يقول الكاتب “عندما كنت القائد الأعلى للحلفاء في منظمة حلف شمال الأطلسي، كان لدينا مهمة تدريبية صغيرة في العراق. وكانت إدارة الرئيس باراك أوباما بصدد تقليص الوجود الهائل للقوات الأمريكية هناك، والذي بلغ ذروته عند نحو 170.000 جندي”.

زرت بغداد وتحدثت مطولاً مع الجنرال بوب كاسلين المشرف على المهمة. وشدد على أنه يمكننا تقليص وجودنا بنسبة 90٪ – وهو ما فعلناه – ولكن سيكون من الحكمة الاحتفاظ بحد أدنى 15000 جندي “في البلاد” للحفاظ على الاستقرار ومواجهة النفوذ الإيراني.

لسوء الحظ، واصلت إدارة أوباما الانسحابات، وبمرور الوقت، ساهم الافتقار إلى الوجود الأمريكي في صعود ما يسمى بتنظيم الدولة “داعش”، وتصاعد النفوذ الإيراني باستمرار في الحكومة والجيش العراقي.

ومع وصول الرئيس دونالد ترمب إلى منصبه انتهى الأمر بوجود نحو 6000 جندي في العراق وسوريا، وكانوا – جنبًا إلى جنب مع حلف شمال الأطلسي والحلفاء العرب -، يسيطرون على التهديد الكامل للعراق من المسلحين.

من الصعب تذكر ذلك، لكن قوافل دبابات التنظيم سيطرت على مئات من الكيلومترات من العراق قبل بضع سنوات فقط. وعلى الرغم من تضاؤل ​​قوة التنظيم، فإنه لا يزال يشن هجمات في المناطق الريفية.

يبدو أن إدارة ترمب الآن مصممة على سحب جميع القوات الأمريكية. حيث أعلن البيت الأبيض يوم 9 سبتمبر/ أيلول أنه سيخفض عدد القوات بحلول نهاية الشهر من نحو 5200 إلى 3000 جندي. تضغط الإدارة باستمرار على البنتاغون حول الخيارات التي من شأنها أن تنهي الوجود في العراق وسوريا وأفغانستان – بغض النظر عن الظروف على الأرض. وفي الوقت الذي يوجد فيه بالتأكيد ما يبرر “الإرهاق بسبب من الشرق الأوسط” في الولايات المتحدة اليوم، إلا أنه ليس الوقت المناسب للانسحاب.

هذا الإعلان الأخير عن خفض القوات له طابع سياسي واضح. يبدو أنه محسوب لتوفير نقاط حوار في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية؛ للسماح لترمب بالادعاء بأنه أنهى ما يسميه حروب أمريكا الخارجية “اللانهائية”.

 

الرابحين والخاسرين في هذا الانسحاب

أولاً وقبل كل شيء سوف يشجع الانسحاب الأمريكي تنظيم الدولة. كان الوجود الأمريكي بمثابة الغراء الذي يربط التحالف، إلى حد كبير، ضد التنظيم، من خلال الوظائف غير القتالية مثل الخدمات اللوجستية والرعاية الطبية وجمع المعلومات الاستخبارية. وفي حين أن عودة ظهور التنظيم بالكامل تبدو غير مرجحة في الوقت الحالي – على الأقل جزئيًا لأن نظام بشار الأسد السوري قد عزز وجوده العسكري على جانبه من الحدود مع العراق –، إلا أنه لا يزال يتعين على الولايات المتحدة أن تدرك أن الجمر المتبقي يمكن أن يشتعل من جديد.

ثانيًا، سيتم الاحتفال برحيل الولايات المتحدة في طهران. وسيرى الإيرانيون هذا بشكل فعلي حينما تبتعد أمريكا عن المنطقة التي فعلت إيران الكثير لزعزعة الاستقرار فيها. وهذا سيؤدي إلى تقويض العمل الذي قامت به إدارة ترمب، على سبيل المثال، في تشجيع الإمارات العربية المتحدة وربما الدول العربية الأخرى على الوقوف إلى جانب الكيان الصهيوني ضد إيران. وسيمنح القادة الإيرانيين حجة نقاش قوية حول كيفية قيامهم (أخيرًا) بإخراج الأمريكيين من المنطقة. وبالتالي فإن ما يساعد إيران أيضًا هو يساعد حلفائها، روسيا وسوريا -، أعداء أمريكا اللدودين الآخرين في المنطقة.

 

هل ستوفر أمريكا بانسحابها قدراً كبيراً من الدماء أو الأموال؟

من غير المرجح أن الانسحاب سيحقق ذلك. ويمكن معرفة ذلك من خلال الأرقام . كان للولايات المتحدة في ذروة تواجدها في العراق 170.000 جندي ونحو 100.000 في أفغانستان. إن خفض هذه القوات بأكثر من 90٪ هو ما أنقذ الأرواح ووفر الأموال – وقد حدث ذلك قبل رئاسة ترمب.

تبدو الولايات المتحدة الآن حذرة في المسائل الصغيرة ومتهورة في المسائل الحيوية، بمعنى أن البصمة الصغيرة المتبقية في العراق وسوريا تزود واشنطن بنفوذ عسكري هائل. هذه القوات البرية التي يبلغ عددها بضعة آلاف (خاصة القوات الخاصة والمدربين) هي التي تتيح استثمارًا كبيرا مع الحلفاء والشركاء والأصدقاء، وتخلق الاستقرار. وهذا له معنى كبير ليس فقط في مساعدة العراق على أن يصبح دولة شرعية وديمقراطية، ولكن أيضًا في تعزيز علاقات الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن ودول عربية أخرى.

إن الفائزين من الإجراءات الأمريكية هم، تنظيم الدولة و إيران و روسيا و سوريا. أما الخاسرون فهم، حلفاء الولايات المتحدة وبالطبع “شعب العراق” أيضا الذي سيعاني أكثر من السيطرة الإيرانية. كل ذلك مع عدم تحقيق توفير مهم في المال أو الأرواح. إنها ليست صفقة جيدة للغاية، خاصة بالنسبة لإدارة تفتخر بفن الصفقات الدولية.

 

بلومبرغ/ جيمز ستافريدز

 ترجمة وتحرير: راسام