أ.د. عدنان القطان باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

           

لم تتوقف المعارضة الوطنية وحتى الحكومات المتعاقبة عن مساعيها في الدعوة الى تعديل الاتفاقيات البريطانية، وعزمها على الفوز بالاستقلال وازاحة الانتداب عن كاهل البلاد.

  • معاهدة 1927:

لذا أوردت حكومة جعفر العسكري الثانية التي شكلها في (21 تشرين الثاني1926، وضمت في عضويتها ممثلين عن الحزبين البرلمانيين التقدم والشعب، فتألفت من :

جعفر العسكري (رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية، رشيد عالي الكيلاني (وزيرا للداخلية)، ياسين الهاشمي (وزيرا للمالية)، رؤوف الجادرجي (وزيرا للعدل)، نوري السعيد (وزير الدفاع)، محمد أمين زكي (وزيرا للاشغال والمواصلات)، عبد المهدي المنتفكي (وزيرا للمعارف)، محمد أمين عالي باش أعيان (وزيرا للاوقاف).

وأعلنت الوزارة في منهاجها التعاون مع “حكومة بريطانيا” ليتولى العراق المسؤوليات المترتبة عليه بصفته دولة مستقلة، ولتسهيل دخوله عصبة الامم بأسرع وقت، وأعلنت الوزارة انها ستبادر بتسريع انجاز تعديل الاتفاقيات، الذي شرعت به الوزارة السابقة وفقا لرغبات المجلس التأسيسي، وحسم ما أشار اليه تقرير لجنة المعاهدة من الامور في هذا الصدد.

سارعت الوزارة الى تأليف لجنة وزارية ضمت نوري السعيد وياسين الهاشمي وزيري الدفاع والمالية لدراسة الامور المتعلقة بتعديل معاهدة 1926. فدرست اللجنة جميع الامور المتعلقة بالمعاهدة وأعربت عن رغبتها في عقد معاهدة جديدة تضمن تقدم العراق نحو الاستقلال، وارتأت اللجنة لتحقيق هذا الهدف أن تبدأ بتعديل الاتفاقيتين المالية والعسكرية تعديلا صحيحا يتناول الاسس والمباديء لا القشور والمظاهر.

وقفت الحكومة البريطانية موقفا معاكسا للموقف العراقي، وأظهرت حرصها على استمرار نظام الانتداب لمدة (25) سنة، متذرعة بما قرره مجلس العصبة عند اصدار قراره حول الموصل، وزاعمة بأن التعديل سيقابل بعدم الرضا من قبل المنظمة الدولية والاتراك معا.

بدأت المفاوضات في لندن في (25تشرين الاول 1927) وترأس الوفد العراقي جعفر العسكري (رئيس الوزراء ووزير الخارجية) وروؤف الجادرجي (وزير العدل) ومزاحم الباجه جي (وزير العراق المفوض في لندن)، كما وصل الملك فيصل الأول لندن للاشراف على سير المفاوضات.

ارتكزت المفاوضات على ركنين أساسيين :

1 – دخول العراق في عصبة الامم في عام 1928، وهل باستطاعة الحكومة البريطانية أن تلح في ذلك؟

2 – تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية المتفرعتين من المعاهدة العراقية – البريطانية الاولى، تعديلا يتفق والأماني العراقية والعهود التي قطعتها بريطانيا.

لكن هذه المفاوضات لاقت عقبات بسبب تعنت الجانب البريطاني ومماطلته ووجهة نظرهم تتناقض مع المطالب العراقية وازاء المواقف البريطانية المتشددة قطعت المفاوضات وغادر العسكري بريطانيا في (27 تشرين الثاني 1927).

كان مقررا أن يغادر الملك فيصل لندن بعد أيام قلائل، فاقيمت له حفلة توديعية ألقى فيها كلمة قال :

“… إن العراق يود أن يكون صديقا مخلصا لبريطانيا، صادقا في ولائه لها وفيا لجميل معروفها، وان الأجدر بالحكومة البريطانية أن لا تتخلى عنه، بعد المساعدات التي أسدتها له”.

على أثرها أبدى المسؤولون البريطانيون رغبتهم في عقد المعاهدة على اسس جديدة، وأن يترك أمر تعديل الاتفاقيتين المالية والعسكرية الى مفاوضات قادمة، فعاد العسكري (رئيس الوزراء) ثانية الى بريطانيا في (12 كانون الأول).

ثم توصل الطرفان الى صيغة نهائية في (14 كانون الأول 1927)، على أثرها تم التوقيع على المعاهدة التي حوت على مقدمة وست عشر مادة. وقد أوضحت المقدمة أن نصوص معاهدتي التحالف لسنتي 1922، 1926 لم تعد ملائمة بالنظر لتبدل الأحول والتقدم الذي أدركته المملكة العراقية، وأهم ما تضمنته مواد الامور الآتية :

1 – المادة الاولى : “يعترف صاحب الجلالة البريطانية بالعراق دولة مستقلة ذات سيادة” ويلحظ هنا أنه لم يتم التأكيد على الاستقلال التام الذي يطالب به الشعب العراقي.

2 – المادة الثانية : “على شرط أن يحتفظ بمستوى التقدم الحاضر في العراق، وأن تسير الاحوال جيدة” وستعمل بريطانيا على ترشيح العراق لاجل دخوله في عصبة الامم سنة 1932.

3 – تضمنت المادتان الثانية عشرة والثالثة عشرة التعهد بعقد اتفاقيتين منفردتين لتنظيم العلائق المالية والعسكرية تحلان محل الاتفاقيتين السابقتين.

ويلاحظ من دراسة بنود المعاهدة أن بريطانيا لم تستجب لأي من المطاليب العراقية، وأن مسودة المعاهدة الجديدة لا تختلف عن المعاهدتين السابقتين.

وقد أوضح مجلس الوزراء عند مصادقته على المعاهدة في (18 كانون الأول 1927) أن “المعاهدة الجديدة لم تحتوي على جميع التعديلات التي وضعت قاعدة للمفاوضات”، لكن وافق عليها لاحتواءها على اعتراف الحكومة البريطانية الصريح باستقلال العراق وخلوها من القيود الكثيرة وتعهد صريح لدخول العراق العصبة في 1932. الا انها جوبهت بمعارضة من بعض الوزراء الذين استقالوا من مناصبهم، وهم، ياسين الهاشمي (وزير المالية) ورشيد عالي الكيلاني (وزير الداخلية)، اللذين انتقدا المفاوضات مع بريطانيا التي لم تستجب حسب قولها، “لجميع ما وطدنا العزم على تحقيقه”.

وقد أدت هذه المعارضة الى تجميد المصادقة عليها، ومن الجدير بالذكر أن مجلس النواب بعد أن تم افتتاحه في 1 تشرين الثاني 1927، صدرت الارادة الملكية في 2 تشرين الثاني 1927 بتأجيل اجتماعاته لمدة (45) يوما ولهذا تأجل عرض هذه المعاهدة على مجلس النواب وكذلك على مجلس الأعيان.

بعد عودة جعفر العسكري الى بغداد في 30 كانون الأول 1927، لاحظ أن هناك صعوبات خطيرة أمام حكومته، وانها أصبحت في موقف لا يسمح لها بمواجهة مجلس النواب بعد انتهاء مدة تأجيله، لذلك لم ير بدا من التخلي عن المسؤولية، فقدم استقالته الى الملك فيصل  في 8 كانون الثاني 1928.

وفي اعقاب ذلك جاءت حكومة عبد المحسن السعدون الثالثة في (14 كانون الثاني 1928، والتي ضمت كلا من : عبد المحسن السعدون (رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية والدفاع وكالة)، عبد العزيز القصاب (وزيرا لداخلية) ويوسف غنيمة (وزيرا للمالية) وحكمت سليمان (وزيرا للعدل) وتوفيق السويدي (وزيرا للمعارف) وعبد المحسن شلاش (وزيرا للاشغال والمواصلات) وسليمان البراك (وزيرا للزراعة والري) واحمد الداوود (وزيرا للأوقاف).

اشترط السعدون حل المجلس النيابي واجراء انتخابات نيابية جديدة، والعمل على المعاهدة العراقية – البريطانية التي عقدتها الوزارة السابقة على المجلس النيابي القادم، وبذل الجهود لانجاز عقد الاتفاقيتين الجديدتين المالية والعسكرية لما تقضيه مصلحة البلاد. وألفت لجنة وزارية لاجراء المفاوضات مع المعتمد البريطاني (هنري دويس) ضمت وزراء المالية والدفاع والمعارف، الا ان هذه اللجنة لم تجد في طروحات (دويس) ما يطمئن وطنيا.

وفي الوقت ذاته قدم السعدون مذكرة الى (دويس) اجمل فيها الامور المراد تعديلها، منها : يتولى العراق مسؤولية الدفاع عن أمنه الداخلي وحدوده الخارجية، ويحدد عدد الضباط البريطانيين في جيشه الوطني، ويعهد بادارة الأحكام العرفية الى ضابط عراقي بدلا من ضابط بريطاني وأن يتملك العراق سككه الحديد ولا يسهم في نفقات دار الاعتماد البريطانية في العراق. لكن جواب دويس على المقترحات العراقية كان ردا قاسيا. ورد السعدون أن هذه الطلبات هي أقل ما يمكن أن يرضى به مجلس الامة والشعب العراقي. وان رفض المقترحات وضع الوزارة في موقف حرج جدا ولم يبق أمامها سوى طريق واحد للتخلص من الورطة التي هي فيها وهو تقديم استقالتها وترك مقاليد الحكم لوزارة اخرى. مما حدا بالسعدون الى تقديم استقالة حكومته في 20 كانون الثاني 1929. وكلف توفيق السويدي بتشكيل الحكومة الجديدة، في ذلك الوقت كان حزب العمال البريطاني قد تولى مقاليد الحكم، وكان من نتائج هذه التطورات السياسية أن أصدرت الحكومة البريطانية في 14 أيلول 1929 تصريحا يقضي بتعهد بريطانيا ادخال العراق عصبة الامم عام 1932.

ازاء ذلك ألف عبد المحسن السعدون حكومته الرابعة في 19 أيلول 1929، بعد استقالة حكومة توفيق السويدي، كمحاولة اخرى لعقد معاهدة تنتظم بها العلاقات بين البلدين. الا ان المفاوضات سرعان ما وصلت الى طريق مسدود.

وفي هذا الوقت شهد العراق حدثا كبيرا  وهو (انتحار عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء) وهو أول ظاهرة انتحار سياسي في تاريخ العراق المعاصر – كما سنرى –

 

للتفاصيل والاستزادة يمكن الاطلاع على المصادر الآتية :

  • عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء 2، الطبعة 5، (بيروت، 1978).
  • فاروق صالح العمر، المعاهدات العراقية – البريطانية وأثرها في السياسة الداخلية 1922 – 1948، (بغداد،1977).
  • عبد الأمير العكام، الحركة الوطنية في العراق 1921 – 1932، (النجف، 1975).
  • عبد الرحمن البزاز، العراق من الاحتلال حتى الاستقلال (بغداد، 1967).
  • محاضر جلسات مجلس النواب، الدورة الانتخابية الثانية، (بغداد، 1929).