إن الانسحاب الأمريكي من العراق ترك الباب مفتوحاً أمام التدخل الإيراني في العراق والمنطقة، مما زاد من السطوة الإيرانية على العراق من خلال مؤسسات الدولة الأمنية التي تغولت فيها الميليشيات بشكل كبير جداً في ظل سياسة حكومة طائفية انتهجها المالكي لدورتين انتخابية حتى وصلنا إلى سيطرة “تنظيم الدولة” على عدد من المدن العراقية، لتتمكن إيران من إحكام قبضتها الأمنية والعسكرية على كثير من المدن العراقية التي كانت خارج السيطرة الإيرانية من خلال أدواتها، فتمكن النفوذ الإيراني في العراق بشكل كبير جداً بحيث أصبح يشكل ويمثل تهديداً حقيقياً وكبيراً للأمن القومي العراقي؛ بسبب سيطرة إيران على قواعد اللعبة السياسية والأمنية في العراق بعد عام 2003م والتي لن تسمح بتغييرها مهما حصل، فقد سيطرت على الكثير من المفاصل السياسية والأمنية من خلال الأحزاب السياسية والميليشيات المسلحة وتعمل من خلال هذه الأدوات على تحقيق مصالحها القومية والإقليمية على حساب تطلعات الشعب العراقي الذي يدفع الثمن غالياً من موارده وأبنائه وسيادته ومقدراته بسبب الاطماع الإيرانية والأطماع الأجنبية فيه، لذا كلما كانت هناك محاولات للتخلص من هذه التبعية السياسية والأمنية، بادرت إيران إلى تحريك أدواتها وأورقها للضغط وإبقاء العراق تحت نفوذها، مثل: قطع الكهرباء وقطع المياه التي تعتبر بمثابة إعلان حرب، حيث تعتبر “حرب المياه” هي السمة المقبلة لحروب المنطقة القادمة والتي بدأت ملامحها تظهر بصورة جلية في العراق من خلال توظيف إيران لهذه السلعة المهمة لخدمة أغراضها السياسية والاقتصادية كونها تتحكم بمصادر تلك المياه ومنابعها.

إن عدم إلزام القانون الدولي المنظم للحصص المائية بين الدول المتشاطئة جعل دول المنبع تتحكم في كميات المياه المطلقة للدول الأخرى، حيث تعتبر اتفاقية الجزائر عام 1975م بين العراق وإيران من أهم الاتفاقيات التي أبرمت في الفترة الماضية لتنظيم الموارد المائية رغم إجحافها لحق العراق والتي تم إلغاؤها إثر اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980م، وهنالك العديد من الاتفاقيات الأخرى مع تركيا وسوريا أيضا ولكن تبقى التحديات المائية تشكل التحدي الأبرز والكبير للحكومة العراقية القادمة؛ بسبب قلة المياه المتدفقة في نهري دجلة والفرات، حيث تعتبر مشكلة المياه في العراق ذات أبعاد متعددة منها:
التغيرات المناخية: بسبب قلة الأمطار والجفاف الكبير نتيجة قطع الأشجار في الفترة الماضية.
البعد المحلي: نتيجة سوء التخطيط وإدارة الموارد المائية لعدم وجود إدارة حقيقية لموارد الدولة المائية التي تأخذ بنظر الاعتبار التحديات المقبلة وكيف معالجتها.
البعد الإقليمي ودول الجوار: والسياسة المائية التي تتبعها هذه الدولة تجاه الدول المتشاطئة ومنها العراق، كون الموارد المائية لنهري دجلة والفرات وبقية الروافد الأخرى تأتي من خارج العراق، من إيران وتركيا وسوريا، حيث إقامة هذه الدول العديد من السدود التي تمكنها من التحكم بكميات المياه المطلقة إلى العراق، حيث تركت هذه السدود تأثيراً سلبياً على الواقع المائي العراقي، فمثلاً تركيا تسيطر على 88% من مياه نهر الفرات وسوريا تسيطر على 12%، أما نهر دجلة فإن تركيا تسيطر على حوالي 31،9% وسوريا تسيطر على 5%، وهذا يجعل العراق يفكر ملياً بسياسة مائية لإدارة الموارد بما يؤمن الأمن القومي العراقي.

لم تكن مشكلة المياه في العراق من أولويات الحكومات التي حكمت العراق بعد عام 2003م كونها مشكلة محلية يمكن لها أن تتعمق وتسبب إشكالات كبيرة على المستوى الداخلي، وكونها مشكلة خارجية تكمن في عدم وجود سياسات واتفاقيات مع دول الجوار تحدد كيفية تعامل الحكومة مع دول الجوار حول كميات المياه المطلقة إلى العراق بما يؤمن الأمن المائي على المدى البعيد، أي عدم وجود علاقات واضحة تحكمها القوانين الدولية والمصالح المشتركة بين هذه الدول؛ بسبب الإهمال الحكومي وعدم وجود تخطيط استراتيجي بعيد المدى يعالج التطورات الحاصلة في هذا الملف الخطير، مما أدى إلى إهدار كميات كبيرة من المياه من دون الاستفادة منها ببناء السدود واستغلالها بصورة صحيحة في ظل تحديات تراجع الواردات المائية، لذلك أقدمت كل من تركيا وإيران على إقامة العديد من السدود الضخمة التي أثرت بشكل كبير على تراجع كميات المياه المطلقة تجاه العراق، فإيران أقامت (15) سداً على نهر الكارون وهذا سبب رئيسي في تفاقم الأزمة المائية في جنوب العراق، وتركيا أقامت (5) سدود على نهر الفرات، أما مشروع الغاب فيتألف من (22) سداً و(19) محطة كهرباء إضافة إلى مشروعات أخرى في الزراعة والري والصناعة والمواصلات، فهذا المشروع من حيث المساحة هو أضخم مشروع في العالم ومن أهم السدود هو سد “أتاتورك الكبير” والذي يقع على نهر الفرات، أما سوريا فقد أقامت (3) سدود على نهر الفرات، والعراق يوجد لديه سد واحد وهو “سد حديثة” والذي تم بنائه قبل الاحتلال، أي لم يتم بناء أي سد بعد عام 2003م مما يعكس صورة واضحة من الإهمال الحكومي لهذا الملف الخطير.

إن القرارات والسياسات المائية التي اتخذتها قيادة الملالي في طهران بتخزين كميات كبيرة من المياه في السدود الإيرانية مثل “سد الموت” زادت من حدة أزمة المياه في العراق، حيث أمر الخامنئي بقطع ما يقارب (7) مليار متر مكعب من مياه الأنهر التي كانت تصب في “شط العرب” مثل الكارون ونهر الوند، مما زاد من نسبة الملوحة في المياه بشكل كبير جداً، بل لم تكتفِ بهذا فقد نصبت العديد من محطات البزل على الجهة المقابلة لشط العرب والتي تدفع بكميات كبيرة من المياه المالحة والملوثة بالمخلفات الكيمياوية الناتجة عن المفاعل النووي في مدينة “بوشهر”، والذي أدى إلى نفوق الكثير من الأسماك في مياه شط العرب، وهذا يعني أن إيران استخدمت المياه سلاحاً لتهديد العراق وقدمت مصالحها القومية على مصلحة العراق خصوصاً بعد تزايد الرفض الشعبي لها في كثير من محافظات الجنوب جراء السياسية العدوانية التي انتهجتها في التدخل في الشأن العراقي، وبدا ذلك جلياً في المظاهرات التي اندلعت في مدن الجنوب وخاصة محافظة البصرة، حيث تم حرق القنصلية الإيرانية وتعالت الاصوات للتنديد بالدور التخريبي الإيراني في هذه المناطق التي اعتبرت في الفترة السابقة حاضنة للسياسات الإيرانية.

تكمن المشكلة الحقيقة في أزمة المياه بالعراق هو في كيفية تعاطي الحكومة العراقية مع هذه المشكلة المهمة والخطيرة والتي تمثل تهديد مستقبلي للأمن القومي وبمثابة إعلان حرب ضد العراق، فقد أثبتت الكثير من الوثائق التي تم الحصول عليها من قبل المتظاهرين الذين اقتحموا القنصلية الإيرانية في مدينة البصرة إلى وجود اتفاقات وتنسيقات مع الجانب العراقي وخصوصاً الحكومات المحلية، فقد أظهرت الوثائق موافقة المجلس المحلي في محافظة البصرة على ما تقوم به إيران من سياسات مائية تجاه العراق والتي تسببت في كوارث كبيرة جداً على المستوى الصحي والبيئي، وهذا يبين التبعية السياسية للأحزاب العراقية الحاكمة لإيران التي تستغل نفوذها السياسي لمصالحها القومية على حساب مصلحة الشعب العراقي ومستقبله وسط صمت مطبق للحكومة المركزية تجاه حكومة البصرة المحلية ومحاسبتها، واتجاه إيران التي وقفت عاجزة عن مجاراة تأثيرها على الواقع السياسي العراقي فضلاً عن ردع مثل هذه السياسات التي تضر بالأمن القومي العراقي، وإلى متى سيستمر هذا الصمت الحكومي تجاه السياسات الإيرانية المختلفة؟ وما هي الحلول والمعالجات التي ستتبناها الحكومة في الفترة المقبلة لمواجهة التهديدات المائية المستقبلية؟ وهل تمتلك الحكومة من الامكانيات والأدوات لوضع الحلول المناسبة لها؟ وكيف ستواجه السياسات الإيرانية على المستوى المحلي والخارجي؟

بقلم
حاتم كريم الفلاحي
باحث بمركز الرافدين للدراسات السياسية والاستراتيجية -راسام –