شاهو القره داغي                                                                                                 

كثرة الاحداث و الشواهد الأخيرة على الساحة السياسية العراقية تؤكد أن تغيير الحكومات لم تنجح في تحويل العراق من شريعة الغاب والبقاء للأقوى إلى حكم القانون و تحقيق العدالة وإعادة الاعتبار لحقوق المواطنين و محاسبة و ملاحقة المجرمين بغض النظر عن هوياتهم و طوائفهم و انتماءاتهم السياسية و الاجتماعية.

بعد اغتيال الخبير الأمني العراقي (هشام الهاشمي ) المقرب من دوائر صنع القرار في الحكومة العراقية الحالية ، اتجهت الأنظار فوراً نحو المؤسسات الأمنية للعثور على القتلة و محاسبة المتورطين في جريمة القتل ، ولكن وعلى الرغم من وعود رئيس الحكومة بالعمل على محاسبة القتلة و تقديمهم إلى العدالة إلا ان التحقيق لم يصل إلى نتيجة حتى الآن ، حيث أكدت صحيفة واشنطن بوست أن السياسيين في العراق يرون أن تحديد الجهة التي أعطت أوامر اغتيال الهاشمي ربما تُفجر الوضع السياسي في البلاد بشكل كبير .

اختفى مساء 20 سبتمبر الناشط العراقي (سجاد العراقي) على يد مجموعة من عناصر الميليشيات مدججين بالأسلحة و الكواتم و اقتياده إلى جهة مجهولة .

بعد عدة ساعات على الحادثة ، أكد قائد شرطة محافظة ذي قار أنه تم التعرف على الخاطفين والتوجه لإلقاء القبض علهم وتحرير الناشط، و تكفل شيخ عشيرة المتهم بالخطف بسلامة الناشط سجاد ، وتم تشكيل فريق عمل سريع لتحرير الناشط المختطف بعد التعرف على هوية المجرمين والمشاركين بالعملية.

أمر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قيادة العمليات المشتركة بإرسال قوة عسكرية خاصة من جهاز مكافحة الإرهاب إلى الناصرية مسنودة بطيران الجيش للبحث عن المخطوف (سجاد) و تحريره و إنفاذ القانون بالخاطفين وتقديمهم للعدالة.

وعلى الرغم من مشاركة عدة مؤسسات امنية و عسكرية في البحث عن المخطوف سجاد إلا ان الأجهزة الأمنية لم تصل إلى أي نتيجة حتى الان، وخاصة بعد مداهمة منزل أحد شيوخ العشائر بحثاً عن المخطوف ما أدى إلى ردة فعل شديدة من قبل الميليشيات و الأحزاب السياسية التي تستند على دعم هذه العشائر و توفر لها الدعم و الغطاء القانوني لممارسة النشاطات الغير قانونية و عدم الخضوع للقوانين.

هذه الحوادث المتكررة في الساحة العراقية تؤكد غياب القوانين و ضعف الدولة على حساب منظومة الدولة العميقة التي تديرها الميليشيات و العشائر المسلحة الموالية لها ، ومن الواضح أن الدولة تتجنب تطبيق القانون خوفاً من المواجهة مع المجرمين بحجة الخوف من اشتعال الفوضى و الصراعات الداخلية.

أصبح من يحتمي بقوة العشيرة و الميليشيات حتى الدولة تخاف الاقتراب منه، ومن يحتمي بقوة القانون يكون اضعف طرف في المعادلة ، لان الدولة ليست دولة قوانين و مؤسسات بل دولة ميليشيات وسلاح منفلت ، وبدل احترام صاحب الحق يتم احترام صاحب السلاح فقط.

بعد حادثة الرضوانية قرب المطار في بغداد و استشهاد عدة مواطنين عراقيين ، تجنبت القوات الأمنية و الحكومة العراقية عن توصيف العملية بالإرهابية لأنها تُدرك تماماً أن الميليشيات تقف وراء هذه العمليات و القصف العشوائي و تحاول الابتعاد عن الصدام مع السلاح المنفلت في الوقت الحالي.

يشعر المواطن بوضوح أن هناك نوعان من الإرهاب، الأول مسموح وهو الإرهاب الذي يصدر عن الميليشيات الطائفية والجماعات الولائية الموالية لإيران و الاذرع المسلحة للأحزاب السياسية ، حيث تمارس كل النشاطات الإرهابية و الخارجة عن القانون بحرية دون أي رادع من الدولة او المؤسسات الأمنية ، بينما الإرهاب الممنوع هو ممارسة نفس هذه الجرائم ولكن من قبل جماعات او اطراف خارج منظومة المقاومة الموالية لإيران ، ما يُعرض صاحبه للمسائلة والمحاسبة و الملاحقة الأمنية .

حسب تصريحات وزير الخارجية العراقي ، فإن الدولة العراقية تجري مفاوضات مع بعض الفصائل المتورطة بإطلاق الصواريخ على البعثات الدبلوماسية في بغداد والتي تخطئ الأهداف غالباً و تصيب المدنيين وتنشر الهلع و الخوف و الإرهاب في أوساط المواطنين، ومن الواضح ان الحكومة تعلم جيداً الأطراف التي تقف وراء هذه الجرائم الإرهابية ولكن بدل ملاحقة هذه الجماعات و إنفاذ القانون وتحقيق العدالة و القيام بالواجبات الطبيعية، تختار التفاوض و التسول لهذه الميليشيات في سبيل تجميد او إيقاف نشاطاتها الإرهابية لطمأنة الأطراف المنزعجة والقلقة من استمرار الهجمات في بغداد وخاصة الولايات المتحدة الامريكية التي هددت بإغلاق سفارتها في بغداد ما يعني إغلاق العديد من الدول لسفاراتها و عزل العراق عن العالم و المنطقة .

استعداد الحكومة للتفاوض مع الإرهابيين و الإعلان عن ذلك لن يؤدي إلى ردع الميليشيات و العصابات المنفلتة ، بل سيشجع المترددين للقيام بأعمال إرهابية بعدما يشعرون أن البيئة أصبحت جاذبة للميليشيات و ليست طاردة لها.

تحاول الحكومة العراقية طمأنة المواطنين و إقناع ممثلي الدول و السفارات في بغداد بجدية الخطوات الحكومية لمحاربة السلاح المنفلت و معاقبة المتجاوزين على القانون ممن يُعرضون أمن العاصمة للخطر، ولكن هذه المحاولات الإعلامية لن تنجح في ظل عجز الدولة عن أداء واجباتها الطبيعية و غياب الإجراءات الرادعة وعدم ملامسة أي تغييرات على أرض الواقع.

 

 

مقال خاص براسام