ســــتبقى أصــــــوات المتظاهرين أعلى من أصوات بنادقكم

ولن تستطيعوا اسكات صوت الشعب العراق ينتفض

تشهد مدن العراق مظاهرات واسعة وهي امتداد لسلسلة من المظاهرات التي خرجت في الفترة الماضية والتي تم الالتفاف عليها من قبل الحكومات التي قمعتها بالقوة المفرطة. ولكن هذه المرة يبدو أن حكومة المنطقة الخضراء تعرضت لهزة عنيفة وتفاجأت بخروج انتفاضة عارمة ضربت أرجاء العراق بدءًا من العاصمة الحبيبة بغداد الى المحافظات الجنوبية بعد أن تجاوزت كل الحسابات الحكومية بأحزابها الطائفية وميليشياتها المسلحة ومراجعها الدينية. فقد بلغ السيل الزبى في بلد استباحته خفافيش الظلام وأصبح مرتعاً للعملاء والفاسدين وشذاذ الافاق الذين جاء بهم الاحتلال وأخذوا يسرقون ويقتلون باسم القانون والدولة. حيث انتشرت الجريمة وساد الجهل والفقر  والفساد المالي والاداري بشكل غير مسبوق وكثر الظلم وأنتشر السلاح وانتعشت الميليشيات خارج إطار الدولة وأصبحت تمارس الارهاب باسم القانون ونهبت الثروات وسادت الطائفية التي مارستها الاحزاب الدينية في العراق بعد عام 2003م والتي وصلت الى سدة الحكم بعد أن كانت جزأً من مشروع الاحتلال الأمريكي – الايراني. حيث فشلت الحكومات المتعاقبة على حكم العراق في تقديم أبسط مقومات الحياة الانسانية الكريمة لشعبها من الكهرباء والماء الصالح للشرب وتميزت بتبعيتها للخارج وتقديمها لمصالحها الحزبية والشخصية على مصلحة البلد الذي سادت فيه المحسوبية والمنسوبية وأصبح الولاء للحزب والطائفة هو المعيار الحقيقي لتبوء المناصب وقدمت مصالح الدول الاخرى كإيران على مصلحة العراق فتبددت الثروات ونهبت الخيرات وملئت السجون بالأبرياء وأنقسم المجتمع وخرب نسيجه الاجتماعي وسيس القضاء وأصبحت مقاومة الاحتلال الامريكي – الايراني إرهابا في دولة الاحزاب الدينية وقتل الطيارون العراقيون الذين شاركوا في حرب ايران واغتيل الاطباء والمهندسين وهجر أصحاب الشهادات العليا بالقوة. ودخل المشاركين في العملية السياسية ضمن سياسية المحاور في المنطقة إما مع المحور الايراني أو مع المحور الامريكي واستبيحت الاراضي العراقية من قبل تنظيم الدولة بسبب عدم قدرة القوات الحكومية على الدفاع عن الأراضي العراقية ودخلت القوات الاجنبية بذريعة مواجهة تنظيم الدولة وفشل البرلمان من قيام بدورها الرقابي والتشريعي وتحول العراق الى دولة فاشلة.

فشل العملية السياسية في العراق:

ها هي العملية السياسية تنهار بشكل مدوي بعد أن راهن عليها الاحتلال طوال الفترة الماضية والتي بنيت على أسس خاطئة من الفساد والمحاصصة الطائفية والعرقية والتي مزقت البلد ودمرت نسيجه الاجتماعي بعد أن سيطرت ثلة من الفاسدين على مقدرات البلد فنهبوا موارده وحولوه الى بلد منقسم الى طوائف متناحرة وأصبحت لدينا منظومات ومافيات للفساد المالي والاداري وسيطرت الاحزاب والميليشيات على مقدرات البلد السياسية والعسكرية والاقتصادية والتي عملت على تغليب مصالح الحزب والطائفة على مصلحة البلد. وحولت العراق لساحة صراع طبقاً للأجندة الايرانية على حساب مصالح العراق الحالية والمستقبلية حتى وصلنا الى دولة مدانة بأكثر من(120)مليار دولار ناهيك عن انتشار البطالة والفساد المالي والاداري وسوء الخدمات واستشراء الجهل والفقر وتراجع التعليم وتدمر قطاع الصحة وانتشار السلاح خارج اطار الدولة وانتشار الجريمة والمخدرات والمتاجرة بالأعضاء البشرية. كما ساد التزوير في الانتخابات البرلمانية وفشلت الاحزاب السياسية في تشكيل الكتلة الاكبر في انتخابات عام 2018 في مخالفة صريحة للدستور العراقي. وتم تشكيل الحكومة بالتوافق والتي فشلت في استكمال الكابينة الوزارية الى يومنا هذا وهناك الكثير من السلبيات الاخرى التي لا تعد ولا تحصى كل هذه الاسباب أدت الى هذا الانفجار  الخطير .

مظاهرات مستمرة ووعود كاذبة يا رئيس الحكومة

لقد حكم العراق بعد عام 2003م من قبل الاحزاب السياسية الدينية الشيعية كحزب الدعوة الذي حكم العراق منذ عام 2005م ولغاية عام 2018م. حيث خرجت خلال هذه الفترة العديد من الاحتجاجات والمظاهرات للاحتجاج على سوء أدائها، منها التي خرجت في صيف عام 2010م في بعض مدن الجنوب التي تنادي بعجز السلطات الحكومية التي فشلت في توفير الخدمات ثم خرجت مظاهرات شباط عام 2011م والتي بلغت ذروتها في مدينة البصرة والتي سميت بانتفاضة الكهرباء وامتدت إلى مدن عراقية أخرى. حيث قمعت بشدة وسقط فيها الكثير من القتلى، واعتبرت المطالب التي نادت بها هذه المظاهرات هي التفاف على الدستور والشرعية الانتخابية، واتهموهم بالسعي لإعادة البعث إلى السلطة وضرب العملية السياسية في الصميم. ثم جاءت مظاهرات المحافظات السنية في عام 2013م متممة لسابقتها وتطالب بحقوقها المسلوبة ولكن تم تغير مسار تلك المظاهرات السلمية بسبب السياسات الحكومية الطائفية واستخدمت القوة في فض هذه المظاهرات، بدءاً من الحويجة وانتهاءً بمدينة الرمادي والفلوجة. ثم جاءت احتجاجات تموز عام 2015م ثم مظاهرات البصرة عام 2018م والتي خرجت بسبب عدم قدرة الحكومة على توفير أبسط الخدمات ومنها الماء الصالح للشرب ثم وصلنا الى مظاهرات تشرين الاول عام 2019م. علما أن جميع هذه المظاهرات والاحتجاجات كانت تنادي بتحسين الاوضاع المعيشية وتوفير الخدمات ومحاسبة الفاسدين دون أي استجابة لمطالبهم. لكن انتفاضة تشرين التي لا تزال مستمرة باتت تطالب بتغيير النظام السياسي بالكامل.

كيف تعاملت الحكومات مع المتظاهرين :

لقد فشلت جميع الحكومات السابقة التي وعدت بالإصلاح في مساعيها وفعلت مثل ما تفعلون اليوم يا عبد المهدي. حيث استخدمت القوة المفرطة في قمع هذه المظاهرات وتفريقها وقامت بحملات من الاعتقالات التي طالت الكثير من النشطاء التي أطلقت سراح الكثير منهم بتعهدات خطية بعدم مشاركتهم مرة أخرى في المظاهرات. بل وتعاملت حكومة المالكي مع مطاليب المتظاهرين حسب المحافظات وكلاً على حدة وتم اجراء لقاءات مع شيوخ العشائر والوجهاء في محاولة لاحتواء الحراك وتفتيته آنذاك ثم ارتكبت حكومة المالكي مجزرة الحويجة والفلوجة والرمادي بعد أن اختارت مقاربة الحل الامني في التعامل مع الحراك السني آنذاك. ثم جاءت حكومة العبادي لتقوم بصرف بعض التخصيصات المالية والدرجات الوظيفية مع إحالة بعض الفاسدين لهيئة النزاهة كحلول ترقيعية لامتصاص زخم الشارع المنتفض الذي خرج عام 2015 م بل وقدمت الكثير من الشخصيات السياسية اعتذارها للشعب العراقي بسبب التقصير وإخفاقهم في توفير الحياة الحرة الكريمة للشعب عام 2018م كهادي العامري على أثر  تردي الخدمات ومنها عدم توفير المياه الصالحة لمدينة البصرة وبعض المحافظات الجنوبية.

لماذا تفجر الوضع في العراق:

إن تراكم المشاكل في العراق بسبب مشروع الاحتلال الامريكي – الايراني كانت كثيرة وخطيرة وصلت لذروتها عام 2018م حيث شهدت الانتخابات البرلمانية عزوفاً واضحاً للناخب العراقي بسبب الاحباط الكبير من النخب السياسية التي حكمت العراق طوال الفترة الماضية وانقسمت الكتل السياسية داخل المكون الواحد الى كتل متعددة ومتناحرة، مما جعل عملية تشكيل الحكومة صعبة ومعقدة وعسيرة نتيجة التدخلات الخارجية في الملف العراقي مما جعل الكتل السياسية تفشل في تشكيل الكتلة الاكبر التي تخول بتشكيل الحكومة في مخالفة واضحة للدستور العراقي. حيث ذهبوا الى مرشح توافقي بين كتلة الفتح وسائرون وتم الاتفاق على عادل عبدالمهدي الذي لم يوفق في إكمال تشكيل وزارته الى يومنا هذا بسبب المحاصصة المقيتة علماً ان عبدالمهدي يعتبر أسوء من جاء الى حكم العراق بعد عام 2003م بسبب ضعفه وتبعيته لقيادات الحشد الشعبي التابعة لإيران مما ترتب على ذلك استمرار تردي الخدمات وكثرة العاطلين عن العمل بحيث وصلت البطالة الى40% حسب إعلان صندوق النقد الدولي.  كما ارتفعت نسبة الفقر  ووصلت في العراق الى32% عام 2018 حسب تقارير وزارة التخطيط العراقية ونسبة الذين يقيمون في العشوائيات 13% من سكان العراق. كما إن هناك أرث اقتصادي ثقيل بسبب فساد الحكومات السابقة التي تعمل لنفسها ولأحزابها دون التركيز على شرائح المجتمع التي عانت من تهميش الشباب وانعدام فرص العمل وانتشار الفقر والجوع والجهل والمرض والمخدرات والجريمة المنظمة وغياب الامن وقلة التخصيصات وتردي الخدمات وسوء الادارة وظهور طبقة فاسدة أدارة  منظومة الفساد المالي والاداري بعد أن سيطرت على مفاصل مهمة في أدارة الدولة. بالإضافة الى تفاقم الديون الخارجية للعراق التي وصلت الى أكثر من (120) مليار واختلال منظومة القوانين التي تشجع على الاستثمار أوصلت العراق الى ما نحن عليه الان هذا بالإضافة الى هيمنة دول أجنبية على مقدرات العراق – والمقصود بها ايران – أمام عجز حكومي واضح في معالجة هذا الامر بسبب الضعف الحكومي وضعف مؤسسات الدولة التي سيطرت عليها الادوات الايرانية (الاحزاب السياسية والميليشيات المسلحة) التي أصبحت تدير منظومات تابعة لإيران

الحكومة تنتهك الدستور وتنقلب على الديمقراطية:

لقد كفل الدستور الحالي الذي كتبه الاحتلال وباركته الاحزاب المشاركة بالعملية السياسية حق التظاهر السلمي للمواطنين حيث جاء في المادة (38) من الدستور العراقي الحالي “بأن تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب” ما يلي :

اولاًـ حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.

ثانياً ـ حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر.

ثالثاً ـ حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون.

وهنا نسأل رئيس الجمهورية والبرلمان ورئيس الوزراء أين حرية التعبير ؟أين حرية التظاهر السلمي ؟ أين الديمقراطية التي أتيتم بها للعراق بعد عام 2003م لماذا انقلبتم على الدستور ؟ لماذا قطعتم شبكة الانترنت ؟لماذا هذا التعتيم الاعلامي؟ لماذا فرض حظر التجوال؟ لماذا تقطعون الطرق؟ لماذا استخدمتم الرصاص الحي في تفريق المظاهرات ؟ لماذا تقتلون الابرياء الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم بصدور عارية؟ أين المعايير الدولية في التعامل مع المتظاهرين أين الحقوق الشخصية والحمايات القانونية اللازمة لتكريس القيم الديمقراطية؟ لماذا التشكيك والدعايات المغرضة لشيطنة هذه المظاهرات وإخراجها عن سياقها السلمي وأطلاق نفس الاوصاف التي استخدمت في قمع المظاهرات السابقة واتهامهم بالإرهابيين والصداميبن والبعثيين؟ لماذا يتم اقتحام القنوات الفضائية التي تنقل بعض الحقيقة في دولتكم يا رئيس الوزراء ؟ ومن قام بهذا الفعل بدون علمكم ؟ أم أنك أخر من يعلم أو تعلم من وسائل الاعلام؟ أم إن أطلاق الرصاص وقتل المتظاهرين بالرصاص الحي وبدم بارد لا تسمعها ولا تراها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ؟ وماذا تعلمك أجهزتك الامنية؟ وكيف لك أن تعرف الحقيقة وتعالج الموقف وانت لا تدري ما يحصل على أرض الواقع  ؟أم أنها هي الديمقراطية الامريكية- الايرانية التي تتبجحون بجلبها الى العراق بعد عام 2003م أعلونها مدوية أنكم فشلتم جميعاً وعليكم ترك البلد لأهله واذهبوا الى ايران وامريكا كلا حسب تبعيته وأنت يا رئيس الوزراء اذهب الى فرنسا حسب جنسيتك الثانية.

 

كيف تعاملت حكومة عبد المهدي مع المظاهرات الحالية :

واليوم يا رئيس الوزراء بدل أن تقدم استقالتك مع الحكومة التي فشلت في اكمال تشكيلتها الوزارية كيف لها أن تتعامل مع المتظاهرين لقد قمعت المتظاهرين واستخدمت القوة المفرطة في ضرب المظاهرات السلمية التي انطلقت للمطالبة باستعادة الوطن وسيادة الدولة والقانون التي فقدناها العراق الذي تحكمه ميليشيات ايران الطائفية وحكومتك اليوم تردد ما قالته الحكومات السابقة بأن مطالبكم وصلت فرجعوا الى بيوتكم وسنعمل على تنفيذها بعد أن سقط أكثر من (120) شهيد حسب إحصائيات هيئة علماء المسلمين في العراق و(650)معتقل وجرح أكثر من  (6107) جريح وأنت يا رئيس الوزراء تقول لم نأمر باستخدام القوة والرصاص الحي ضد المتظاهرين وهذا يفقدكم المصداقية ويعطي دلالة على إن كل ما تقولونه هي وعود زائفة لا أساس لها من الصحة في الواقع وأعلم إن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم وأننا ندرك  جيداً إن كل ما تقدمونه اليوم من اصلاحات هي لاحتواء الحراك السلمي وإن ما تطلقونه من تصريحات هي وعود كاذبة (السلطتين التشريعية والتنفيذية) لأنكم فقدتم القدرة على الاصلاح والتعاطي مع مطاليب الشعب الحقة وأصبحت دولتكم فاقدة للإرادة على التغيير بسبب فساد الطبقة السياسية التي أنتم جزأً منها وكذلك  الفساد البنيوي الذي يعتبر السبب الرئيسي فيما وصلت اليه البلاد من فساد مالي وإداري وأنتم المستفيدين من بقاء الاوضاع على ما هي عليه الان كما إن الموجودين في سدة الحكم هم نفس الوجوه التي تصدرت حكم العراق من عام 2003م الى يومنا هذا وما يجري من انتخابات وحراك سياسي هو عبارة عن تزوير وتدوير تمارسونه من خلال الاحزاب والتكتلات السياسية الطائفية وما جرى من نهب للثروات وتدمير للبنى التحتية كان بشكل ممنهج من قبل هذه الثلة السياسية الفاسدة التي أصبحت عاجزة عن تغير قواعد اللعبة السياسية في العراق بسبب تبعيتها للخارج وبسبب هيكلية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية.

بماذا تميزت هذه الانتفاضة:

لقد تميزت هذه المظاهرات التي خرجت بأنها وطنية بجميع شعاراتها التي أطلقتها والتي تنادي باستعادة الوطن الذي سرقته ثلة من السياسيين الفاسدين والتابعين للخارج لذا فالجميع غاضب ويندد بالأحزاب السياسية الفاسدة التي استغلتها طوال الفترة الماضية والتي حاولت أن تجعلها تتخندق طائفياً بتخويفها من الاخر ويجب على الجميع أن يحافظوا على المكتسبات التي حصلوا عليها بعد الاحتلال وفي الحقيقة أنها المكتسبات التي حصلت عليها الاحزاب السياسية فقط ولولا هذه الذرائع لما استمرت هذه الطغمة الفاسدة طوال هذه المدة في الحكم لذا فقد أصبحت الصورة واضحة لدى الشعب الذي يستغرب سكوت المرجعية على هذا الفساد الكبير وهذا الظلم العظيم الذي تمارسه هذه الاحزاب بما فيها ميليشيات الحشد الشعبي الذي يقتلهم الان بسبب خروجهم للمناداة بحقوقهم حيث تم نشر القناصين على البنايات العالية وانتشر الملثمون وأصحاب الملابس السوداء في محاولة منهم للسيطرة على المتظاهرين الذين رفعوا شعاراتهم مدوية بخروج ايران من العراق مع أحزابها وميليشياتها المسلحة التابعة لها كما إن هذه المظاهرات أعادة الجميع الى المربع الاول وهو بأن الشعب العراقي غير قابل للتجزئة مهما حصل كما إن هذه الاحتجاجات تميزت في غالبها بأنها من طبقة الشباب الذي يعاني من التهميش والبطالة كما إن أعمارهم صغيرة ولا يمكن اتهامهم لا بالبعثيين ولا بالتكفيريين ولا بالإرهابيين ولن تنطبق عليهم المادة (4) ارهاب كما فعلوا في السابق.

لماذا لم تخرج المحافظات السنية في هذه المظاهرات:

من الواضح إن المحافظات السنية لم تخرج لمساندة المظاهرات التي انطلقت في بغداد وبقية المحافظات الوسطى والجنوبية والسبب معروف هو إن هذه المحافظات خرجت في السابق لمدة سنة ونيف بصورة سلمية ثم تم اتهامها بالإرهاب والبعثية وغيرها. وحفاظاً على سلمية المظاهرات الحالية من الاتهامات التي يمكن أن تلحق بها وتستخدم كذريعة لاستهدافها لم تزل المحافظات السنية تنتظر ساعة المشاركة. علماً إن المحافظات السنية لديها العديد من الاشكالات التي تدفعهم للخروج أكثر من غيرهم ومنها ملف المخطوفين والمغيبين قسراً والتي وصلت أعدادهم لأكثر من (12) ألف شخص وكذلك المناطق التي ترفض الميليشيات عودة النازحين اليها وما أكثراها بالإضافة الى تدمير البنى التحتية وعدم تعويض المتضررين من العمليات العسكرية والتي دمرت منازلهم بالإضافة الى سيطرت المليشيات المسلحة على مناطقهم والتي تسومهم شتى أنواع التضييق والابتزاز مع مطالبهم بانتهاء الاقصاء والتهميش السياسي وايجاد التوازن في دوائر الدولة وإخراج المعتقلين وإعادة محاكمة السجناء الذين انتزعت منهم الاعترافات بالقوة وهذه جميعها تدفعهم للخروج أكثر من غيرهم ولكنهم رأوا بأن لا مصلحة للعراق بخروجهم ولكن هذا الحراك قد يؤسس لمرحلة قادمة تكون أكثر شمولية وأكثر حسماً .

الاصلاحات التي أعلنت عنها الحكومة والبرلمان:

لقد سمعنا ورأينا كيف تم أجراء اجتماعات متعددة بين الرئاسات الثلاث وكيف تم عقد لقاء بين رئيس البرلمان مع مجموعة من قيادات المتظاهرين حسب ادعائهم وكذلك مع رئيس الوزراء وكيف تم اتخاذ اجراءات مثل أطلاق قروض بدون فائدة وبناء وحدات سكنية وتوفير فرصة للتطوع ضمن الاجهزة الامنية وغيرها. وكأن هؤلاء المسؤولين كانوا يعيشون في بلد وانتقلوا لبلد أخر ثم أعلن رئيس الوزراء عن اصلاحات وحزم وغيرها والسؤال هنا لماذا لم تفعلوها قبل ذلك؟ ولماذا تم إصدار الحزمة الاولى من الاصلاحات  كما سماها رئيس الوزراء الان فقط؟ وهل صدرت لاستباحة دماء المتظاهرين الذين سيصرون على البقاء في ساحة التظاهر  ويطالبون بأسقاط الحكومة والبرلمان؟ ولماذا بعد سنة يتوعد رئيس الوزراء بإحالة الفاسدين الى المحاكم ولم يحاكم أحد؟ وماذا قدمت الحكومة بعد سنة ونيف للشعب ؟كما أنني لم أفهم ما هي الصلاحيات التي يطلب رئيس الوزراء تخويلها بها من قبل البرلمان؟ أم أنها قذف الكرة بساحة البرلمان وتحميله المسؤولية؟ كما أنه – رئيس الوزراء – يقول هناك أوامر بعدم استخدام الرصاص الحي! أذن من قتل أكثر من (100) متظاهر ومن جرح أكثر من (6) آلاف؟ على من تضحكون لقد حفظنا إجراءاتكم من خلال احتواء القيادات واختراقها واعتقال قسم منهم ثم اصدار بعض الاصلاحيات لذر الرماد في العيون واستخدام القوة ونشر القناصين على سطوح البنايات العالية وأطلاق الرصاص الحي وتسويف المطالب وتشكيل لجان ثم ود المظاهرات الى فترة قادمة.

ماذا يجب على الحكومة معرفته:

يجب أن تعرف الحكومة ومعها البرلمان أن ما جرى هزة عنيفة للنظام السياسي الحكومي وللمشروع الامريكي – الايراني في العراق بأحزابه السياسية وميليشياته المسلحة وقد لا يترتب عليها تغيير حقيقي وهذا ما أرجحه في هذه الفترة لذا ستلجأ الحكومة الى احتواء الموقف وقد صدرت على لسان رئيس الوزراء تبريرات تافهة لما يجري في العراق قائلا: أنه ورث تركة ثقيلة واتهم المتظاهرين باستخدام العنف وأنه يخشى من تدمير الدولة وفقدان الامن وهنا نسأل اذا كانت التركة ثقيلة لماذا قبلت بمنصب رئيس الحكومة؟ واذا كان هناك فساد لماذا لم تعالجه؟ وتتخذ ما يلزم لذلك أم أنك ضمن منظومة الفساد أما الدولة فهي مدمرة أصلا وتابعة لإيران بسبب أدائكم السياسي منذ 2003م والامن بيد الميليشيات التي ترفض تنفيذ الأوامر التي تصدرها لذا فأنت أمام فرصة قد لا تتوفر مرة أخرى لتصحيح الوضع القائم في العراق وهناك فترة زمنية محددة يجب على الحكومة أن تعمل فيها على أجراء تغيرات جوهرية في عمل الحكومة على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وإن تكون هناك معالجات جذرية لما يعاني منها الشعب من تردي الخدمات بكافة تفاصيل الحياة اليومية ويجب أن تكون هناك خطة واضحة بتوقيتات زمنية للإنجاز وإن يقدم الذين استخدموا الرصاص الحي للمحاكمة والذين يطلق عليهم الملثمين والمعروفين من قبل الاجهزة الامنية في وزارة الدفاع والداخلية والمخابرات وكما يقول رئيس الوزراء بأن هناك أوامر بعدم استخدام الرصاص الحي أذن من يقتل بالعراقيين الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة؟ والتي يصفها البرلمان والحكومة بالمشروعة والعادلة وهنا لا بد من الاشارة الى النفوذ الايراني وكيف ستتعامل معه الحكومة ؟ أم إن رئيس الوزراء لم يسمع صرخات المتظاهرين؟ وسنرى هل ستستوعب الحكومة الدرس أم  أنها ستدفع المتظاهرين لحراك أكبر لن تستطيع احتوائه بسبب فشلها على كافة الاصعدة.

فشل الحكومة في تلبية المطاليب ستؤسس لثورة قادمة :

إن الاصل في الوعود التي أعطتها الحكومة والبرلمان هو في تطبيق ما وعدوا به للشعب وليس بإعطاء الوعود الكاذبة لذا فيجب على الحكومة أن تعلم أنها في حال أخفق البرلمان في مراقبة ادائها الحكومي وهذا ما ارجحه لأنهم جزء من منظومة الفساد أصلاً بالإضافة الى فشلها كحكومة في تلبية مطاليب المتظاهرين فهذا يعني استمرار الاوضاع على ما هي عليها الان من تردي وفشلت الخدمات وعدم إيجاد فرص عمل للشباب العاطل مع عدم إيجاد حلول جذرية للفساد المالي والاداري يزيد من فقدان الثقة بين الحكومة المتظاهرين خاصة وأنها مسؤولة عن تقديم الفاسدين والمجرمين للمحاكمة ومنهم القناصين المثلمين الذين قتلوا المتظاهرين بدم بارد حتى وصلت الاعداد الحقيقية للشهداء والجرحى لأرقام مخيفة لذا فهذا قد يدفع الى مظاهرات قادمة مصحوبة بمواجهات مسلحة واسعة لأنه من غير المعقول أن تخرج المظاهرات بصورة سلمية والحكومة تواجهها بالرصاص الحي لذا سيتم حساب هذا الاحتمال قبل البدء في أي حراك قادم وهذه الخطوة ستؤسس لتنسيق تام وواسع تشترك فيه جميع المحافظات العراقية لتشمل رقعة جغرافية أوسع لن تستطيع الحكومة على احتوائها أو إجهاضها لذا يجب أن تعرف الحكومة بأن الوقت ليس مفتوحاً للإصلاح في العراق وإن صوت الشعب أعلى من أصوات بنادقكم التي تقتل الابرياء.

من المستفيد من الوضع القائم في العراق:

تعتبر الطبقة السياسية القائمة في العراق هي المستفيد الوحيد من بقاء الوضع القائم على ما هو عليه الان بسبب المصالح الشخصية والحزبية الضيقة ومنظومات الفساد التي يديرونها طوال الفترة الماضية كما إن ايران لن تسمح بتغير الوضع الحالي الذي أنشأته بعد عام 2003 م حتى لو تدخل الحرس الثوري الايراني ببدلته الرسمية علماً أنه موجود على أرض الواقع من خلال الجمعيات الخيرية والسياحية والشركات والمدارس الدينية بالإضافة الى الاستشارات العسكرية كما إن الميليشيات المسلحة الولائية التابعة لإيران في العراق لن تسمح بتغير الوضع القائم الذي تراه مثالياً لها بعد عام 2014م حيث أصبح لها غطاء قانوني وشرعي ولها قانون يشرعن وجودها كجزء من القوات المسلحة كما أنها سيطرت على المناطق السنية بشكل كامل ووصلت لسدة الحكم فرئيس الوزراء هو مرشح هذه الميليشيات لذا فجميع هؤلاء مستفيدين من الوضع الحالي في العراق على حساب الشعب العراقي المكلوم ولا يريدون تغيره مهما كان الثمن وهذا ما يجب علينا معرفته والعمل على أساسه.

وأخيرا نقول:

لقد فشلت جميع الحكومات في معالجة المشاكل التراكمية المدورة منذ عام 2003م والى يومنا هذا وعجزت عن تقديم شيء يذكر على جميع المستويات كالخدمات أو البنى التحتية أو أعادة الاعمار ومعالجة الفساد المالي والاداري والبطالة بسبب المشاكل البنيوية التي رافقت بناء الدولة ومنها مشكلة الدستور وشكل الحكم وهيكلية النظام السياسي القائم الذي رافقه فقدان للأمن وتدخل في الشؤون الداخلية للعراق الذي سيطرت عليه الميليشيات المسلحة وتحول البلد الى دولة فاشلة في كافة النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية بسبب منظومة الفساد السياسي لذا خرجت جموع من الشباب الغاضب التي تعاني البطالة والتهميش والحرمان للمطالبة بحقوقها المسلوبة كما خرجت بالأمس المناطق السنية لذا فهذه المظاهرات قد تكون هذه الفرصة الاخيرة لإصلاح الوضع القائم في العراق وسنراقب الاداء في الفترة القادمة ويجب أن يعلم الجميع الذين شاركوا في الحكومات السابقة والحالية أن عليهم أن يرحلوا ويتركوا البلد لأهله.

                                                                      بقلم

                                                                           حاتم كريم الفلاحي

باحث بمركز الرافدين للدراسات السياسية والاستراتيجية (راسام)