أ‌. د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

تعرضت حكومة ياسين الهاشمي الثانية الي معارضة قوية لا سيما في أواخر عهدها، وقد تبلورت هذه المعارضة بخاصة عندما تحالفت جماعة الأهالي مع كتلة عسكرية يقودها الفريق بكر صدقي، وفي التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول ١٩٣٦، أثمر هذا التحالف وقاد بكر صدقي أول انقلاب عسكري في البلاد، وأزاح به حكومة ياسين الهاشمي عن سدة الحكم.

ومن المفيد بالإشارة ان جماعة الأهالي لعبت دورا متميزا في الاعداد للانقلاب وقامت بوضع صيغة البيان الذي ألقته الطائرات موقعا من بكر صدقي (قائد القوة الإصلاحية)، كما أعدت الكتاب الذي رفعه حكمت سليمان الى الملك نيابة عن بكر صدقي وعبد اللطيف نوري، وعقدت الجماعة اجتماعا قبيل الانقلاب في دار (كامل الجادرجي) لمناقشة الشخصيات السياسية التي ستشترك في وزارة الانقلاب في حالة نجاح، وبالفعل نجح الانقلاب وأعلن عن تشكيل وزارة الانقلاب.

وزارة الانقلاب (٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦-١٧ آب ١٩٣٧) 

اعلن عن تشكيل وزارة الانقلاب، بعد دخول قوات الجيش الى بغداد بقيادة الفريق بكر صدقي وضمت الوزارة الجديدة كلا :

  • حكمت سليمان – رئيسا للوزراء ووزير الداخلية.
  • عبد اللطيف نوري – وزيرا للدفاع.
  • صالح جبر – وزيرا للعدل.
  • يوسف عز الدين – وزيرا للمعارف.
  • ناجي الأصيل – وزيرا للخارجية.
  • كامل الجادرجي – وزيرا للاقتصاد والمواصلات.
  • جعفر أبو التمن – وزيرا للمالية.
  • أما بكر صدقي فقد احتفظ لنفسه بمنصب رئيس أركان الجيش.

خطة حكومة الانقلاب 

أكد (حكمت سليمان) رئيس الوزراء تنفيذ وعود الإصلاح التي أعلنها قادة الانتخاب، وألقى جعفر أبو التمن بيانا من دار الإذاعة في يوم (٥ تشرين الثاني ١٩٣٦) تضمن خطة الحكومة في تسيير أمور الدولة وجاء فيه :

أولا: أن الانقلاب هو سياسة الحكومة السابقة وتحديها دستور البلاد، متهما إياه باتباع سياسة التحزب وتقديم المحسوبين عليها والمنسوبين اليها، وتحقيق المصالح الشخصية والمنافع الذاتية، بل انها لم تتنح عن كرسي الحكم الا بعد أن تركت الخزينة في عوز لا يستهان به.

ثانيا : الزعم بأن وزارة الانقلاب تعمل على (إحلال الطمأنينة التامة لعامة أبناء الشعب، وتطبيق العدل على الجميع بدون التفريق بين الأديان والمذاهب).

ثالثا : وفي السياسة العربية (تحسين الصلات الودية مع الدول العربية والتعاون المثمر معها بكل ما يمكن التعاون به).

رابعا : وضع خطة إصلاحية صحيحة شاملة للمعارف وتقوية روح الثقافة التي تكفل الوحدة العراقية.

وأشار البيان الى عزم الحكومة على اعمار الأراضي بصورة عامة وتوزيع الأراضي الاميرية وغير المملوكة وغير المعوّضة وغير المزروعة منها على أبناء البلاد. وكذلك فتح الطرق وتعبيدها وتوسيع الري والزراعة وتسهيل أمور التجارة وتقييم الصناعة وتحسين الصحة.

وأصدرت الوزارة منهاجها في (٩ كانون الأول ١٩٣٦) الذي أكد فيها على المبادئ السابقة وأشار الى (تعزيز روح التآزر بين العراق وبريطانيا العظمى والعمل المتواصل للحصول على أقصى الفوائد ماليا واقتصاديا وعسكريا من الحلف العراقي – البريطاني).

ومن الجدير بالذكر ان الانقلاب ووزارته قوبلا بترحيب من جماعة الأهالي في بغداد والمحافظات. وأصدر لفيف من شباب بغداد بيانا مطبوعا موقعا باسم (لجنة الإصلاح التقدمي الوطني) أشاد بالانقلاب وقادته ودعا الى القيام بمظاهرة للمطالبة بتحقيق الأمور التالية :

  • إزالة آثار الظلم الماضي.
  • تقوية الجيش.
  • العفو العام عن المسجونين.
  • فتح النقابات والصحف التي أغلقتها الحكومات السابقة.
  • تخفيف ويلات الفقر، وإيجاد الأعمال للعاملين وتشجيع الصناعات الوطنية.
  • توحيد الحركات الشعبية في الأقطار العربية لتأمين تقدم هذه البلاد.
  • التساوي في الحقوق بين العراقيين والتمسك بوحدتهم ونشر الثقافة والوقاية الصحية في جميع أنحاء العراق.

وخرجت مظاهرة في يوم (٣ تشرين الثاني) بعد اجتماع في جامع الحيدرخانة، القيت فيه الكلمات والقصائد، وكان المتظاهرون يحملون شعارات فيها (يحيا الملك – يحيا الجيش – تحيا الوزارة الشعبية). وخرجت مظاهرات مماثلة في مناطق العراق الأخرى. وجاءت الى بغداد وفود المحافظات لتهنئة الوزارة الجديدة، ومنها وفد (لواء الموصل) الذي تشكل من شريف الصابونجي ونعمان الدباغ وحكمت المفتي – كان الأخيران ينتميان الى حزب الوحدة الوطنية-  وصالح حديد وقاسم الديوةجي – كانا من أعضاء حزب الاخاء الوطني-  ويونس عباوي ورؤوف الشهواني والشيخ عبد الله النعمة – وغدوا نوابا في المجلس النيابي الذي جرى انتخابه في عهد حكومة الانقلاب -.

قابلت الحركة القومية الانقلاب ومنهاجه بمشاعر الخوف وعدم الثقة لإهماله الشعور العام في العراق ورغبته في الوحدة العربية، فأوضحت جريدة الاستقلال الناطقة بلسان القوميين، ان العراق طبع على القومية العربية وهي متأصلة فيه وتاريخه حافل بأروع الجهاد في سبيلها ونريد اليوم بصراحة تلك السياسة الصائبة. واعتبرت مجلة المثنى (لسان نادي المثنى بن حارثة الشيباني) ان أهم الأسس الرئيسية لنجاح الحكومة في معالجة أمراض المجتمع هي السياسة القومية واعتبرت العراق حجرا صلدا قويا في الكيان العربي.

 

موقف الوزارة من مجلس النواب

كان من أول أعمال وزارة الانقلاب (حكومة حكمت سليمان) حل المجلس النيابي في (٣ تشرين الأول ١٩٣٦، تحت ذريعة أن الحكومة لا تشعر بوجود التآزر بينها وبين مجلس النواب الحالي، لذا عد إقدام الحكومة المذكورة على حل المجلس قبل انعقاد اجتماعه وفي أثناء مدة عطلته وقبل أن تعرف هذه الحكومة موقفه منها، عملا غير دستوري.

في العشرين من شباط ١٩٣٧ تم انتخاب المجلس الجديد، وصدرت الإدارة الملكية بدعوته الى عقد اجتماع غير اعتيادي من الدورة الانتخابية السابقة في ٢٧ شباط ١٩٣٧.

وحظيت حكومة الانتخاب بإشادة عدد من النواب وتأييدهم. فقد حمل النائب محمد حديد الحكومات المتعاقبة على الحكم منذ عام ١٩٢١، مسؤولية تردي الأوضاع السياسية في البلاد، وأتهمهم بأنهم “أدوات بيد الاستعمار” لا سيما حينما قال: “الحكومات المتعاقبة حين تولت الحكم في العراق منذ سنة ١٩٢١، لم تقم بالإصلاحات بل قامت بسلسلة أعمال وتصرفات اضرت بالبلاد ضررا كبيرا، ذلك لأن الحكومات لم يكن رائدها المصلحة العامة ولم تكن تهتم بشؤون الشعب، سوى إرضاء المستعمرين وتمشية أمور البلاد وفق رغائب الاستعمار الذي ليس من مصلحته طبعا أن يكون في البلاد نعيم ورفاهية للأكثرية. الأمر الذي أدى الى انقلاب في ٢٩ تشرين الأول الماضي فطويت صفحة من تاريخ العراق … وفتحت بعد الانقلاب صفحة جديدة في تاريخ البلاد …”.

ومن جانب آخر تقدم (١٢) نائبا في الجلسة العاشرة المنعقدة في ٢٠ نيسان ١٩٣٧ باقتراح خطي الى رئيس مجلس النواب (فخر الدين جميل) بإقامة تمثال للفريق بكر صدقي وتقديم دار سكن له أيضا من (الامة).

في الحلقة القادمة سوف نتناول إن شاء الله تفاصيل هذا المقترح وما آلت إليه الأوضاع .