وقع العراق في حلقة جديدة من عدم الاستقرار والتي يمكن أن تكون أخطر ما واجهته هذه الدولة، التي تعاني أصلا من صراع داخلي، بعد عامين فقط من إعلان النصر على جماعة تنظيم الدولة (داعش) في حرب تركت الكثير من البلاد في حالة خراب وعشرات الآلاف من النازحين.

أدت المواجهات الدموية الأخيرة إلى مقتل أكثر من 100 شخص في أقل من سبعة أيام، لكن الاشتباكات هذه المرة، لم تكن بين قوات الأمن والمتطرفين، أو بين السنة والشيعة، أو المسلحين ضد قوات الاحتلال. وبدلاً من ذلك، أطلقت قوات الأمن العراقية الرصاص على شباب عراقيين مطالبين بالوظائف والكهرباء والمياه النظيفة ووضع حد للفساد.

لا يزال من غير الواضح لماذا اختارت الحكومة ممارسة مثل هذا الرد القاسي على بضع مئات من المتظاهرين العزل الذين تجمعوا لأول مرة في الأسبوع الماضي، بعد تنسيق على وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم الاحتجاج، ويرى محللون أن العنف قد دفع بالعراق نحو مسار خطير قد يكون من الصعب التراجع عنه.

مع استمرار الاحتجاجات العفوية، وعدم وجود قيادة سياسية واضحة، وما تلاه من اشتباك مع قوات الأمن في المدن والبلدات العراقية، بدت الحكومة غير آسفة وفشلت في تقديم حلول للمشاكل الراسخة، مما أثار المخاوف من أن دولة عربية أخرى سوف تغمر في أزمة طويلة الأمد دون طريق واضح نحو الأمام.

يقول المتظاهرون إنهم سئموا الطبقة السياسية الكاملة لما بعد عام 2003

كتب أيهم كامل، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة أوراسيا: “إن استخدام القوة إلى جانب تنازلات تجميلية سيعمل على تخفيف الضغط مؤقتًا ولكنه لن ينهي الأزمة، حيث يمكن احتواء دورة الاحتجاجات هذه، لكن النظام السياسي سيواصل فقدان شرعيته”.

لا يختلف المتظاهرون، في مطالبتهم بتحسين الخدمات ووضع حد للفساد، عن أولئك الذين تظاهروا في مدينة البصرة الجنوبية بسبب انقطاع التيار الكهربائي المزمن وتلوث المياه في الصيف الماضي. أو في عام 2016، عندما قام المتظاهرون الغاضبون بتسلق الجدران في المنطقة الخضراء شديدة الأمان في بغداد واقتحام البرلمان العراقي، وهتفوا “لصوص”.

ولكن على عكس ما حدث في عام 2016 عندما قاد الاحتجاجات رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، لم يشترك أي حزب سياسي في احتجاجات اليوم، فمعظمهم من الشباب في العشرينات من العمر، وليس لديهم قائمة واضحة بالطلبات أو البرامج، وليس لديهم متحدث باسمهم، وبعضهم من المراهقين أو خريجي الجامعات الجدد غير القادرين على العثور على وظائف في بلد يعاني من الفساد وتحته بعض أكبر احتياطيات النفط في العالم.

هذه الحركة، إذا تمكنا من تسميتها بذلك، ليس لها ملامح واضحة، أو أي حلول سريعة. يقول المتظاهرون إنهم سئموا الطبقة السياسية الكاملة لما بعد عام 2003 والتي استفادت من الرشاوى والمحسوبية والفساد بينما يشرب العراقيون العاديون المياه الملوثة ويعانون من بطالة هائلة.

والملفت للنظر هذه المرة، أن الاحتجاجات هي في الغالب مظاهرات شيعية ضد حكومة يقودها الشيعة.

لقد وعد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بمعالجة مطالب المحتجين، لكن رئيس الوزراء البالغ من العمر 77 عامًا بدأ فترة ولايته العام الماضي في مواجهة مجموعة كبيرة من التحديات المتراكمة، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والفساد على نطاق واسع والخدمات العامة المتداعية وضعف الأمن، وقد قال للمتظاهرين أنه لا يوجد “حل سحري لكل ذلك”.

لقد اندلعت الأزمة في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول بعد أن نظم المتظاهرون، الذين نسقوا ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، مظاهرة طالبوا فيها بحقوقهم. وقد قوبلت بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص، وكانت أحد اسباب المظاهرات جزئياً، بسبب الغضب من الاقالة المفاجئة لقائد شيعي بارز قاد معارك ضد مقاتلي تنظيم الدولة (داعش) وكان ينظر إليه إلى حد كبير على أنه جنرال غير فاسد ومحترم، ومع ذلك فالمتظاهرين حملوا أيضا قائمة طويلة من المظالم.

تأتي الاحتجاجات في لحظة حرجة بالنسبة للعراق، الذي وقع في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والقوة الشيعية الإقليمية إيران، وكلاهما حلفاء لحكومة بغداد. لقد كافح رئيس وزراء العراق الضعيف ليبقى محايدًا وسط هذه التوترات.

ومما زاد من حدة التوتر، الغارات الجوية الغامضة التي ألقي باللوم فيها على الكيان الصهيوني والتي استهدفت، منذ أسابيع، قواعد عسكرية وذخائر في العراق تابعة لميليشيات تدعمها إيران، وقد تعهدت تلك المليشيات بالانتقام من القوات الأمريكية المتمركزة في العراق.

إن الحكومة ربما نجحت في وضع حد للوضع في الوقت الحالي. الا ان الأمر سيكون وكأنه فحم جاهز للإشعال في أي وقت ومكان

عندما بدأت الاحتجاجات، انتشرت بسرعة من بغداد إلى معقل الشيعة في الجنوب، بما في ذلك مدينة البصرة، وقد فرضت الحكومة حظر تجول على مدار الساعة وأغلقت الإنترنت لعدة أيام، في محاولة يائسة لإخماد الاحتجاجات.

وقد قال المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء سعد معن الأحد الماضي إن 104 أشخاص قتلوا على الأقل وجرح أكثر من 6000 في الاحتجاجات، وقال إن ثمانية من أفراد قوات الأمن كانوا من بين القتلى وأن 51 من المباني العامة وثمانية مقار للأحزاب السياسية قد أحرقت من قبل المتظاهرين.

يبدو أن القمع الهائل قد نجح في تقليص عدد المتظاهرين في الوقت الحالي، على الرغم من استمرار الاشتباكات المتقطعة بين المتظاهرين وقوات الأمن على نطاق أصغر، بما في ذلك معركة بالأسلحة النارية استمرت لساعات ليلة الاثنين بالقرب من مدينة الصدر المضطربة في بغداد.

هناك اجماع بين العراقيين والمراقبين، بأن الحاجز قد تم كسره وأنه مع مقتل الكثير من المتظاهرين، فمن المرجح أن تعود حركة الاحتجاج، وأن تصبح أكثر تنظيماً في المرة القادمة حينما تحين الفرصة لذلك.

في بلد مليء بالأسلحة، هناك مخاوف من أن يؤدي العنف ببعض المتظاهرين إلى تسليح أنفسهم، على غرار ما حدث في سوريا، هناك قلق أيضًا من أن بعض الميليشيات المتشددة الموالية لإيران قد تدخل في المعركة وتستغل الفوضى.

دعا مقتدى الصدر، رجل الدين العراقي ذو النفوذ الذي يتمتع بقاعدة دعم شيعية شعبية وأكبر عدد من المقاعد في البرلمان، الحكومة إلى الاستقالة بسبب العدد الكبير من القتلى، كما علق مشاركة كتلته في الحكومة حتى يتم التوصل إلى برنامج إصلاحي.

وإذا انضم الصدر إلى حركة الاحتجاج، فسوف يعطيها المزيد من الزخم وربما يؤدي إلى مزيد من العنف. ويقول علي الغريفي، مدون عراقي، إن الحكومة ربما نجحت في وضع حد للوضع في الوقت الحالي. الا ان الأمر سيكون وكأنه فحم جاهز للإشعال في أي وقت ومكان، وعندما يحدث ذلك، سوف يحرق الجميع”.

 

واشنطن بوست / زينة كرم وقاسم عبد الزهرة

ترجمة وتحرير: راسام