جاسم الشمري
اتصال رسمي أمريكي من بضع كلمات مع مسؤولين عراقيين قلب خارطة المواقف والسياسات العامة والخاصة في العراق، هكذا يمكن اختصار الحالة القائمة في مواقف ساسة العراق خلال الأسبوع الماضي، حيث لاحظنا أن المواقف السياسية والعسكرية المناهضة للوجود الأمريكي في العراق قد تغيرت خلال عدة ساعات، وتوالت البيانات المؤيدة لحفظ سلامة السفارات والرافضة لاستهدافها!
استغربت العديد من وسائل الإعلام هذه المواقف المنقلبة على ذاتها، ولكن يبدو أن التسريبات التي تحدثت عن تهديدات أمريكية رسمية للقوى المسيطرة على الحكم في العراق في حال استمرت ضربات بعض فصائل الحشد للسفارة الأمريكية ببغداد، وبقية المصالح التابعة لها في مطار بغداد والتاجي وغير ذلك كانت، هذه المرة، تهديدات جدية!
وبهذا الخصوص انتشرت بعض (الإشاعات) في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تشير الى وجود تهديدات أمريكية ضد المليشيات التي تستهدف المصالح الأمريكية في العراق، وبعد (72) ساعة جاء التأكيد بشكل شبه قطعي. حيث كشفت مصادر مطلعة، أن “السفارة الأمريكية أبلغت رئاسة الجمهورية بأنها قد تغلق مقرها في بغداد في حال استمر القصف، وأن أمر الإغلاق سيؤثر بشكل كبير على العلاقات الثنائية بين واشنطن وبغداد وقد تكون بداية لانسحاب البعثات من العراق”.
وسبق لمصدر في مكتب رئيس جمهورية العراق برهم صالح أن كشف بأن ” وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أبلغ الرئيس برهم صالح أن واشنطن ستغلق سفارتها ببغداد ما لم يتوقف استهدافها بالصواريخ، وأن الإغلاق سيكون في غضون فترة قصيرة، في حال عدم إيقاف استهداف السفارة بهجمات صاروخية بشكل متكرر، وأن قرار إغلاق السفارة يعود إلى الرئيس دونالد ترامب، الذي لا يريد دخول الانتخابات في وقت تتعرض فيه سفارة بلاده للقصف والتهديد المستمرين”.
أول المواقف المفاجئة صدرت من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر عبر تغريدة في تويتر انتقد فيها بعض” الفصائل المنضوية تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي”، واتهمها بالوقوف” وراء عمليات الاغتيال والقصف التي تحدث في العراق”.
وذات الموقف المفاجئ أعلنه ائتلاف الفتح بزعامة هادي العامري، والذي أكد رفضه وإدانته “لأي عمل يستهدف البعثات الدبلوماسية”، داعيا “القضاء والأجهزة الأمنية إلى الوقوف بحزم وقوة وإنهاء مسلسل الخطف والاغتيالات وإثارة الرعب بين الناس”.
والأغرب من كل ذلك أن هيئة الحشد الشعبي أصدرت بيانا تبرأت فيه من “أي عمليات مشبوهة ونشاط عسكري غير قانوني يستهدف مصالح أجنبية أو مدنية”.
هذا التغيير الكبير في المواقف يؤكد التراجع الكامل عن التهديدات للمصالح الأمريكية، وبالذات بعد التصريحات النارية التي أعقبت مقتل قائد الحرس الثوري الإيراني في العراق قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد أبو مهدي المهندس بداية العام الحالي بعد خروجهما من مطار بغداد، حيث تم استهداف موكبهما بطائرة مسيرة أمريكية!
تلك التصريحات والتهديدات بلغت مراحل متقدمة بعد ساعات من مقتل سليماني والمهندس، حيث صرنا نسمع بتهديدات لواشنطن حتى داخل البرلمان، ومن قبل غالبية فصائل الحشد الشعبي، وفي مقدمتها عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، والفتح بزعامة هادي العامري.
لكن يبدو اليوم أن الأمور اليوم قد انقلبت وصرنا نرى ونسمع شبه اتفاق على تحريم وتجريم ضرب المصالح الأمريكية في العراق في سابقة لم تحدث في البلاد منذ عدة سنوات، وبالذات من جانب تلك الفصائل التي تدعي أنها ضمن (محور المقاومة)!
وفي هذا الملف ذكر (موقع الحرة) نقلاً عن مصدر مطلع من داخل هيئة الحشد الشعبي طلب عدم كشف هويته، تأكيده بأن ” التغيير في مواقف هذه الأطراف جاء بعد اجتماع عقد مؤخرا بين رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي والقوى الشيعية أبلغهم خلاله أن الولايات المتحدة هددت باعتبار كل من يسكت عن الهجمات التي تستهدف البعثات الدبلوماسية، شريكا بها وستتم محاسبته بشدة”.
وأضاف المصدر أن “أطرافا في تحالف الفتح ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض أبدوا مخاوف من احتمال تعرضهم لعقوبات أميركية قاسية، مما سيهدد مصالحهم ويقوض مستقبلهم السياسي، وأن رئيس الجمهورية برهم صالح أوصل الرسالة ذاتها لهذه الجهات في اجتماع جرى ببغداد أيضا مؤخراً”.
وبعد هذه المواقف أعلن الحشد الشعبي إقالة لشخصيتين تابعتين للحشد وهما: القيادي في ميليشيا سرايا الخراساني حامد الجزائري من الهيئة وعين بدلاً عنه أحمد الياسري لقيادة اللواء 18 في الحشد، وكذلك وعد القدو، المصنف ضمن قائمة الإرهاب في الولايات المتحدة، من قيادة اللواء 30 في الحشد الشعبي وتعيين زين العابدين جميل خضر بدلا عنه.
وبحسب موقع الحرة أيضاً نقلاً عن المصدر السابق في الحشد فإن “رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض أقدم على هذه الخطوة في محاولة منه لامتصاص غضب الأميركيين والتقرب منهم، وإن إقالة الجزائري والقدو تمت بالتنسيق مع قادة الميليشيات داخل هيئة الحشد وبإيعاز من طهران، من أجل تغيير الوجوه المستفزة في الهيئة وتعيين بدلاء عنهم لكن من نفس الانتماء، وأن الشخص الذي خلف الجزائري ويدعى أحمد الياسري، هو ابن عم الأمين العام لسرايا الخراساني علي الياسري”.
هذا التغير في المواقف يؤكد:
– جدية التهديدات الأمريكية للكتل السياسية والفصائل المسلحة.
– ضعف وخوار القوات التي تدعي أنها ضمن محور المقاومة!
– يقين غالبية قيادة هذه الكتل والفصائل أن يوم الحسم والعقاب على تدميرهم للعراق قد اقترب.
– وصول رسالة شباب تشرين للعالم بأن هؤلاء الساسة فشلوا في قيادة العراق.
هذه الأسباب وغيرها تؤكد أن العراق مقبل على مرحلة جديدة ربما تظهر ملامحها خلال الشهر القادم قبل بداية الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وحينها يمكن أن يكون لكل حادث حديث.

مقال خاص براسام