور على( كسريتين) وصاعق”.

وبعدها بيومين شرعت قوات أمنية مشتركة لتنفيذ عملية أمنية وتفتيش في منطقة حسينية المعامل في بغداد، وتم خلالها ” القبض على 3 أشخاص بتهمة حيازة أسلحة متوسطة وعجلات غير قانونية، وضبط رشاشتين متوسطة ( bkc..RBK) و١٢١ بندقية و١٧مسدس ٨ رمانات يدوية و٣ أجهزة اتصال موترلا و٧٠ مخزن بندقية وأعتدة مختلفة فضلا عن ١١ هاتفاً يستخدم لتفجير العبوات!

وبعيداً عن هذه الحملات الحكومية المتأخرة والتي لن تصل الى أهدافها كونها أضعف بكثير من قوة العشائر، فإن هذه النزاعات العشائرية تؤكد جملة من الحقائق منها:

–           ضياع هيبة الدولة، وعدم اعتبارها في نظر تلك الأطراف المتصارعة.

–           هشاشة دور ومكانة القضاء في وعي نسبة ليست قليلة من المواطنين، ولهذا يحاولون الحصول على (حقوقهم) بالقوة، ولو أنهم كانوا يؤمنون بوجود قضاء صارم ينصف الناس، لما تجرأوا على مثل هذه الخطوات الضاربة لجملة من المفاهيم القانونية والاجتماعية.

–           ضعف الأجهزة الأمنية، وربما مشاركتها في بعض تلك النزاعات.

–           انتشار السلاح غير الرسمي، وبالذات الأسلحة المتوسطة والثقيلة في المجتمع، وهذه الظاهرة بحاجة لمعالجة سريعة.

–           ضعف الوازع الديني، لأن قوة الوازع الديني يمنع الإنسان من قتل الآخر لأتفه الأسباب.

–           تراجع الثقافة المجتمعية مما يشجع وينمي حالة الصراع القبلي التي كانت سائدة في العصور البالية.

هذه الأسباب وغيرها هي التي تزيد من احتمالية استمرار هذه الحالة المرضية في المجتمع، وهي بحاجة لموقف رسمي حازم قبل أن تتطور الأمور ونكون أمام بحور من الدماء وساعتها لا يمكن السيطرة على أي طرف من الأطراف إلا بالقوة القاتلة!

يجب أن تبقى العشائر من دعائم السلامة والأمن والخير في المجتمع وأن لا تكون من عوامل الترهيب والفوضى والشرّ في المجتمع العراقي المحتاج لكل القوى النقية للعبور للضفة الآمنة!

 

 

مقال خاص براسام