المدخل :

احتلت الحركة الطلابية في العراق منذ قيام الحكم الوطني في 23 آب 1921 موقعا متميزا في النضال الوطني، لما قامت به من ادوار نضالية بارزة في عملية التصدي ومواجهة المحتل البريطاني والحكومات التي تعاقبت على الحكم خلال العهد الملكي والاستعمار البريطاني للدفاع عن ارض العراق وخيراته.

ويعود السبب الى كون هذا القطاع أكثر القطاعات الشعبية تأثرا بما يجري حوله من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية، ولما يتسم به من سمات الوعي التي قلما تتوفر في قطاع شعبي آخر، مما جعل من الحركة الطلابية في العراق في فترة متقدمة من تاريخه المعاصر تشكل رأس الحربة في المواجهة مع الحكومات والاستعمار البريطاني. فقد أثبتت الأحداث السياسية التي مر بها العراق أن الحركة الطلابية العراقية كانت بحق العمود الفقري لكل عمل وطني والقوة الجماهيرية المتماسكة التي بإمكانها الوقوف بوجه الظلم والتعبير عن ارادت الشعب بالحرية والاستقلال دون الخوف على امتياز تفقده.

ان هذا الدور المبكر والمتميز للحركة الطلابية في العراق هو الذي يؤشر لنا بوضوح سبب العداء الذي كانت تكنه الحكومات المتعاقبة للطلبة والاجراءات القاسية التي كانت تتخذ ضدهم. بالمقابل يؤشر لنا أيضا الصور المشرقة التي كانت يرسمها الشعب وقواه الوطنية والتقدمية والآمال التي كانت تعلق على هذه الفئة المثقفة الواعية، اذ لم تمر مناسبة مهمة – كما سنرى – في تاريخ الحركة الوطنية الا كان لطلبتنا البواسل فصيلة مقدامة من فصائلها مما أعطى للحركة الطلابية شرف المساهمة في النضال الوطني سيما كانت التضحيات والشدائد قد اكسبها خبرة نضالية، ومراسا ثوريا جعلها بحق قادرة على الاستجابة للمطامح الوطنية للشعب، ومعبرة بثقة واخلاص عن ارادة الطلبة ومصالحهم الحقيقية.

أولا : الطلبة ودخول عصبة الامم عام 1932 :

            ابرمت حكومة نوري السعيد الاولى (المعاهدة الرابعة) مع الحكومة البريطانية في 30 حزيران 1930. وقد واجهت كبقية المعاهدات السابقة الانتقاد والرفض الشديد من الحركة الوطنية، حيث خرجت مظاهرات طلابية كبرى في بغداد ومدن العراق الاخرى، انضم اليها جميع أبناء الشعب، فطافت شوارع المدن منددة بالمعاهدة المذكورة.

دخلت معاهدة 1930 حيز التنفيذ منذ دخول العراق عصبة الامم في 23 تشرين الاول 1932 واعتبار العراق “دولة مستقلة”. وكان لهذا الحدث وقعه الواضح بين الوطنيين ومنهم الطلاب الذين طالبوا بضرورة مواصلة الكفاح بغية رفع القيود التي تضمنتها معاهدة (1930) ليكون بمثابة “العيد الحقيقي” للعراقيين كافة.

أثر ذلك نظم عبد الجبار الجومرد – طالب الحقوق في دمشق – وهو في طريقه من بغداد الى دمشق قصيدة يهجو فيها حكومة نوري السعيد التي وقعت معاهدة (1930) بين العراق وبريطانيا، وتلمح فيها جرأته وشجاعته في التنديد بتلك المعاهدة التي قيدت استقلال العراق بقيود ثقيلة. ومما جاء فيها :

محى الله في أرض العراق عصابة      لها عمل ناء عن الحق ناكــــس

حكومة سراق تبيـــــــع بلادهــــــا      كما باع مسروق الودائع حارس

يقولون في بغداد مجلــــس امـــــة      ألا منيت بالخزي تلك المجالــس

مجالس شر الناس فيهـــا ممثــــل      لخيرهم والعبد للحــــر سـائــــس

 

ثانيا : الطلبة والحركة الفكرية :

            مثلما دافع الطلبة عن استقلال العراق وحريته، فان دورهم في الدفاع عن حرية الفكر والوقوف الى جانب الحركة الفكرية الشخصية بوجه السلطة الحاكمة التي كانت تسعى الى كتم أفواه الناس كان جليا. فقد شهدت حقبة الثلاثينات تصاعدا في حركة المد القومي العربي حملت تحت رايته فئة مثقفة طالبت بالإصلاح وتوجيه الأنظار الى ضرورة اصلاح الأوضاع الفردية التي تعيشها البلاد وضرورة العمل من أجل تحقيق الوحدة العربية. ولتحقيق هذه الغايات، كان انضواء الطلبة عبر تنظيمات على شكل نواد وجمعيات ساهمت بشكل أو بآخر في بعث الحركة القومية  – كما سنرى –.

أ – جمعية الجوال العربي

            اتفقت مجموعة من طلاب دار المعلمين في الكرخ على تنظيم أنفسهم من خلال منظمة طلابية سرية اطلق عليها “جمعية الجوال العربي”، ويبدو ان هذه التسمية جاءت من ايمان الطلبة بضرورة بعث روح الفتوة العربية والاسلامية ونشر مبادئ العرب القومية. ففي ربيع عام 1931 اقيمت سفرة طلابية لطلبة دار المعلمين في الكرخ الى البصرة بصحبة معلم الكشافة “عبد الكريم عسيران” و “متي عقراوي” مدير دار المعلمين، والمدير خالد الهاشمي وفريد النجار وتحسين ابراهيم. وأثناء الطريق طرح مشروع تأسيس جمعية قومية واختير خالد الهاشمي لترأس الجمعية. وفي عام 1932 انضمت مجموعة من طلبة دار المعلمين في الرصافة الى التنظيم وبقي نشاط الجمعية يتم بصورة سرية دام ثلاث سنوات حيث كانت الاجتماعات تعقد في دار المعلمين والاعدادية المركزية والمدرسة المأمونية.

واحتجاجا على منح امتياز النفط العراقي لعدد من الشركات الاحتكارية فقد تبنى التجمع الطلابي القومي فضح الخطط الرامية الى التفريط بحقوق العراق وثرواته النفطية.

            اجيزت الجمعية رسميا في صيف 1934 باسم جمعية الجوال. ويعد تأسيس هذه الجمعية خطوة في طريق النضال الوطني والقومي العربي. فقد أدى هذا التنظيم دورا مؤثرا في السياسة الداخلية والخارجية، كما أخذت هذه الجمعية على عاتقها بث الوعي القومي والدعوة بحماس الى الوحدة العربية.

شجعت الجمعية فكرة تدريب الطلاب على السلاح، وقد نصت المادة (2) من القانون الأساسي للجمعية على ان أهداف الجمعية أو الغاية منها تنمية روح الفتوة والرجولة للشبان، وذلك من خلال ممارسة التمارين العسكرية والرياضية والعمل لتهذيب الخلق الشخصي، واسداء الخدمات العلمية والاجتماعية بالتجول في أنحاء القطر العراقي وخارجه. وقد فتحت الجمعية معسكرا خاصا لتدريب أعضائها ، كما أقامت أنشطة طلابية وشبابية متعددة، تمثلت في استغلال المناسبات الوطنية والقومية في اقامة التجمعات من قبل أعضاء الجمعية حيث تلقى فيها الخطب الحماسية والتمثيليات التي تتعمد اثارة خواطر الطلبة والشباب ضد الاستعمار البريطاني.

وفي الوقت نفسه أدى أعضاء الجمعية دورا كبيرا في الجيش العراقي عام 1936، عندما سمح لخريجي دار المعلمين الابتدائية والأولية لدخول الكلية العسكرية فكان لهم دور مشهود في الجيش العراقي.

كما شكلت هذه العناصر وبالاشتراك مع العناصر المعروفة بانتمائها الوطني والقومي تنظيما عسكريا قاده العقداء الأربعة “صلاح الدين الصباغ ومحمود فهمي سعيد وكامل شبيب ومحمود سلمان” والذين سيكون لهم دورا متميزا في ثورة نيسان – مايس 1941 فيما بعد.

ان نشاطات هذه الجمعية التي لم تحظ بتأييد التيارات المعادية للحركة القومية العربية، ولا سيما دورها في ثورة نيسان – مايس 1941 مما كان سببا في اقدام السلطات في أعقاب اخفاق الثورة على حلها وابطال رخصتها واعتقال عدد من قادتها.

 

ب – نادي المثنى بن حارث الشيباني :

            لقد دفع النجاح الذي صادفته جمعية الجوال العناصر القومية التي توسع نشاطاتها، واخراجه عن الاطار المدرسي المحدود الى نطاق أوسع، فكان تأسيس “نادي المثنى بن حارث الشيباني” في عام 1935، الذي هدف الى “بث الروح القومية العربية وانماء الشعور الوطني والمحافظة على التقاليد وتوليد ثقافة عربية جديدة تجمع في التراث العربي”. وقد انضم الى النادي المذكور عدد كبير من طلاب الكليات والمدارس العالية والثانويات والذين أنشأوا تنظيما خاصا بهم اطلقوا عليه اسم “التجمع الطلابي القومي”. وقد نشط هذا التجمع في عقد الاجتماعات السياسية والمشاركة في المظاهرات الجماهيرية في المناسبات الوطنية والقومية، وقيادة التظاهرات الطلابية الخاصة في المناسبات المذكورة.

كان على رأس هذا التجمع، حازم المفتي وقاسم حمودي وعبد المحسن الدوري وحسن القيسي وعبد الباقي السعدي وحسن مصطفى وحسن التكريتي وحامد الآلوسي وعزة الملاح وعلي القزويني وامين الرحماني وعبد اللطيف الكمالي ومصطفى كامل ياسين وغيرهم من طلبة كلية الحقوق، وأحمد يعقوب وأديب ابراهيم وذو الكفل عبد اللطيف من دار المعلمين العالية، ومعمر الشابندر ونوري زيتون وغيرهم من كلية الطب.

وبهذا الصدد قرر “التجمع الطلابي القومي” دعوة الطلبة الى تظاهرات كبيرة تستنكر المعاهدة التي وقعتها الحكومة آنذاك مع ايران حول “شط العرب” وقد لبت الجماهير الطلابية هذه الدعوة وانطلقت في يوم 3 آذار 1938 من كلية الحقوق حيث صدحت حناجر الطلبة بعدد من الشعارات منها (يسقط أعداء العراق شط العرب للعرب، الموت للاستعمار). كما سارت جموع الطلبة الى مبنى مجلس الوزراء ومنه باتجاه شارع الرشيد معبرة عن سخطها واستنكارها لموقف الوزارة التي فرطت بحقوق العراق وكرامته عند توقعها للمعاهدة وقد تصدت قوات الشرطة للطلبة في محاولة منها لتشتيت جموعهم، الا ان المظاهرات استمرت لثلاث ايام متتالية كانت فيها الخسائر كبيرة والاندفاع الوطني عظيما.

واحتجاجا على منح امتياز النفط العراقي لعدد من الشركات الاحتكارية فقد تبنى التجمع الطلابي القومي فضح الخطط الرامية الى التفريط بحقوق العراق وثرواته النفطية. حيث دعا التجمع الطلابي القومي جماهير الطلبة الى تنظيم المظاهرات وتقديم الاحتجاجات ضد السياسة النفطية الجائرة، كما دعا التجمع شعب العراق لمساندة ابنائه ودعم هذا الاضراب استنكارا لاتفاقية النفط الجائرة.

ج – نظام الفتوة :  

            يعد نظام الفتوة مظهر من مظاهر التيار القومي في العراق وتعود بدايات النظام الى عقد الثلاثينات، عندما قدّم عدد من أعضاء جمعية الجوال العربي ونادي المثنى بن حارث الشيباني، طلبا الى مجلس الوزراء يقترحون فيه تدريب طلبة المدارس المتوسطة والثانوية لما لذلك من اثارة تنمية الوعي الوطني والقومي بين صفوف الطلبة، واعدادهم لبناء المستقبل الأفضل للعراق والامة العربية.

ولقد لاقت هذه الفكرة استحسانا من وزارة ياسين الهاشمي الثانية (27 آذار 1935-29 تشرين الأول 1936) والتي وجهت وزارة المعارف (التربية) لتقديم الدعم الاسناد لهذا المشروع وقامت الوزارة بسن نظام اسمته بـ (نظام الفتوة) الذي حمل الرقم (50) لسنة 1931.

كما قامت وزارة الدفاع بتجهيز وزارة المعارف بالسلاح والعتاد والاسلحة الخفيفة وانتدبت وزارة الدفاع المقدم صلاح الدين الصباغ ليكون مشرفا عاما على تدريب الفتوة والمقدم محمد فهمي سعيد مشرفا على تدريب الفتوة في الموصل ومحمد فاضل الجمالي مشرفا على تدريب الفتوة في بغداد.

كما أقر مجلس النواب بالاجماع هذا النظام الذي قدمته وزارة المعارف وصدرت الارادة الملكية في 1 تشرين الأول 1935 لتطبيق هذا النظام في جميع مدارس العراق (المتوسطة والثانوية). ومما تجدر الاشارة اليه ان هذا النظام حظي بدعم وتأييد الملك غازي فكانت اذاعة “قصر الزهور” – والتي كان يشرف عليها الملك شخصيا – تبث يوميا وبصورة متواصلة خطب ورسائل الفتوة والأناشيد الوطنية والقومية التي يرددها الفتوة في مسيراتهم ومن ابرزها (بلاد العرب أوطاني).

وشهدت بغداد أول استعراض للفتوة في مايس 1936 اشترك فيه (10) آلاف طالب وبالزي العسكري يحملون على أكتافهم البنادق. وقد حضر الملك غازي (1933-1939) هذا الاستعراض وياسين الهاشمي(رئيس الوزراء) وكبار ضباط الجيش. كما جرت استعراضات مشابهة في المدن العراقية الأخرى.

ويبدو أن نظام الفتوة كان مظهرا من مظاهر يقظة الامة العربية وطموح شبابها لإحياء أمجاد الامة العربية واستعادة حقوق الشعب المغتصبة. ولما لم ترق هذه السياسة للقوى الاستعمارية واعوانها في العراق عمدوا الى التصدي الى هذا التنظيم والعمل على الغائه، وذلك عندما عمدت الى تقليص هذا التنظيم. فكانت البداية في اقصاء الضباط كلا من صلاح الدين الصباغ ومحمد فهمي سعيد من منصب الاشراف والتوجيه ثم أوعزت بتقليص ساعات التدريب العسكري وحصره في نطاق الثانويات وعدم تزويد الطلاب يحتاجونه من سلاح ومعدات. وغدا النظام على العموم في حالة ركود وانكماش حتى كانت نهاية نظام الفتوة، عندما قررت وزارة جميل المدفعي إلغاء نظام الفتوة من المدارس الرسمية بعد اخفاق ثورة نيسان – مايس 1941.

 

ثالثا : الطلبة ومصرع الملك غازي نيسان 1939 :

            حظي الملك غازي بمنزلة شعبية بسبب سياسته الرامية الى تعزيز القومية العربية. وقد تجسد ذلك من خلال العديد من مواقفه الوطنية والقومية، فكانت اذاعة قصر الزهور التي أنشأها في حزيران 1937 – والتي تولى بنفسه اذاعة بعض بياناتها، في حينه – منبرا لإلهاب المشاعر القومية من خلال مطالبته بتحرير الأقطار العربية، فضلا عن اهتماماته بتحديث الجيش وتنويع موارده من الأسلحة، كما عني بالطلبة وعمل على تربيتهم تربية وطنية وقومية.

وقد حاولت السلطات الاستعمارية البريطانية عدة مرات ان تثني الملك عن سياسته القومية، حتى اذا يئست من تلك المحاولات قرر منفذو سياستها التخلص منه بأي شكل كان.

وفي صباح يوم 4 نيسان 1939 نشرت الحكومة العراقية بيانا رسميا جاء فيه : ان الملك غازي قد توفى أثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بأحد أعمدة الكهرباء بالقرب من قصر الحارثية.

وقد أحدثت وفاة الملك غازي صدمة قوية للشعب العراقي انطلقت على أثرها مظاهرات في بغداد ومدن العراق وكان الطلبة في مقدمة هذه التظاهرات التي نددت خلال مسيرتها لسياسة الاستعمار ولا سيما بعد أن ذاع في الأوساط السياسية اتهام نوري السعيد والانكليز بأنهم وراء تدبير الحادث.

وفي الموصل تجمع طلاب مدارس المدينة في مبنى الثانوية الشرقية، و دعا الطالب “هشام الدباغ” جموع الطلبة الى التوجه نحو القنصلية. وبالفعل لبت الجماهير الطلابية الدعوة، وانطلق الطلاب في مسيرة جماهيرية كبرى رافقتها هتافات حماسية تندد بسياسة الانكليز، وعند وصول جموع المتظاهرين الى مقر القنصلية البريطانية الكائنة قرب سكك حديد الموصل طوق الطلبة مبنى القنصلية، وهاجموها بالحجارة كما انزلوا العلم البريطاني واحرقوه وفي نفس الوقت أحرقوا سيارة تابعة للقنصلية بعد تحطيمها، واقتحم عدد من المتظاهرين دار القنصل وقتلوا القنصل البريطاني (مونك ميسون) حينما كان يحاول التظاهر بالخروج أمام الجمهور الغاضب واستطلاع الوضع.

وعلى الرغم من أجواء الارهاب التي سادت الموصل في أعقاب مقتل القنصل البريطاني والمتمثلة في اعلان الأحكام العرفية وتطبيق قانون الادارة العسكرية واعتقال العشرات من أبناء الموصل وعلى وجه الخصوص عدد من طلبة الثانوية، الا ان هذا الارهاب لم يؤثر على تزايد النشاط الطلابي. فقد طلب السفير البريطاني في العراق (بازل نيوتن) من الحكومة العراقية بأن تتخذ اجراءات السيطرة على النشاط المناهض لبريطانيا بين صفوف الطلبة.

 وعلى أثر مغادرة قادة الثورة الى ايران وطلب اللجوء السياسي، أعلن السبعاوي نفسه حاكما عسكريا وقام بتوزيع الأسلحة على كتائب الشباب كما أطلق على مجموعة منهم اسم (حرس السبعاوي الفدائيون)

 

رابعا : الطلبة وثورة نيسان – مايس 1941 :

            تعود البداية لثورة نيسان ومايس 1941 الى أواخر عام 1939 عندما أصبحت التدخلات البريطانية في شؤون العراق الداخلية بشكل سافر وغدا يهدد استقلال العراق وسياسته. ففي 5 أيلول 1939 طالب السفير البريطاني (بازل نيوتن) – وبتوجيه من حكومته – الحكومة العراقية بقطع علاقتها مع ألمانيا ذلك الطلب الذي حظي بموافقة رئيس الوزراء نوري السعيد، مما جعل طلبة دار المعلمين الابتدائية في الأعظمية يعلنون الاضراب عن الدراسة والطعام والخروج بمظاهرة توجهت الى باب المعظم، وقد صدحت حناجر الطلبة بالهتافات الحماسية المطالبة بسقوط الاستعمار البريطاني ونوري السعيد، كما رفع المتظاهرون مذكرة الى مجلس النواب استنكروا من خلالها السياسة البريطانية الجائرة.

وبعد أن قدمت وزارة طه الهاشمي (31 كانون الثاني 1941- 1 نيسان 1941) استقالتها وشكلت حكومة الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني في 12 نيسان 1941 تلك الحكومة التي لم تحظ بموافقة الانكليز ولا سيما بعد الاتصالات التي أجرتها حكومة الكيلاني مع دول المحور والتي قادت في النهاية الى المواجهة العسكرية مع بريطانيا في مايس 1941 .

كان الطلبة في مقدمة الفصائل الثورية التي هبت لنصرة الثورة منذ اليوم الأول لاندلاعها – على الرغم من امكانياتها المحدودة – وذلك ايمانا منهم بحجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم. فقد انضوى العديد من طلبة الكليات والمعاهد العالية تحت لواء (كتائب الشباب) ذلك التنظيم الذي أشرف عليه محمد يونس السبعاوي (أحد قادة الثورة ووزير الاقتصاد) – الذي كان من أشد المتحمسين لفكرة تشكيل هذا التنظيم -. وتجلى موقف السبعاوي من خلال طروحاته أثناء مناقشات مجلس الوزراء من أجل حصوله على تأييد الحكومة لتشكيل هذا التنظيم الشعبي المقاتل وتزويده بالسلاح، ايمانا منه بدور الطلبة في مساندة حكومة الثورة باعتبارها شريحة حيوية في المجتمع لتمارس مسؤولياتها الوطنية من خلال حماية الخطوط الخلفية لساحة المعركة، من ضبط الأمن ومراقبة المشبوهين والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.

            لقد حظي هذا التنظيم بدعم وتأييد حكومة الثورة ماديا ومعنويا. فقد أمدت حكومة الثورة الهيئة العليا لكتائب الشباب بمساعدات عينية، فضلا عن تزويدهم بالسلاح، كما انتدبت وزارة الدفاع الرائد سامي عبد القادر ليشرف عليها.

قسمت كتائب الشباب الى تشكيلات متعددة ضمت كل تشكيلة طلبة مدرسة أو كلية معينة يقوم على رأسها مسؤول عنها يتولى قيادتها، حيث ترتبط هذه المجاميع أو التشكيلات بقيادة الكتائب التي ضمت كل من : درويش المقدادي وسليم النعيمي وعبد الكريم كنه ونخبة من العناصر المعروفة بانتماءاتها الوطنية والقومية وخاصة الجمعيات والنوادي القومية التي شهدت قيامها الساحة العراقية أبان حقبة الثلاثينات، وكان هؤلاء على اتصال يومي بالسبعاوي ويعملون بتوجيه منه.

كان للطلبة دور مشهود من خلال (كتائب الشباب) أثناء قيام (الحرب) العراقية – البريطانية، حينما أوكل لها مهمة تدريب الشبيبة على السلاح للوقوف الى جانب الجيش العراقي والعمل على توطيد الأمن الداخلي ومواسات الجرحى ومكافحة الاشاعات المغرضة التي يبثها أعوان الاستعمار البريطاني. كما ساهموا في خزن البنزين في الأماكن النائية والبعيدة عن قصف الطائرات البريطانية. فضلا عن قيامهم بمهمة الحراسة للمناطق المهمة في المدينة. فكانت تلك المهمات اشبه ما تكون بمهمات الجيش الشعبي مع الأخذ بنظر الاعتبار الفارق الزمني والتطور الفكري والمادي .

لعب الطلبة دورا في اثارة الشعور الوطني والقومي لدى شرائح المجتمع المختلفة وخاصة الجمعيات ذات النشاط الوطني والقومي والتي عدت بمثابة تنظيمات سرية للحزب العربي القومي في العراق، ومنها جمعية الشباب القومي في الموصل وجمعية شباب العمارة وجمعية الدفاع الوطني في البصرة. فقد ابرقت جمعية الشباب القومي برقية الى محمد يونس السبعاوي أعلنت من خلالها التطوع وقد بارك السبعاوي هذه الدعوة طالبا ارسال مثل هذه النخبة الخيرة من الشباب القومي الى بغداد ليتولوا حراسة المراكز المهمة. وقد لبت هذه العناصر دعوة السبعاوي، والتحقوا ببغداد وتم تكليفهم بمهمات حراسة حقول النفط. وعلى ما يبدو فان السبعاوي كان يهدف من عمله هذا الاكثار من تواجد الشباب القوي في أماكن عمل شركات النفط الاحتكارية.

وفي الأول من مايس 1941 بعثت مجموعة من أعضاء جمعية الشباب (الشعلة) في العمارة برقية الى طلبة ثانوية الموصل : جاء فيها “يا شباب العرب تقدموا للجهاد موعدنا واياكم الخط الأول تحت لواء الوطن المفدى”

وعلى أثر مغادرة قادة الثورة الى ايران وطلب اللجوء السياسي، أعلن السبعاوي نفسه حاكما عسكريا وقام بتوزيع الأسلحة على كتائب الشباب كما أطلق على مجموعة منهم اسم (حرس السبعاوي الفدائيون) وطالما كان السبعاوي يشاهد محاطا بهم وهم بملابسهم العسكرية وقد أسهموا جميعا في أعمال عسكرية من ابرزها تنفيذ جزء من خطة الدفاع عن العاصمة.

وبعد اخفاق الثورة تم حل كتائب الشباب بقرار من لجنة الأمن الداخلي التي تولت حفظ الأمن في بغداد بعد مغادرة قادة الجيش وأركان الحكومة البلاد. وقد طلبت اللجنة المذكورة في بلاغها رقم (2) من أعضاء كتائب الشباب تسليم اسلحتهم وأعتدتهم الى السلطات والعودة الى ارتداء الملابس الاعتيادية. ولما احتل الجيش البريطاني بغداد في حزيران 1941، اعتقلت الشرطة عدد كبير من الطلبة المنتمين الى تنظيم كتائب الشباب، وتم احالتهم الى المحاكم العرفية، وتطوع عدد من المحامين للدفاع عنهم حيث اعتبروا ان الدفاع عن الطلبة تشريف لهم وواجب وطني.

لقد حاولت السلطات الحكومية بعد اخفاق ثورة نيسان 1941، توجيه أنظار الشباب عن التزاماتهم الوطنية والقومية، فعمدت الى تسهيل اقامة نواد رياضية واجتماعية مختلفة، وقد اشتهرت من هذه النوادي (نادي اخوان الحرية) الذي أسسته الجاسوسة البريطانية (فريا ستارك). ولقد تولت ستارك تنظيم النادي والاشراف عليه، وقد كتبت ستارك تقريرا الى مسؤوليها أشارت فيه الى ان الطلبة والشباب في العراق ليسوا مع بريطانيا فضلا عن صعوبة انقيادهم.

كان موقف السلطات الحكومية تجاه مطالب الطلبة سلبيا، فبالإضافة الى رفض طلبهم حول تكوين اتحاد طلابي تم إلقاء القبض على ستة من ممثليهم.

 خامسا : الطلبة والاحزاب السياسية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية :

لقد كان من أبرز آثار الحرب العالمية في العراق تبلور الوعي الديمقراطي. وقد كان الطلبة في طليعة القوى التي تأثرت بالمفاهيم الديمقراطية التقدمية، بحكم سنهم ولحساسيتهم تجاه أوضاع بلادهم وطموحهم في تغيير تلك الأوضاع مما هو أفضل. ففي عام 1944 ظهرت أول محاولة لتشكيل تنظيم طلابي، وقابل وفد طلابي وزير المعارف وأعربوا عن رغبتهم في تشكيل اتحاد يجمع بينهم ويهدف الى تبني مشاكل الطلبة وقضاياهم.

كان موقف السلطات الحكومية تجاه مطالب الطلبة سلبيا، فبالإضافة الى رفض طلبهم حول تكوين اتحاد طلابي تم إلقاء القبض على ستة من ممثليهم. لقد ادى عمل السلطات هذا الى تشدد الحركة الطلابية وتقديم طلب آخر لعقد مؤتمر للطلبة، الا ان الشرطة قامت باعتقال مقدمي الطلب لمدة طويلة مما أدى الى اثارة الموضوع في البرلمان، حيث وجه نائب الجلسة (جعفر حمندي) سؤالا الى وزير المعارف (ابراهيم عاكف) الذي أجاب بأن السبب يرجع الى اشتغال الطلبة بأمور سياسية مضرة.

اضطرت الحكومة العراقية بعد الحرب الى اجازة بضعة أحزاب منها حزب الاستقلال الذي يمثل التيار القومي العربي والحزب الديمقراطي الذي يمثل التيار الديمقراطي. وقد دعت هذه الأحزاب الى اقامة حياة دستورية، وساهم الطلبة في النشاطات السياسية والثقافية التي نظمتها تلك الأحزاب منها مساهماتهم في المظاهرات التي جرت في بغداد ومدن العراق الاخرى ومن ابرزها الاحتجاج على معاهدة بورتسموث في كانون الثاني 1948.

 

الخلاصة :

            لقد احتلت الحركة الطلابية في العراق من عام 1932 – 1948 موقعا متميزا في مسيرة النضال الوطني لما قامت به من أدوار نضالية بارزة في عملية التصدي والمواجهة للحكومات التي تعاقبت على الحكم خلال العهد الملكي والاستعمار البريطاني. ويعود سبب ذلك الى كون هذا القطاع أكثر القطاعات الشعبية تأثرا بما يجري حوله من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية ولما يتسم من سمات الوعي التي قلما تتوفر في قطاع شعبي آخر. وقد أثبتت الأحداث السياسية التي مر بها العراق ان الحركة الطلابية العراقية، كانت بحق تشكل العمود الفقري لكل عمل وطني والقوة الجماهيرية المتماسكة التي بإمكانها الوقوف بوجه الظلم والتعبير عن ارادة الشعب بالحرية والاستقلال دون الخوف على امتياز تفقده.

ان هذا الدور المبكر والمتميز للحركة الطلابية في العراق هو الذي يؤشر لنا بوضوح سبب العداء التي كانت تكنه الحكومات خلال العهد الملكي للطلبة والاجراءات القاسية التي كانت تتخذ ضدهم. وبالمقابل يؤشر لنا أيضا الصورة المشرفة التي كان يرسمها الشعب وقواه الوطنية والآمال التي كانت تعلق على هذه الفئة المثقفة والواعية، التي اخذ بالنظر اليها نظرة التفاؤل بالمستقبل.

 

أ. د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للبحوث الاستراتيجية