أ‌. د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

 

يعتبر جعفر العسكري من أشهر رجال السياسة والجيش في العراق الملكي، وعرف بأنه (أبو الجيش العراقي) وأول من تولى منصب (وزير الدفاع) وقد مهد في تأسيس جيش عراقي متكامل متطور، غير ان نهايته كانت على يد حفنة من ضباط الجيش نفسه في انقلاب بكر صدقي – كما سنرى – لكن قبل ذلك لابد استعراض موجز عن نشأة (العسكري) وحياته المدنية والعسكرية.

ولادته ونشأته :

هو محمد جعفر مصطفى عبد الرحمن العسكري (النعيمي)، ولد في بغداد في ١٥ أيلول ١٨٨٥، وكان والده (مصطفى عبد الرحمن المدرس) ضابطا في الجيش العثماني برتبة قائمقام (عقيد). اشترك (والده) في الحرب الروسية – التركية عام ١٨٧٧م، وقد أنجب خمسة أبناء وكان (جعفر) رابعهم ولم يكن لقب العسكري الذي لحق به نسبة الى مسلكه في الجيش وإنما نسبة الى سكن عائلته في قرية عسكر القريبة من كركوك. حيث انتقل جده الأكبر عبد الله المدني من المدينة المنورة في القرن السادس عشر الميلادي فهو من أصل عربي من المدينة المنورة، ثم انتقل والده الى الموصل وسكنها بعد إحالته على التقاعد ولما   أكمل جعفر الابتدائية قرر والده إرساله الى بغداد مع أخيه هادي لإدخاله في المدرسة العسكرية فيها، بسبب عدم وجود مدرسة عسكرية في الموصل. وتوفي والده في الموصل بعد سفر (جعفر) ببضعة أشهر فنشأ يتيما ورباه اخوته.

 

حياته العسكرية :

 

بعد أن أتم جعفر دراسته الإعدادية في بغداد سافر الى إسطنبول عام ١٩٠١م للدراسة في المدرسة العسكرية هناك وتخرج منها عام ١٩٠٤، برتبة ملازم ثان، وحارب مع العثمانيين في حملة عام ١٩٠٥ ولما عاد منها أرسل مع الجيش السادس الى حملة لإخضاع العشائر الثائرة من بني لام و ألبو محمد المنشقة على بعضها.

وعلى أثر اعلان الدستور العثماني في تموز عام ١٩٠٨م، قررت الحكومة العثمانية إدخال بعض الإصلاحات للجيش العثماني وارسال بعثات عسكرية من الضباط الذين يتم انتخابهم بطريقة المسابقة والتدريب والدراسة في ألمانيا. وكان (جعفر) الملازم الأول في فوج الأعظمية بين أعضاء البعثة الأولى، وقد قضى السنوات من عام ١٩١٠ – ١٩١٢ في برلين وكارلسروه، وفي عام ١٩١٣ نشبت الحرب بين الدولة العثمانية ودول البلقان، فتلقى الموفدون في أواخر عام ١٩١٣ أمرا بالعودة الى تركيا فورا للالتحاق بوحداتهم. وبعد انتهاء الحرب عين معلما في مدرسة الضباط التي تأسست في حلب، وبعد ثمانية أشهر فاز في امتحان مدرسة الأركان الحربية، فتوجه الى إسطنبول مرة اخرى، وفي تلك الأثناء أعلنت الحرب العالمية الأولى، ودخلتها الدولة العثمانية الى جانب ألمانيا وفكرت الحكومة العثمانية في تقوية الجبهة السنوسية في ليبيا بقصد التضييق على الإنكليز في مصر من الغرب، بينما كانت القوات الأخرى تهاجمها من فلسطين في الشرق، فعين (جعفر) بالجيش السادس في بغداد أثناء الحرب العالمية الأولى، وذهب الى ليبيا لإقناع السنوسيين لمعرفة شروطهم للانضمام الى الدولة العثمانية في الحرب، وقاد هجوما على الإنكليز ووقع في أسرهم.

وعند قيام الدولة العربية شارك فيها قائدا للجيش الشمالي بأمرة الأمير فيصل بن الحسين واستبسل في الحرب مع الثوار العرب.

انضم هو وشقيق زوجته (نوري السعيد) الى لورنس العرب في معاركه ضد العثمانيين، وحصل على وسام القديس ميخائيل ووسام القديس جورج ونال وسام الصليب الحديدي الألماني، ودخل مع الأمير فيصل الى دمشق وكان الحاكم العسكري في الحكومة الفيصلية في عمان ثم حلب ثم كبير أمناء الملك فيصل وشارك هناك في حكومة علي رضا الركابي.

وعند قيام الحكم الملكي في العراق تبوء منصب وزير الدفاع وقبلها شارك في مؤتمر القاهرة كما مثل العراق في مؤتمر لوزان وكانت أفكاره عروبية.

تولى مناصب عديدة، منها وزارة الدفاع مرتين عام ١٩٢١ حتى عام ١٩٢٤ وعام ١٩٢٨ وحتى عام ١٩٢٩، ثم في حكومة ياسين الهاشمي عام ١٩٣٥، كما كلف بتأليف رئاسة الوزارة في العراق مرتين :

  • وزارته الأولى : ٢٢ تشرين الثاني ١٩٢٣ – ٣ آب ١٩٢٤.
  • وزارته الثانية : ٢١ تشرين الثاني ١٩٢٦ – ٣١ كانون الثاني ١٩٢٨.

وفاز برئاسة مجلس النواب لدورتين انتخابيتين، كما عين عضوا في مجلس الاعيان.

يصفه معاصريه بأنه كان ضخم الجسم، نزيه، حسن النية، لطيف المعشر، ميال الى تبني مواقف أقل مقاومة منتظرا ما فيه الخير، متكلم جيد وتكتيكي ممتاز ويقظ وشجاع في المعارك. ومن المفيد بالإشارة أنه يجيد ثمان لغات : (العربية والتركية والكردية والارمنية والفارسية والألمانية والفرنسية والإنكليزية).

كما أصدر رسالة بعنوان (آراء خطيرة في معالجة شؤون العراق) عام ١٩٣٥، وله مذكرات بخط يده يقول عنها الكاتب والباحث نجدت فتحي صفوت (خلف جعفر العسكري مخطوطة أعدها باللغتين العربية والإنكليزية، لكن الاجل لم يمتد به لإنجازها ونشرها، تاركا مرحلة طويلة ومهمة من سيرته من دون أن تدون، فقد توقف في الفصل الذي تحدث فيه عن تعيينه حاكما لحلب بعد اعلان حكومة دمشق العربية). ويضيف الباحث صفوت قائلا: “تفضل حفيده جعفر طارق العسكري باطلاعي عليها فعنيت بتحقيقها تمهيدا لنشرها، وقد رأيت من المفيد أن ألحقها بسرد موجز لسيرة جعفر العسكري من الفترة التي توقفت عندها المذكرات حتى مصرعه الأليم في سنة ١٩٣٦، وهي فترة عمله في العراق”. وقد نشرت المذكرات باللغة العربية سنة ١٩٨٨. كما قام حفيده مصطفى طارق العسكري بترجمتها الى اللغة الإنكليزية مع الناشر البريطاني وليام فيس، وصدرت الطبعة الإنكليزية بعنوان : ” قصة عسكري : من الحكم العثماني الى العراق المستقل”.

كما ذكرنا في الحلقة الماضية – أن الفريق جعفر العسكري (وزير الدفاع في الحكومة المستقيلة أقنع الملك غازي بإرسال كتاب الى بكر صدقي لمنع دخوله وقطعاته الى بغداد وأخذ العسكري على عاتقه إيصال الكتاب الى (بكر صدقي) رغم تحذيره من مخاطر هذا العمل، كيف تعامل (بكر صدقي) واعوانه من الضباط مع الموضوع ولماذا قرر اغتيال جعفر العسكري؟  – هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة –

المصادر المعتمدة :

١ – نجدة فتحي صفوة، مذكرات جعفر العسكري، (دار السلام، لندن، ١٩٨٨).

٢ – نجدة فتحي صفوة، جعفر العسكري في مذكراته، سيرة روائية حافلة لمؤسس الجيش العراقي الحديث وضحيته، (لندن، ٢٠٠٤).

٣ – علاء موسى، جعفر العسكري ودوره السياسي والعسكري في تاريخ العراق، (بغداد، ١٩٨٨).

٤ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الأجزاء ١، ٢، ٣، ط ٧ (بغداد، ١٩٨٨).

٥ – خيري العمري، شخصيات عراقية، (بغداد، ١٩٨٩).