أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

ذكرنا في الحلقة الماضية أن (١٢) نائبا قدموا في الجلسة العاشرة المنعقدة في ٢٠ نيسان ١٩٣٧ باقتراح خطي الى رئيس مجلس النواب (فخر الدين جميل) بإقامة تمثال للفريق بكر صدقي وتقديم دار سكن له أيضا من (الامة).
هذا ومما جاء في اقتراح النواب : “… نود أن نظهر شعورنا نحو من تفادى في سبيل انقاذ البلاد ووفاءنا لصاحب هذه اليد الوطنية البيضاء، فلابد أن نقدم برهانا محسوسا على العرفان بالجميل وتقدير الرجال، فنقترح أن يقام لبطل الانقلاب الفريق بكر صدقي تمثال في أشهر ساحة في العاصمة ليرمز على الدوام الى البطولة العراقية وليكون محفزا للشباب الناشئ على الجهاد وباعثا فيهم روح التضحية ومعرفة الواجب الوطني … ولما كان هذا البطل المحبوب ليس عليه شيء غير راتبه في الجيش فما المانع من أن تقدم إليه الامة دارا ليسكنها …” وطلبوا إحالة مقترحهم الي الحكومة لسن لائحة قانونية لتحقيقه.
إلا ان حكمت سليمان(رئيس الوزراء) اعتذر عن جلسة المجلس المنعقدة في الأول من آيار ١٩٣٧ عن إقامة التمثال، وطلب من النواب سحب التقرير بعد أن بين أسباب ذلك بقوله :
“جرت بيني وبين القائد السيد بكر صدقي محادثة … فقد قابلني القائد وبين لي أن حركة الانقلاب وقعت من قبل الجيش ولا ينحصر بأحد … فالتمثال الذي يمثل هذه الحركة يجب أن يمثل القوة بكاملها … أما حول الدار فقد بين أن القصد من الانقلاب هو أن تفتح طريقة جديدة للرجال الذين يكونون مسؤولين عن إدارة دفة البلاد …”، وأكد (سليمان) ضرورة التخلي عن هذه الفكرة وبالفعل تم سحب الاقتراح.
ومن نافلة القول أن أكثرية مؤيدي الحركة الانقلابية كانوا يأملون من الحكومة الجديدة التي ترأسها حكمت سليمان أن تقوم بالإصلاحات التي وعدت بها الشعب، إلا إنهم أصيبوا بخيبة عندما أهملت تلك الحكومة وعودها.
فقد اختط بكر صدقي (قائد الانقلاب) لنفسه منهجا قائما على “الدكتاتورية العسكرية” في إدارة شؤون البلاد، كما إتبعت حكومة الانقلاب النهج نفسه وذلك بالعمل على تصفية حساباتها مع خصومها، وفي مقدمتهم العناصر القومية المعارضة وابتدأتها بالتخلص من وزير الدفاع (الفريق جعفر العسكري). كما شهدت البلاد سلسلة من الاغتيالات السياسية، فقد اغتيل نائب الموصل السابق (ضياء يونس) في ٢٠ كانون الثاني ١٩٣٧، ومنع الموصليون من تشييع جثمانه، كما تعرض الكثير من السياسيين المعارضين لمحاولات الاغتيال. أدت هذه السياسة القمعية الى مغادرة عدد من السياسيين البلاد، حيث غادر كلا من ياسين الهاشمي ونوري السعيد ومحمد يونس السبعاوي ومولود مخلص وجمال المفتي وجمال نظمي.
ولما فشل سياسة بكر صدقي في استمالة العقداء الأربعة (صلاح الدين الصباغ، محمد فهمي سعيد، كامل شبيب، محمود سلمان) الى جانبه، مما حدا به – بصدقي – باللجوء الى خطة ثانية قائمة على تشتيتهم الى مناطق متفرقة. فقد نقل (صلاح الدين الصباغ) من منصبه معلما في مدرسة الأركان ومعلما للتعبئة في الكلية العسكرية، الى منصب (معاون مدير الميرة)، كما نقل (محمد فهمي سعيد) من معاون أمر كتيبة الهاشمي الى منصب مقدم لواء المنطقة الشمالية، ونقل محمود سلمان من منصب (أمر الحرس الملكي) الى منصب معاون لآمر الكتيبة الثانية، كما نقل اللواء محمد أمين العمري من منصب معاون رئيس أركان الجيش إلى منصب آمر منطقة الموصل.

اعتقال محمد مهدي الجواهري :
أقدمت حكومة الانقلاب على توقيف (محمد مهدي الجواهري) صاحب جريدة الانقلاب، مما حدا بنائب الموصل (محمد حديد) أن يوجه سؤالا إلى حكمت سليمان (رئيس الوزراء ووزير الداخلية) في جلسة المجلس المنعقدة في الأول من آيار ١٩٣٧ عن أسباب توقيف (الجواهري) على الرغم من عدم وجود الحجة القانونية. وقد حاول بعض النواب مقاطعة (حديد) احتجاجا على حديثه هذا، ومنهم كمال السنوي (نائب الدليم) وسلمان الشيخ داود (نائب الديوانية) ومحمد علي محمود (نائب أربيل)، فقد عدوا سؤال (حديد)هذا تدخلا ومساسا بالقضاء. ورد النائب (حديد) على هذا الاحتجاج بأسلوب تهكمي قائلا : “كان على حضرات المحامين – يقصد النواب المعترضين – أن يراجعوا المادة (٥٤) من القانون الأساسي التي تعطي الحق لكل عضو في المجلس أن يوجه أسئلة واستيضاحات للوزراء”، فقاطعه سلمان الشيخ داوود (نائب الديوانية) وخاطبه قائلا : ” … تريدون أن تخربوا البلاد وتجعلوها فوضى” وأجابه (حديد) طالبا منه السكوت وعدم التطاول في الكلام، وطلب من رئيس المجلس المحافظة على النظام.
ومع ذلك تصاعدت حدة المشادة الكلامية وعلى نحو استخدمت فيه العبارات النابية والقاسية، مما جعل رئيس المجلس أن يعلن أنه سيستخدم صلاحياته القانونية، وأخطر النائب سلمان الشيخ داود بالتوقف عن الكلام، ورد حكمت سليمان مبينا أن توقيف الجواهري غير مستند قطعا على سياسة شخصية، وأيده بذلك وزير العدلية (صالح جبر) الذي أوجز أن سبب توقيف (الجواهري) هو ما جاء من كتابات تخل بالأمن في جريدة الانقلاب. ويقصد (جبر) أن (الجواهري) كان يدعو الى التحريض الذي وقع على اليهود.
وهنا قدم النائب (حديد) شكره الى حكمت سليمان وصالح جبر على الإيضاحات واعتبرها كافية.
كما تميزت هذه الوزارة بإهمال القضايا القومية والمصيرية كقضية سوريا وفلسطين وحرصهما الشديد على إرضاء الإنكليز وحماية مصالحهم في العراق والوطن العربي. فقد أدلى قائد الانقلاب (بكر صدقي) الى السيد عمر أبو النصر مؤلف كتاب (العراق الجديد) بالتصريح التالي : “إن إنكلترا تحسن صنعا في مساعدة العراق على تعزيز العسكرية لأنها تخدم نفسها وتعزز سيادتها في الشرق العربي، وان بريطانيا تستطيع الاعتماد على الجيش العراقي كخط مواصلاتها ومصالحها في الهند وآسيا، كما تؤمن أغراضها الاقتصادية ومطامحها ولا تضر باستقلال العراق…”.
كانت نتيجة إجراءات بكر صدقي القمعية والمخيبة للآمال، أن عمت موجة من الاستياء في صفوف الشعب، كما تجمعت لدى القوميين شواهد وبراهين كثيرة تثبت ان بكر صدقي أصبح خطرا مباشرا على العراق والأمة العربية. فقد عزل العراق عن القيام بواجباته تجاه اشقائه في محنتهم وكفاحهم ضد الاستعمار، وبدأ يهدم الوحدة العراقية ويسعى الى تمزيقها، وأساء الى العراقيين وأشاع بينهم الرعب والقلق، وصادر الحريات وعبث بكرامة المواطنين واحلامهم. لهذه الأسباب وبدافع الوطنية والعروبة صمم الضباط على إنقاذ العراق وإنهاء عهد بكر صدقي مهما كلف الأمر، وتولى مسؤولية العمل في بغداد (صلاح الدين الصباغ).
وقد تحالفت القوى الوطنية للتخلص من الحكم الديكتاتوري ومن العناصر العربية الشبابية الشقيقين جمال وحازم المفتي ومحمد يونس السبعاوي. وسرعان ما وجهت جهودهما باتجاه التعاون مع الكتلة القومية العسكرية لتحقيق هدف واحد ألا وهو تقويض دعائم النظام الحاكم الانقلابي. وجرت بالفعل عدة محاولات لاغتيال بكر صدقي كانت فاشلة لم يكتب لها النجاح، باستثناء المحاولة الأخيرة التي تمكنت هذه العناصر القومية من تنفيذها في الموصل – كما سنرى في الحلقة القادمة ان شاء الله –

المصادر المعتمدة :
١ – صفاء عبد الوهاب المبارك، انقلاب سنة ١٩٣٦ في العراق / رسالة ماجستير جامعة بغداد، كلية الآداب ١٩٣٧.
٢ – محمد يونس خليل، الأهالي والحركة الوطنية في العراق / رسالة ماجستير كلية الآداب، جامعة القاهرة، ١٩٤٧.
٣ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج٤، ط٧ (بغداد،١٩٨٨).
٤ – يوسف إسماعيل، انقلاب ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦، (مطبعة المعارف بغداد،١٩٣٧).
٥ – صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة في العراق، (دمشق، ١٩٥٦).
٦ – فاضل حسين، تاريخ الحزب الوطني الديمقراطي، (بغداد، ١٩٦٣).
٧ – فؤاد حسن الوكيل، جماعة الأهالي في العراق، ط٣، (بغداد، ١٩٨٦).
٨ – حازم المفتي، العراق بين عهدين ياسين الهاشمي وبكر صدقي، (بغداد، ١٩٩٠).
٩ – محاضر جلسات مجلس النواب، الدورة الانتخابية السابعة، (بغداد، ١٩٣٧).