يعد العراق واحدة من الساحات الرئيسة للتوتر في المنطقة خاصة بين واشنطن وطهران التي تعد العراق البوابة الرئيسة لتمددها  في المنطقة، وهي تحاول أن تحافظ على علاقات متينة مع العراق  حيث وجه وزير الخارجية الإيراني الشكر للعراق على رفضه للعقوبات الأمريكية الجائرة وغير القانونية ضد الشعب الإيراني، كما أعلنت بغداد عن عدم التزامها بالعقوبات الأمريكية المفروضة على طهران التي كانت  داعمة للعراق في حربه ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على ما يقارب ثلث مساحة البلاد عام 2003م وبنفس الوقت إن العراق يرفض تستخدم أراضيه لتهديد دول مجاورة ومنها إيران التي تحتفظ بوجود قوى لها في العراق عبر أحزاب سياسية وميليشيات مسلحة نافذة ترتبط مع إيران بعلاقات وثيقة ومعقدة من الصعب تجاوزها.

تأتي زيارة الرئيس الإيراني روحاني إلى بغداد في ظروف معقدة وخطيرة تمر بها إيران نتيجة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها بعد أن انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي 5+1 وتبين هذه الزيارات المتكررة للمسؤولين الإيرانيين بشكل لا يقبل اللبس بأن حكومة الملالي في طهران تعاني من أزمة تتفاقم آثارها على الداخل الإيراني يوماً بعد يوم وهي تنظر إلى العراق أنه المتنفس الوحيد لها للالتفاف على العقوبات الأمريكية لما تمتلكه من أدوات سياسية وميليشيات مسلحة لها نفوذ سياسي وأمني واقتصادي واسع وكبير وتحاول الاستفادة منها في مواجهة الحملة الإعلامية التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية للحد من النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة.

إن هذه الزيارة تأتي تلبية لدعوة رسمية من نظيره العراقي برهم صالح، ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي أي من حكومة بغداد التي تصرح بأنها لن تدخل في صراع المحاور في المنطقة وتحاول إيجاد نوع من التوازن في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والذين يعدان حليفان لحكومة بغداد، وتحاول أن تعلب دور الوسيط بين الخصمين المتنافسين على السيطرة على مقدرات العراق الاقتصادية والسياسية والعسكرية ولكن الحقيقية والوقائع تقول إنها تنزوي مع المحور الإيراني بسبب النفوذ الكبير للأدوات الإيرانية في العراق وسيطرتها التي تشمل مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية والتي أوجدتها طهران بعد عام 2003م وهذا ما سيضع حكومة عبد المهدي أمام معضلة كبيرة جدًا وهي كيفية إيجاد توازن في العلاقات بين الحليفين الخصمين في العراق دون التأثير على مصلحة العراق علماً بأن البلدين لديهما تأثير كبير على الوضع الداخلي العراقي.

تستهدف زيارة روحاني الاستثنائية للعراق تخفيف آثار العقوبات الأمريكية على إيران من خلال تعزيز العلاقات الثنائية لمواجهة الضغوطات الأمريكية على إيران في المنطقة والعراق بصورة خاصة حيث تطالبه بالحد من استيراد الطاقة من إيران إضافة إلى مناقشة مسائل متعددة منها التبادلات التجارية وإيجاد صيغة عمل جديدة للتحاليل والالتفاف على العقوبات الأمريكية ومنها توقيع اتفاقيات تجارية تخطط إيران من خلالها تكبيل العراق بسلسلة من الاتفاقيات التجارية المجحفة التي لا تصب في مصلحة العراق وإنما تساعد ايران في التخلص من العقوبات الأمريكية التي تنوي إيران رفع مستوى التبادلات التجارية الثنائية السنوية بين البلدين من خلالها من (12) مليار دولار إلى (20) مليار دولار، وقد صرح روحاني في يناير الماضي أن إيران تواجه أصعب أزمة اقتصادية منذ (40) عامًا لذا فهي تحاول أن تلقي بثقلها على العراق لمواجهة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها حيث تعتبر العراق الرئة الاقتصادية التي يمكن لها أن تتنفس منها وقد صرح وزير الخارجية الإيرانية في مؤتمر صحفي بوزارة الخارجية العراقية أننا أجرينا مباحثات جيدة جدًاً وتوصلنا إلى تفاهمات وإعداد بعض الوثائق للتوقيع النهائي وهم يطمحون لتوقيع اتفاقيات لتخفيض أو إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين وربط مدينة خرمشهر الإيرانية بسكة حديد مع مدينة البصرة وتطوير مشاريع المدن الصناعية واتفاقية الجزائر لعام1975م وتثبيت الحدود وإقامة ملتقى تجاري مشترك بين البلدين بمشاركة القطاعين الحكومي والخاص وإقامة أسواق مشتركة على الحدود.

إن زيارة روحاني للعراق هي رسالة إيرانية واضحة للولايات المتحدة الأمريكية بأن إيران ما زالت تحتفظ بنفوذ قوي وكبير في العراق والمنطقة رغم العقوبات الأمريكية المفروضة عليها ويجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتعامل مع هذه الحقيقة، وهناك مشروع سيقدم للمناقشة في البرلمان العراقي ينص على خروج القوات الأمريكية من العراق وهي رسالة أيضاً إلى الدول العربية التي تراهن على إبعاد العراق عن النفوذ الإيراني بأنها ستكون تحت التهديد المباشر إذا اقتضت المصلحة الإيرانية ذلك؛ وهذا ما سيجعل العراق يعاني من عدم الاستقرار لفترة طويلة بسبب ضعف الحكومة وتبعيتها للخارج مما سيحول العراق إلى ساحة صراعات مفتوحة  لمصالح إيران والولايات المتحدة الأمريكية على حساب مصالحة البلد وأهله ولن ينسى شعب العراق عندما قطعت إيران الكهرباء عن الشعب العراقي في الصيف الماضي وكيف حولت مجرى شط العرب إلى مجرى للمياه المالحة والملوثة والمخلفات التي تفرزها منشآتها النووية وكيف قطعت الأنهار التي كانت تزود العراق بالمياه في الفترة السابقة.

  بقلم: حاتم كريم الفلاحي

باحث بمركز الرافدين للدراسات الإستراتيجية

11 مارس/ آذار عام 2019م