المقدمة:

إن تصاعد الصراع في المنطقة بين الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل وحلفائها من جهة وبين ايران وأدواتها من جهة أخرى له اسباب متعددة منها الصراع على النفوذ والمصالح والملف النووي الايراني وتمددها في المنطقة. لذا لجأت الولايات المتحدة الامريكية للحرب الاقتصادية وذلك من خلال تشديد العقوبات المفروضة على ايران ومنها وقف شراء النفط الايراني. لذا فمن الطبيعي أن تكون لهذه العقوبات ردة فعل ايرانية في المنطقة. وهذا ما جرى من استهداف ناقلات النفط واسقاط الطائرة المسيرة الامريكية وأخراها استهداف شركة ارامكو بطائرات مسيرة وصواريخ كروز.  لأنهم صرحوا على لسان روحاني في نهاية عام 2018 اذا لم تصدر ايران نفطها فلن تسمح لأحد بتصدير نفطه عن طريق مضيق هرمز. وهذا ما يحصل في المنطقة حيث أخذ الصراع مراحل متعددة منها حرب الناقلات أولا ثم احتجاز الناقلات والان ضربات شركة أرامكو التي تعتبر من أهم مصادر الطاقة في المملكة العربية السعودية التي كانت تعتبر خط احمر بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية على لسان وزير خارجيتها بومبيو الذي قال: لن نسمح بتهديد طرق الملاحة الدولية وامدادات الطاقة. وتبين بأنها أقوال فقط.

المواقف من هجوم ارامكو :

الحوثي يتبنى الهجوم على ارامكو:

بتاريخ 14أيلول/سبتمبر2019م أعلنت جماعة “أنصار الله” الحوثية في اليمن أنها استهدفت مصنعين كبيرين لشركة أرامكو السعودية بعشر طائرات مسيرة وقال العميد يحيى سريع، الناطق العسكري باسم الحوثيين، في بيان صحفي إن سلاح الجو المسير نفذ عملية هجومية واسعة بعشرِ طائرات مسيرة استهدفت مصفاي النفط في بقيق وخريٍص التابعتين لشركة أرامكو بالمنطقة الشرقية. وأضاف سريع: أن الاصابة “كانت دقيقة ومباشرة وقد سميت هذه العملية بعملية توازن الردع الثانية” وقد أعلن مصدر أمني سعودي عن نشوب حريقين في الشركة نتيجة الهجوم بطائرات “درون” ولم يتطرق لاستخدام الصواريخ المجنحة الذكية في تنفيذ هذه الضربة.

موقف الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الاوروبية من هجمات ارامكو:

لقد حملت الولايات المتحدة الامريكية ايران مسؤولية الهجوم على شركة ارامكو على لسان وزير خارجيتها  مايك بومبيو. وقد أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن البيت الأبيض يدرس خيارات عسكرية للرد. كما نقلت شبكة “إيه بي سي نيوز” الأمريكية عن مسؤول بارز بالإدارة الأمريكية لم تكشف عن هويته أن إيران أطلقت نحو (12)صاروخ كروز و(20) طائرة مسيرة من أراضيها في الهجوم على المنشأتين التابعتين لشركة “أرامكو” النفطية السعودية، شرقي المملكة حيث تعرض مجمع بقيق وخريص النفطيين شرقي السعودية لضربات أدت  إلى خفض إنتاج المملكة من النفط الخام بمقدار( 5.7)مليون برميل في اليوم، وهو ما يعادل نصف إنتاج الدولة من النفط تقريبا. ويعد هذان المجمعان القلب النابض لصناعة النفط في المملكة؛ إذ يصل إليهما معظم الخام المستخرج للمعالجة، قبل تحويله للتصدير أو التكرير وقد ذكرت شبكة (سي إن إن) الأمريكية أن محققين أمريكيين وسعوديين خلصوا إلى أن الهجوم على منشأتي شركة أرامكو تم على الأرجح من قاعدة إيرانية قرب حدود العراق. ونقلت الشبكة عن مصدر مطلع على التحقيقات، لم تكشف عن هويته، أن الهجوم تم بصواريخ كروز حلقت على ارتفاع منخفض، إلى جانب طائرات مسيّرة كما أشاروا إلى أن “الصواريخ حلقت فوق جنوب العراق ومرت بالمجال الجوي للكويت قبل وصولها لأهدافها. وقد دعمت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا موقف الولايات المتحدة بأن إيران هي المسؤولة عن هذه الهجمات على المنشأتين التابعتين لشركة النفط العملاقة أرامكو المملوكة للدولة.

 

الموقف الايراني من هجوم ارامكو:

لقد نفت طهران تورطها في تلك الهجمات ووصف الرئيس الإيراني حسن روحاني الهجوم بأنه رد فعل “من الشعب اليمني. كما اعتبرت الخارجية الإيرانية أن اتهامات واشنطن لإيران بالوقوف وراء الهجمات على منشآت شركة أرامكو السعودية “واهية ولا أساس لها”، وأنها تشبه مخططا استخباراتيا لتشويه سمعة إيران كأرضية لإجراءات أخرى ضدها وأن إلقاء اللوم على إيران لن ينهي الكارثة كما أن واشنطن التجأت إلى “سياسة أقصى الخداع” بعد فشل سياسة “أقصى العقوبات”، بحسب تعبيره .

 

تخلي الادارة الامريكية الحالية عن مبدأ كارتر:

يبدو إن أدارة الرئيس الامريكي ترامب قد تخلت عن التزامات الولايات المتحدة الامريكية القديمة ومنها  “مبدأ كارتر “والذي أعلن عنه في يناير/كانون الثاني1980م باعتبار منطقة الخليج العربي يمثل مصلحة للأمن القومي الامريكي وجزء حيوي من المصالح الامريكية في المنطقة بسبب أمدادات الطاقة للعالم الخارجي و الاعتداء عليها يجيز للرئيس الامريكي استخدام القوة العسكرية  والتدخل في هذه المنطقة الحيوية. ولكن الادارة الامريكية الحالية تخلت عن هذا المبدأ الذي سبقته خطوات مهمة منها تقليل وتخفيض اعتمادها على النفط الخليجي الى درجة أنه لم يعد يؤثر عليها كونها أصبحت الدولة الاولى في انتاج الغاز الطبيعي والنفط الحجري أو الصخري. وقد غرد الرئيس ترامب قائلا: “أن الولايات المتحدة لا تحصل على نفطها من منطقة الخليج، وأنه على أولئك الذين يحصلون على نفطهم من الدول الخليجية أن يتحملوا المسؤولية الرئيسية في حماية وإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً”. كما صرحت الادارة الامريكية أنها لن تخوض الحروب بدل الاخرين ويجب على الدول المستفيدة من أمدادات الطاقة حماية سفنها في سابقة خطيرة لجعل المنطقة تعج بحاملات الطائرات والسفن والبوارج الحربية مما يعقد الاوضاع بشكل كبير.

إن الردود الامريكية من هجوم ارامكوا  كانت متذبذبة بشكل كبير فهي تراقب وتتوعد وتصرح وتتراجع. وهذا كله على توتير فقط ثم تصرح إن على المملكة العربية السعودية يجب عليها أن تدفع لتأمين الحماية لها أذا أرادت ذلك. وقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يوم26سبتمبر/أيلول 2019 أنها سترسل أربعة أنظمة رادار وبطارية لأنظمة باتريوت للدفاع الجوي و(200)جندي إلى السعودية وقالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إنه سيتم وضع المزيد من الأسلحة في حالة تأهب استعداداً لاحتمال إرسالها وكانت وكالة رويترز للأنباء قد قالت سابقا إن البنتاغون يعتزم إبقاء حاملة طائرات في الخليج لأجل غير مسمى وأوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يعتقد أن ضبط النفس العسكري حتى الآن يظهر “القوة” كما فرضت المزيد من العقوبات الاقتصادية على طهران ولم يتبين سبب فشل منظومات الدفاع الجوي السعودية (الامريكية) من كشف الطائرات المسيرة والصواريخ .

كما رد قائد القوة الجو فضائية في الحرس الثوري الايراني أمير علي حاجي زاده على تصعيد واشنطن لهجتها، إن القواعد وحاملات الطائرات الأميركية تقع في مرمى الصواريخ الإيرانية وأضاف أن “على الجميع أن يعلم أن كل القواعد الأميركية وحاملات طائراتهم على بعد يصل إلى ألفي كيلومتر من إيران، تقع في مرمى صواريخنا”ونسبت وكالة تسنيم شبه الرسمية إلى حاجي زاده قوله “لطالما كانت إيران مستعدة لحرب شاملة”، لكنه لم يتطرق إلى أي هجمات على أرامكو.

العلاقات العربية والموقف من هجوم أرامكو:

لقد كانت هناك أدانة دولية واسعة لهذا الهجوم شملت الدول العربية والاوروبية ولكن مع هذا فقد أظهر هذا الهجوم الضعف والوهن العربي والخليجي بشكل خاص فمجلس التعاون الخليجي يعاني من أشكال داخلي كبير بين قطر من جهة والمملكة العربية السعودية والبحرين والامارات من جهة أخرى وهناك تخلي من قبل الامارات العربية عن التحالف العربي الذي تقوده السعودية والذي شكل لدعم الحكومة الشرعية في اليمن ضد ميليشيات الحوثي كما أنه أظهر بأن هناك انكشاف كبير لدول الخليج العربي أمام الادوات الايرانية التي تتواجد في البحرين والكويت والسعودية بالإضافة الى اليمن كما تبين تخلي الولايات المتحدة الامريكية عن حلفائها في المنطقة وعن حماية الممرات الدولية وإمدادات الطاقة. حيث سقطت جميع هذه الشعارات أمام التمدد الايراني لذلك  تعتبر جميع المواقع المهمة والحيوية الخليجية هي اهداف محتملة في أي مواجهة مقبلة في المنطقة وخاصة شركات النفط والغاز والمصافي ومحطات توليد الطاقة الكهربائية ومحطات تحلية المياه والمطارات. وهذا خلل استراتيجي كبير جداً بسبب عدم قدرة دول المنطقة على حماية أهدافها الحيوية. لذا فهناك إشكال كبير في علاقات المملكة العربية السعودية مع دول المنطقة بما فيها تركيا وحتى مصر التي يبدو أنها تخلت أيضاً عن مقولة مسافة السكة وأنها تعتبر أمن الخليج العربي من الامن القومي المصري. ولكن هذه التصريحات لم تتعد الاقوال كما إن هناك إشكال في العلاقات مع باكستان الحليف الاقوى للسعودية فيما مضى حيث تشهد العلاقات فتورا كبيرا بسبب العلاقات السعودية الإمارتية مع الهند على حساب باكستان وهذا يضاف الى ضعف الجبهة الداخلية للمملكة التي يجب عليها أن تعيد حساباتها في العلاقات العربية وأن تحاول تقوية الجبهة الداخلية لمواجهة الاعتداءات الخارجية ويجب التركيز على إعادة بناء التحالفات لردع الخصوم .

التحليل والاستنتاج:

إن الادارة الامريكية الحالية ترى أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الامريكية في الفترة السابقة هي حروب عبثية لم تجن منها الولايات المتحدة مصالح حقيقية وهي لا تريد أن تخوض الحروب بدل الاخرين ودعت الدول الاخرى لحماية امداداتها النفطية مثل الصين واليابان وغيرها كونها هي المستفيد من ذلك. وبنفس الوقت دعت دول الخليج العربي لحماية أمنها وأنها ستقدم لها المساعدة اللازمة لذلك مثل بيع الاسلحة كما أنها يمكن أن تقوم بتأمين الحماية اللازمة لها ولكن عليها أن تدفع ثمن الحماية للولايات المتحدة الامريكية.

يتمثل الدعم الامريكي المقدم للمملكة العربية السعودية بالإدارة الامريكية والبيت الابيض على وجه الخصوص مع وجود معارضة بمجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون والذي صادق على ثلاث قرارات تمنع بيع الاسلحة للمملكة العربية السعودية في اتفاق نادر بين الحزبيين على ذلك وكان ترامب قد تجاوز الكونغرس في محاولة لتمرير صفقة مبيعات تقدر قيمتها بنحو(8)مليارات دولار، متذرعاً بالتهديدات التي تواجهها السعودية من منافستها الإقليمية إيران وهذا يعكس النظرة السلبية للمؤسسات الامريكية للمملكة.

هناك خلاف واضح بين الكونغرس والادارة الامريكية حول ارسال تعزيزات عسكرية الى منطقة الخليج العربي. وهناك معارضة واختلاف في الرؤى بين البنتاغون والكونغرس من جهة وبين البيت الابيض من جهة أخرى حول التصعيد العسكري ضد ايران. علماً إن البيت الابيض جعل خياراته بعد قصف شركة أرامكو تصب في تشديد العقوبات الاقتصادية وبيع وارسال معدات وأسلحة عسكرية للمملكة العربية السعودية لتأمين الحماية اللازمة لها وربط الخيارات الاخرى بنتيجة التحقيقات السعودية حول المكان الذي انطلقت منه الصواريخ والطائرات المسيرة لتنفيذ الهجوم والجهة التي تقف وراء الهجوم.

متى تلجأ الولايات المتحدة الامريكية الى الخيار العسكري:

إذا لم يكن هناك تهديد حقيقي للمصالح الامريكية في المنطقة من قبل ايران وادواتها فلن يكون هناك أي تصعيد حقيقي. لذا سيتوقف استخدام القوة العسكرية من قبل الولايات المتحدة الامريكية على طبيعة الضربة التي يمكن أن توجه للمصالح أو القوات الامريكية في المنطقة والتي تعتبر تهديدا للأمن القومي الامريكي. وهنا يحق للرئيس الامريكي أن يلجأ للخيار العسكري دون العودة الى الكونغرس على أن يعود خلال شهرين لاستحصال الموافقة وهنا السؤال هو هل تعرض الامن القومي الامريكي للخطر في مياه الخليج العربي أو المنطقة للتهديد المباشر؟

نقول نعم عندما أسقطت الطائرة المسيرة الامريكية حيث كان بإمكان الرئيس الامريكي أن يلجأ الى الخيار العسكري دون الرجوع الى الكونغرس ولكنه تراجع عن استخدام القوة في اللحظات الاخيرة كما قال عندما تقدم المختصين من العسكريين بأن الهجوم سيؤدي لمقتل الى (130)شخص كما إن سقوط الطائرة لم يؤدي الى موت أحد من الامريكان لذا قرر استبعاد الضربة وتشديد الحصار الاقتصادي على ايران.

قرار الحرب في الولايات المتحدة:

إن قرار الذهاب الى المواجهة الشاملة المباشرة بين الولايات المتحدة الامريكية وايران لن يجرؤ الطرفين على أتخاذه بسبب التداعيات المحتملة لهذا التصعيد الخطير والذي قد يجر المنطقة الى حرب شاملة تهدد بتغير خريطة المنطقة اذا لم يتم احتواء هذا التصعيد. كما إن قرار التصعيد العسكري واحتمالية الحرب تخضع الى مفاعيل مهمة في الداخل الامريكي في الوقت الحاضر منها الرأي العام والكونغرس الامريكي والبنتاغون ومجلس الشيوخ حيث تختلف هذه المؤسسات في رؤيتها للتصعيد العسكري المحتمل فليس هناك رأي شعبي عام داعم لهذه الحرب. كما إن الرئيس الامريكي ترامب مقبل على انتخابات في العام المقبل ودخوله في حرب مع ايران قد يجعل خيارات فوزه غير ممكنة وهو الذي قدم الكثير على الصعيد الداخلي والاقتصادي ويريد أن يوظف ذاك في الانتخابات القادمة كما أنه في حملته الانتخابية السابقة دعا الى إنهاء الحروب في افغانستان والعراق وأطلق عليها تسمية الحروب العبثية ودعا الى عودة الجنود الامريكان الى بلادهم. وهناك مفاوضات مع حركة طالبان لوقف العمليات وسحب الجنود الامريكان وقد دعا في فترة سابقة الى سحب قواته من سوريا كما إن هناك معارضة حقيقية من البنتاغون والكونغرس الامريكي حول اللجوء الى الخيار العسكري وهناك تسريبات عن رسالة قدمت الى الكونغرس من قبل قادة عسكريين يوصون بجعل قرار الحرب مرتبط بموافقة مجلس النواب الأميركي الذي صوّت على بند بمشروع قانون ميزانية وزارة الدفاع (البنتاغون) يشترط فيه على الرئيس الأميركي الحصول على موافقة الكونغرس قبل القيام بعمل عسكري ضد إيران وجاء التصويت بغالبية (251) صوتا مقابل(170)صوتا، حيث انضم عدد من الجمهوريين للديمقراطيين في تأييد هذا البند لذا فقرار الحرب من الصعب اتخاذه على ضوء هذه المعطيات. كما إن هناك حراك داخلي لعزل الرئيس الامريكي ترامب تقوده رئيسة مجلس النواب الامريكي نانسي بيلوسي، حملة يمكن أن توصف بالتاريخية في حال نجحت بعزل الرئيس دونالد ترامب من منصبه في أعقاب تقارير تفيد بأنه شجع زعيم دولة أجنبية على إجراء تحقيق قد يضر بأحد خصومه السياسيين وهذا يعكس الانقسام الداخلي الذي لا يشجع الرئيس على اتخاذ قرار الحرب مع ايران. كما أنه استبعد مستشار الامن القومي الامريكي جون بولتن من مستشارية الامن القومي وفريقه الرئاسي لذا فإدارة ترامب  تركز على تشديد العقوبات الاقتصادية لعلها تدفع ايران الى طاولة المفاوضات وتغير سلوكها في المنطقة.

ايران وموازين القوى العسكرية :

إن ايران تعرف جيداً بأن هناك خلل كبير في موازين القوى من ناحية القدرات العسكرية والتكنولوجية للحرب الحديثة المتطورة في أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة الامريكية التي لا زالت تعاني من حروب افغانستان والعراق. بالإضافة الى إنها تركز على فرضيات الحرب اللا متكافئة ولديها أدوات عسكرية وميليشيات مسلحة وظفتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن لتستخدمها في أي مواجهة مقبلة كما إن الحرس الثوري الايراني يصرح بان حاملة الطائرات الامريكية والمصالح الامريكية بالمنطقة تحت مرمى الصواريخ الايرانية. لذا فالطرفين يعرفون أن اللجوء للمواجهة العسكرية المباشرة لا يصب في مصلحتهم لذا فهم يدفعون الى الحرب بالوكالة وهي قائمة الان في المنطقة بين أمريكا واسرائيل وحلفائهم من جهة -مع التحفظ على كلمة حلفائها – وبين ايران وادواتها الطائفية بالمنطقة من جهة أخرى. وهناك صواريخ وطائرات مسيرة مجهولة يتبادلها الطرفين على أهداف متعددة كمواقع للحشد الشعبي في العراق ومواقع لحزب الله في سوريا وصواريخ وقنابر هاون بالقرب من السفارة الامريكية وقصف يطال أهداف اقتصادية ومطارات سعودية في العمق السعودي ومنها شركة ارامكوا. وهناك تهديدات بإخراج القوات العسكرية الامريكية من العراق على يد ادوات ايران السياسية والتي وصلت الى سدة الحكم في العراق لذا سيستمر الوضع على ما هو عليه حتى يتم الاتفاق أو نصل الى نقطة اللاعودة بين الطرفين.

 

التحليل العسكري لهجوم أرامكو:

هناك تناقضات واضحة في تصريحات الحوثي من ناحية القوة والاسلحة المستخدمة في تنفيذ الهجوم.  حيث أعلن العميد يحيى سريع، الناطق العسكري باسم الحوثيين، في بيان صحفي إن سلاح الجو المسير نفذ عملية هجومية واسعة بعشرِ طائرات مسيرة استهدفت مصافي النفط في بقيق وخريٍص التابعتين لشركة أرامكو في المنطقة الشرقية ولم يتم التطرق لصواريخ الكروز التي استخدمت في تنفيذ الهجوم. ثم جاء تقرير لشبكة “إيه بي سي نيوز” الأمريكية عن مسؤول بارز بالإدارة الأمريكية لم تكشف عن هويته، أن إيران أطلقت واستخدمت نحو (12)صاروخ كروز و(20)طائرة مسيرة من أراضيها في الهجوم على المنشأتين التابعتين لشركة “أرامكو” النفطية السعودية كما إن المعلومات الاستخباراتية تبين هذه الضربات لا تتسق مع القدرات العسكرية التي تمتلكها ميليشيات الحوثي.

إن تبني الحوثي لهجمات أرامكو من ناحية المكان الذي انطلقت منه الطائرات المسيرة وصواريخ الكروز هو للتغطية على المكان والجهة الرئيسية التي تقف وراء هذا الهجوم وهي أيران على اعتبار إن الحوثي في حالة حرب وهذا جزء من حق الدفاع عن النفس. ولكن ما أشار أليه تقرير شبكة “إيه بي سي نيوز” الأمريكية كشف زيف هذا الادعاء الكاذب كما  إن السيد علي جعفر زاده مدير مكتب ممثلية ما يسمى بـ “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” في الولايات المتحدة الامريكية صرح قائلا: بأن هجوم “أرامكو”، نفذ من جنوب غرب إيران – من محافظة خوزستان وبالذات من قاعدة “اوميدية” العسكرية التي عادة ما تستخدمها الوحدات العسكرية العادية في الجيش الإيراني، وليس الحرس الثوري. وأضاف بان قرار الهجوم أتخذ بشكل شخصي من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي وشاركت القيادة العليا في إيران بما في ذلك قيادة الحرس الثوري في تخطيط وتنفيذ العملية”. وأضاف جعفر زاده أنه تم خلال هجوم “أرامكو” استخدام صواريخ مجنحة محلية عالية الدقة من طراز “يا علي”.

إن الاسلحة التي استخدمت في ضرب المصافي النفطية بالسعودية في بقيق وخريص كانت أسلحة إيرانية الصنع وإن تم أطلاقها من قبل الحوثي الذي يعتبر جزء أساسي من محور المقاومة بقيادة ايرانية والذي بات على درجة عالية من التنسيق والتكامل وهذا غير مخفي كما إن الطائرات المسيرة التي يمتلكها الحوثي تعتبر قصيرة المدى ومن المستبعد أن تصل إلى بقيق وخريص في حال تم إطلاقها من اليمن. حيث تقدر المسافة في أحسن حالتها بـ(1300)كم تقريبا من مدينة صنعاء وهذ المسافة بعيدة وتحتاج الطائرات الى التزود بالوقود الأمر الذي يجعل ادعاءات الحوثيين عن وقوفهم خلف الهجمات لا يعدو عن كونه مجرد عملية خداعٍ وتغطية واضحة لإيران.

فشل منظومات الدفاع الجوي السعودية والامريكية من رصد اختراق الطائرات المسيرة والصواريخ (كروز) للأجواء السعودية حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية إن نظام الدفاع الجوي السعودي الذي يشمل (88)منظومة باتريوت فشلت في رصد واختراق عشرات الطائرات بدون طيار و​الصواريخ  المجنحة وإن منظومتي الدفاع الصاروخي “باتريوت” و”أيجيس” التي لا تتطابقان مع المواصفات الفنية المعلنة، وغير جاهزتين لصد هجوم جوي شامل وهذا يعود لأسباب متعددة منها:

  1. إن منظومات الدفاع الجوي السعودية قديمة وغير مجهزة بأجهزة دقيقة ورادارات لمراقبة الاجواء السعودية. مما سهل على المهاجم اختراق الاجواء السعودية رغم الميزانية الكبيرة التي رصدت لشراء معدات حربية متطورة ومع هذا فشلت جميعها في تأمين المجال الجوي السعودي.
  2. ضعف الكفاءة الفنية للطواقم العاملة على هذه المنظومات وعدم قدرتها على تشغيل هذه المنظومات مما سبب فشل كبير في رصد ومراقبة الاجواء السعودية التي تعرضت للخرق مرات عديدة خلال المواجهة مع ميليشيات الحوثي.
  3. التركيز على جبهة اليمن بشكل كبير مع إهمال الجبهات الاخرى مع العراق حيث تبعد المسافة أقل من (600)كم ولديها حدود معه تصل الى(814)كم وكذلك جبهة الكويت والخليج العربي وصولاً الى الاراضي الايرانية تصل الى مسافة(300)متر لذا فكل الجبهات محتملة وإهمالها خطأ استراتيجي كبير وقد تكون هذه الهجمات ضمن سياق الحرب بالوكالة الذي تديرها ايران عن طريق أدواتها بالمنطقة.
  4. قدرة الطائرات المسيرة والصواريخ الذكية الايرانية على التحليق على ارتفاعات منخفضة خارج أمكانيات الرصد والمراقبة للرادارات السعودية مع عدم وجود مراصد جوية مع أمكانية أن تكون هناك احتمالية أن تكون هذه الضربات شنت من الداخل السعودي أو البحرين أو العراق.

الاستنتاجات:

تأتي هجمات أرامكو ضمن السياق التصعيدي الذي تتخذه ميليشيات الحوثي في حربها مع التحالف العربي. وقد اعتمدت الضربات لمصافي النفط في أرامكو على معلومات استخباراتية دقيقة وقد أشاد الناطق الرسمي باسم الحوثي يحيى سريع بما أسماهم الشرفاء والاحرار. وهذا فيه دلالة واضحة على خلايا نائمة تعمل على جمع المعلومات عن الاهداف الحيوية مما يضعف الجبهة الداخلية. علماً إن هذه الضربات قد غيرت قواعد الاشتباك في حرب اليمن وحملت في طياتها رسائل ايرانية متعددة منها لن يصدر النفط أحد ما لم تصدر ايران نفطها وأنها قادرة على ضرب أي هدف في أي مكان في العمق السعودي وهي رسالة ردع قوية لأمريكا بأن ايران قادرة على ضرب أهداف حيوية في المنطقة.

يجب أن تعرف ايران إن هناك عواقب لجميع التصرفات الايرانية في المنطقة من (حرب الناقلات- اسقاط الطائرة المسيرة الامريكية-ضرب شركة أرامكو –دعم الميليشيات المسلحة في بلدان العراق ،لبنان، سوريا، اليمن، البحرين، السعودية، الكويت)ولا يمكنها الافلات من العقاب وألا ستتحول ايران لدولة أكثر عدوانية لا تلتزم بقانون ولا حدود طالما لا يوجد لها رادع لذا فأن اقتصار الرد الامريكي على تشديد العقوبات الاقتصادية واطلاق تحذيرات وتهديدات خاوية على توتير هو سوء تقدير في التعامل مع ايران وسيشجع الايرانيين على العربدة في المنطقة أكثر.

إن أي مواجهة مع ايران يجب أن تبدأ بتدمير الادوات الايرانية في المنطقة وقص أجنحتها من ميليشيات مسلحة تابعة لها والتي تسمى بالميليشيات الولائية. وهذا يأتي من خلال إيجاد توازن داخلي بين المكونات في هذه الدول مع دعم المعارضة الايرانية الداخلية والخارجية لتكون ورقة ضغط قوية قد تجبر النظام الايراني على وقف تهديداته لدول المنطقة والانصياع للإرادة الدولية والموافقة على كتابة أتفاق نووي جديد وإيقاف دعمها للميليشيات المسلحة في دول المنطقة وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية وتحديد برنامج الصواريخ الايرانية.

لقد نفت ايران مسؤوليتها عن كثير من الحوادث التي حصلت في المنطقة في الفترة السابقة بداً بالألغامٌ البحرية المتفجرة التي تسببت في إحداث أضرارٍ هيكلية لأربع ناقلاتٍ نفطية بالإضافة الى تفجير عددٍ من الناقلات النفطية في خليج عمان كما قامت الميليشيات الشيعية في العراق (الحشد الشعبي الولائي) بإطلاق صواريخ على بعد (300) متر من السفارة الأميركية في بغداد وكذلك على عدد من القواعد الأميركية شمال بغداد (الطارمية وقاعدة بلد). وأخيراً قام الجيش الإيراني بإسقاط طائرة أميركية مسيرة وهي الحادثة الوحيدة التي نسبت إيران مسؤولية تنفيذها إليها ثم جاءت هجمات أرامكو بصورة مباشرة من الأراضي الايرانية في محاولة للهروب بمشاكلها نحو الخارج. وجميع هذه الهجمات الايرانية هي ردة فعل على الضغوطات الاقتصادية القصوى التي تمارسها الولايات المتحدة الامريكية على ايران التي قررت الرد بالمثل على المصالح الامريكية ومصالح الحلفاء في المنطقة لتؤكد عجز الجميع عن الرد على ايران بصورة مباشرة وغير مباشرة.

تفتقر الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها في المنطقة الى استراتيجية واضحة للتعامل مع ايران كدولة مارقة وراعية للإرهاب. وهذا لا يردع ايران بل يشجعها لتكون أكثر عدوانية طالما إن الولايات المتحدة اسقطت خيار استخدام  القوة من حساباتها الردعية ووضعت خياراتها في سلاح الحرب الاقتصادية، وأنها تريد تغير سلوك النظام فقط. وهذا يجعل ايران في تزايد مستمر لعدوانيتها بالمنطقة وكان يجب أن تكون جميع الخيارات مطروحة للتعامل مع ايران العسكرية والاقتصادية والسياسية والاستخبارية والسبرانية للضغط عليها وعزلها بشكل كامل مما يدفعها للانكفاء الى الداخل. وهذا ما فشلت به الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة ورأينا كيف خفضت الامارات قواتها في اليمن وقالت أنه جزء من إعادة الانتشار الاستراتيجي  وكيف وقعت مع ايران مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مجال أمن الحدود البحرية. وهذا بسبب العجز عن مواجهة ايران من قبل الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في المنطقة.

تشكل الهجمات التي ضربت شركة أرامكو أهم المنشآت النفطية في (بقيق وخريص) السعودية تهديداً لطرق الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة في العالم وبنفس الوقت هي هجمات جس واختبار لإدارة البيت الابيض خاصة بعد إن تراجعت عن الرد على اسقاط الطائرة المسيرة الامريكية في مضيق هرمز وهذا ما يزيد من الجرأة الايرانية لتتصرف بوقاحة صارخة طالما لا يوجد رادع لها .

عادة ما تلجأ ايران الى حرب الوكالة من خلال أدواتها في المنطقة ولكن هجوم شركة أرامكو الذي كان بأسلحة ايرانية الصنع هو هجوم مباشر من قواعد وأراضي ايرانية. وهذا ما أثبته التقارير الامريكية غير أبهين بتداعيات هذه الهجمات بما فيها التهديدات الامريكية. حيث قال جون بولتون مستشار الامن القومي الامريكي قبل أقالته “أن الولايات المتحدة ستقوم بإرسال حاملة طائرات هجومية بحرية إلى الخليج لوجود معلومات تفيد بأن الإيرانيين يخططون لشن هجمات على القوات الأميركية المتواجدة في المنطقة” وقال بولتون إن واشنطن ستقوم بالرد “بقوة لا هوادة فيها” ضد أية هجمات على القوات الأميركية أو المصالح أو الأصدقاء في الشرق الأوسط” وهذا ما لم تفعله الولايات المتحدة!.

لقد أكد العاهل السعودي، الملك سلمان أن الهجوم على أرامكو عمل إجرامي يمثل تصعيدا خطيرا وتهديدا لأمن المنطقة، وقال: إن السعودية ستتعامل مع تداعيات الهجمات على أرامكو وستتخذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على أمنها بعد استكمال التحقيقات. وهذا يعكس الاستراتيجية التي ستعمل عليها المملكة للرد على هذا الهجوم الخطير وهو اتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على أمنها بجلب معدات عسكرية أمريكية واربعة منظومات باتريوت مع (200) جندي أمريكي لتأمين الحماية لها وهذا يعكس الوهن الشديد الذي تمر به دول المنطقة بعد احتلال العراق.

 

الخيارات السعودية بعد هجوم أرامكو:

من المعروف بأن المملكة العربية السعودية قد فشلت في حسم الحرب اليمنية لمدة خمسة سنوات علماً أنها تواجه ميليشيا مسلحة تدعمها ايران كما أن من الصعب عليها فتح جبهة جديدة مع ايران فهي غير قادرة على الحسم في اليمن لذا فهي في موقف حرج جداً بسبب ضعف الموقف الامريكي من التصعيد العسكري مع ايران بحصر خياراتها في تشديد العقوبات الاقتصادية فقط. مما جعل ايران أكثر جرأة على العربدة في منطقة الخليج العربي لعدم وجود رادع لذا فالخيارات السعودية ليست كثيرة ومنها:

  1. احتواء الضربات التي طالت شركة أرامكو والتعامل مع مخلفات الضربة ومحاولة أعادة بناء المصافي بأسرع وقت وإعادة النظر في حماية الاهداف الاقتصادية والسياسية والعسكرية ووضع خطة للدفاع الجوي وسد الثغرات لتامين حمايتها.
  2. طلب المساعدة الامريكية في تأمين الاجواء السعودية من خلال شراء الاسلحة وجلب منظومات باتريوت الامريكية مع الطواقم الفنية وهنا يجب على السعودية أن تدفع ثمن الحماية الامريكية.
  3. إعادة النظر في بناء تحالفاتها في المنطقة وخاصة مع الدول العربية والخليجية خاصة وكذلك مع باكستان وتركيا.
  4. محاولة تهدئة الوضع مع ايران من خلال الوساطة العراقية أو الباكستانية ومحاولة حل القضية اليمنية والاتفاق على الامن في مضيق هرمز وبهذا تكون ايران في وضع أفضل يسمح لها بمواجهة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية ويجعل موقفها التفاوضي أقوى فيما يخص ملفها النووي .

الخاتمة:

لقد كان العراق الجدار الصلب أمام التمدد الايراني للمنطقة العربية حتى عام 2003م. حيث سمح الاحتلال الامريكي للنفوذ الايراني بالتمدد في كل من العراق ولبنان وسوريا ثم اليمن ويحتفظ بخلايا نائمة في كل من البحرين والسعودية والكويت. وقد قامت ايران بتشكيل ميليشيات مسلحة تدين لها بالولاء استخدمتها في تنفيذ مشروعها في المنطقة وقد كانت الهجمات التي شنتها ميليشيا الحوثي برعاية ايرانية كاملة وهي حرب بالوكالة تديرها ايران بامتياز في المنطقة. فالطائرات المسيرة وصواريخ الكروز هي ايرانية الصنع لذا ستقبى الادوات الايرانية في المنطقة هي مخالب ايرانية تستخدمها حيثما تقتضي الحاجة علماً أنها تشكلت وتسلحت على مرأى ومسمع من الولايات المتحدة الامريكية والدول العربية. وهذا يثير علامات استفهام كبيرة جداً لذا كما فالمملكة العربية السعودية غير قادرة على مواجهة ايران عسكرياً بحرب شاملة ولكنها قادرة على توجيه ضربات مدمرة ولكنها ستتعرض لردة فعل ايرانية أيضاً مدمرة. كما إن الحرب الطويلة غير واردة في الحسابات السعودية بالوقت الحاضر وخاصة مع ايران وهي من فشلت في مواجهة ميليشيا تابعة لها في اليمن. كما إن ايران لديها استراتيجية واضحة في التعامل مع الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها منها اذا لم يصدر النفط الايراني فلن تسمح لأحد بتصدير نفطه. وهذا ما حصل في حرب ناقلات واسقاط الطائرة المسيرة وهجمات أرامكو  وستبقى المنطقة مشتعلة مالم يتم حسم التصعيد والخلاف الامريكي الايراني في المنطقة والاتفاق على ملفات مهمة كالملف النووي الايراني وبرنامج الصواريخ الايرانية والنفوذ الايراني في المنطقة.

                                                بقلم

                                                  حاتم كريم الفلاحي

                                                    باحث بمركز الرافدين للدراسات السياسية والاستراتيجية (راسام)