الباحث:  حسين صالح السبعاوي

 

بعد مرور عام على انتفاضة تشرين العراقية والتي راح ضحيتها المئات من الشهداء وآلاف الجرحى والمعتقلين استطاعت الثبات أمام آلة القتل والبطش سواء من القوات الحكومة أو من المليشيات التابعة لأحزاب السلطة، وقد حددت هذه الانتفاضة أهدافها منذ البداية وهي :

١- نبذ الطائفية .

٢- رفض الهيمنة الإيرانية على العراق .

٣- محاربة الفساد .

 

وقد حققت بعض أهدافها وما زالت مستمرة لتحقيق بقية الأهداف ومن الأهداف التي تحققت هو إسقاط حكومة عادل عبد المهدي، وتحجيم دور الأحزاب الطائفية وعزلها عن المجتمع بحيث أغلقت مقراتها في مناطق الوسط والجنوب، وتقزيم المشروع الطائفي ونبذه مجتمعيا وسياسيا.

وهنا لا بد من الحديث عن المسارات التي سوف تنتهجها الانتفاضة وأيضا التحديات التي سوف تواجهها. وقبل الخوض في المسارات لابد من تشخيص الحالة الثورية في العراق وهل تمر في دورتها الطبيعية أم تعيش حالة تلاشي وانكسار ؟ أو هل هي قفزت على المراحل وسبقت الأحداث؟ وهنا لابد من معرفة المراحل التي تمر بها الثورات وما هو التعريف الاصطلاحي للثورة حتى نستطيع الإجابة على الأسئلة في أعلاه .

الثورة لها عدة تعاريف لكن جميع هذه التعاريف تنطبق على الحالة العراقية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ومن أهم هذه التعاريف:

الثورة : هو الإنتفاض ضد الحكم الظالم .

الثورة : هي الخروج عن الوضع الراهن وتغييره، ولا يشترط سرعة التغيير ، كما إنها لا ترتبط بشرعية قانونية .

الثورة : هو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير النظام الحاكم وبكافة الوسائل ثم تنتقل السلطة من الطبقة الحاكمة إلى طبقة الثوار .

 

أما مراحل الثورة :

يقول المؤرخ الأمريكي ( كرين برنتين ) في كتابه الشهير ( تشريح الثورة ) بأن الثورة تمر بأربع مراحل:

١- المرحلة التمهيدية .

٢- الحمى الصاعدة .

٣- مرحلة الأزمة .

٤- مرحلة النقاهة ( مرحلة الخلاص )

من هنا نستطيع معرفة ما يجري في العراق هل هي مظاهرات أم انتفاضة وثورة ؟ وفي أي مرحلة هي الآن .

إن ما يجري في العراق هو انتفاضة متكاملة الأركان سواء من حيث الأداء أو من حيث المطالب وليس مظاهرات كما يسميها الإعلام الحكومي .

أما المرحلة التي تعيشها انتفاضة تشرين فهي ما زالت في بداياتها وهي المرحلة التمهيدية التي تبدأ بظهور التنافر الطبقي الذي ينشأ في المجتمع ، نتيجة لعدم كفاءة الحكم، وعادة ما تكون الطبقة الوسطى هي المحرك الأساسي للثورة بسبب قيود فرضها الحاكم على الشعب مما يؤدي إلى سخط شديد ثم يتخلى المثقفون عن الحاكم مما يعجل سقوطه … وهذه الحالة تنطبق على الحالة العراقية بعد تخلي النخب والمثقفين عن النظام ولم يبقى معه إلا المطبل والفاسد وانصاف المثقفين أما حالة التنافر بين الشعب والسلطة الحاكمة قد بلغت ذروتها وتعيش السلطة اليوم حالة انفصام عن الشعب المطالب بالتغيير.

إذاً الانتفاضة العراقية باقية وتسير في السرعة الطبيعية المرسومة لها وفق قوانين الثورات التي سبقتها مثل الثورة الإنكليزية سنة ١٦٨٩ والثورة الفرنسية سنة ١٧٩٨ .

فهي لم تسبق الزمن ولم تتأخر عليه كما إنها حققت جزء من أهدافها وبقية لها أهداف أخرى لم تحقق بعد لكن عوامل الإستمرار للثورة متوفرة وما زالت باقية مثل الهيمنة الإيرانية والفساد المستشري في الدولة .

 

التحديات التي تواجهها الانتفاضة :

١- استخدام القوة المفرطة وكثرة الاغتيالات .

٢- غياب الدعم الدولي والإقليمي لها .

٣- زج النظام أشخاص داخل الانتفاضة لتولي القيادة فيها ومن ثم انحرافها عن المطالب المشروعة .

٤- شراء الذمم لبعض قيادتها ومن ثم شق صفها بكثرة الخلافات بين قيادتها .

٥- الإعتماد على وسيلة واحدة في الأداء… وهذا خطأ يقع فيه الكثير من الثوار، الوسائل متغيرة والأهداف ثابتة .

٦- تقوم الحكومة بتحريض الشارع وبعض العشائر ضد المتظاهرين مما يؤدي الى الإقتتال الداخلي وانحراف الثورة عن مسارها الطبيعي .

 

المآلات :

١- أعتقد أن الإنتفاضة في العراق باقية رغم وجود التحديات لأن الأسباب الرئيسية التي أدت إلى قيام هذه الإنتفاضة ما زالت باقية .

٢- رغم القمع الذي واجهته الإنتفاضة إلا أنها تمكنت من الثبات وتحمل الصدمة الأولى من القمع كما استطاعت أن تزيد من التعاطف الشعبي معها لما تحملته من إيذاء من قبل السلطة والمليشيات .

٣- أصبحت الإنتفاضة هي البديل الشرعي للنظام الحاكم في العراق وبمجرد حصولها على الدعم الدولي سينهار النظام القائم .

٤- سوف تستمر عمليات الخطف والاغتيالات من قبل المليشيات ضد الثوار وستبقى الدولة عاجزة عن مواجهة القتلة وتكتفي بالإدانة وإصدار البيانات الصحفية مما يفقدها ثقة الشعب بصورة كاملة .

٥- ما زالت الإنتفاضة في بداية عمرها الثوري والذي لم يتجاوز أكثر من عام واحد بينما عمر الثورات ممكن أن يكون عشرات السنين ، الثورة الفرنسية أنموذجاً .

٦- استخدمت الإنتفاضة وسائل عديدة لبقاء النهج الثوري واستمراريته ومن أهم هذه الوسائل هو الفن الذي أصبح ماركة مسجلة للانتفاضة العراقية  لقد قدمت مادة فنية رائعة،  على خلاف السلطة الحاكمة فهي عاجزة عن تقديم مادة فنية تساعدها في المواجهة والبقاء بل العكس ما تطرحه السلطة ما هو إلا فن هابط وأستطيع تسميته بالعفن الفني الذي جعلها مادة سخرية من قبل الشعب .

 

وأخيرا : لا مكان للحيادية في هذا الصراع القائم ولا توجد مناطق رمادية يختبئ فيها المنافقون ليتابعوا لمن تميل الكفة ليميلوا معها ينطبق عليهم قوله تعالى: ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا )

 

مقال خاص براسام