عندما ذهبت إدارة بوش إلى الحرب في العراق، كان العالم مكانا مختلفا تماما عما هو عليه اليوم. حيث كان بإمكان الولايات المتحدة أن تفترض أنها القوة العظمى الوحيدة في العالم، مع مستوى لا مثيل له من القوة الصلبة واللينة. وكان يمكن أن يحلم الانسان بأن الديمقراطية هي المصير المشترك لجميع البلدان، وأن الولايات المتحدة تعرف كيف تدعم التحولات الديمقراطية وبناء الأمم على نطاق أوسع. ولم يعد الاتحاد السوفيتي موجودا ولم تعد روسيا لاعبا في الشرق الأوسط. لقد بدا الشرق الأوسط نفسه مستقرا، على الرغم من مشاكله طويلة الأمد المتعلقة بالحكم السيئ والقيادة الاستبدادية. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة لم تخوض الحرب في العراق لبناء ديمقراطية. كانت الدوافع معقدة وكان لها علاقة أكبر بالمصلحة القومية، لكن ذلك السياق جعل من السهل على بوش تبرير قراره.

بعد سبعة عشر عاما، يبدو العالم مختلفا تماما وقد تحول الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، تحولا جذريا. وتحولت مرحلة أحادية القطب إلى مجرد لمحة. تجري الآن منافسة ثلاثية على النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهي حرب باردة ثلاثية جديدة حيث قواعد اللعبة، التي كانت مفهومة جيدا من قبل كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أصبحت الآن غامضة. لقد صارت روسيا لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط ويبدو أنها مصممة على تنمية نفوذها، والصين اقتصرت حركتها حتى الآن على شراء النفط وبناء البنية التحتية. أما الولايات المتحدة فهي غير متأكدة من دورها في المنطقة، ممزقة بين افتراض أنها يجب أن تحتفظ بهيمنتها التاريخية وبين الرغبة في الخروج من المستنقع وإعادة القوات إلى الوطن. ومما يعقد الوضع، أن الفاعلين الإقليميين – وقبل كل شيء إيران وتركيا – يتبعون سياساتهم الخاصة في الجوار، والتي تتعارض غالبا مع مصالح الولايات المتحدة.

من المؤكد أن الغزو الأمريكي للعراق لم يكن السبب الوحيد لهذا التحول لكنه كان جزءا مهما منه. إن الكيفية التي تقرر بها الولايات المتحدة التصرف في هذه البيئة الجديدة ستكون متساوية على حد سواء مع الأطراف الأخرى.

أدى التدخل إلى قلب العراق، الذي كان في عهد صدام حسين أكثر استقرارا مما كان عليه بعده. كانت التوترات بين الجماعات العرقية والطائفية – من العرب والأكراد والشيعة والسنة – عالية جدا.

بعد حرب الخليج عام 1991، انسحب الأكراد من بغداد وحصلوا على حكم ذاتي واقعي تحت منطقة حظر الطيران التي فرضتها الولايات المتحدة، على الرغم من أنهم استمروا في القتال فيما بينهم. من ناحية أخرى، فإن تحرك الشيعة ضد صدام حسين قد أخفقت بسبب غياب أهداف واضحة أو وحدة أو أي دعم دولي.

بعد عام 2003، تغيرت السياسة الداخلية للعراق والعلاقات الإقليمية بشدة. ومع تعزيز النظام السياسي لصالح الشيعة، فإن النظام القائم على الانتخابات الذي جلبته الولايات المتحدة للعراق، قد زاد من نفوذ إيران أيضا. فمنذ الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988، بدأت طهران في إقحام نفسها في السياسات الداخلية للعراق من خلال المساعدة في إنشاء الميليشيات الشيعية وتوفير المأوى للأحزاب السياسية الشيعية.

لقد أتاح تفكيك نظام صدام حسين لطهران فرصة ذهبية لإحياء جهودها. وفي غضون ثلاث سنوات من الغزو، أجبر مستوى القتال الطائفي الولايات المتحدة على إرسال عشرات الآلاف من القوات الإضافية إلى العراق، وهي عملية أثبتت نجاحها إلى حد كبير، ولكن على المدى القصير فقط.

في عام 2010، سحبت الولايات المتحدة جميع قواتها من العراق، بعد أن فشلت في التوصل إلى اتفاقية وضع القوات مع بغداد. بحلول عام 2014، احتل تنظيم الدولة “داعش” أكثر من ثلث البلاد. وردا على ذلك، ارتفع عدد وقوة الميليشيات الشيعية، التي تدعمها وتمولها إيران كثيرا. أصبح الانقسام الطائفي أعمق من أي وقت مضى. ووجدت الحكومة في بغداد صعوبة متزايدة في الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من واشنطن وطهران. وتخلت الدول السنية في الخليج بشكل أساسي عن العراق، واعتبرته تابعا لإيران.

أضافت الأزمة في سوريا التي بدأت عام 2011 المزيد من التعقيدات. لقد بدأت كقضية داخلية، صراع بين حكومة الرئيس بشار الأسد والمتظاهرين حيث أن المظاهرات تشبه إلى حد كبير تلك التي ظهرت في مكان آخر في العالم العربي في ذلك الوقت. لكن الصراع سرعان ما تحول إلى حرب أهلية، وانسحب في نهاية المطاف، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى بلدان أخرى. تدخلت روسيا وإيران للمساعدة في إبقاء بشار الأسد في السلطة. وتدخلت الولايات المتحدة لدعم الأكراد السوريين الذين يقاتلون ضد تنظيم الدولة “داعش”. كما تدخلت تركيا لمنع الأكراد السوريين من السيطرة على المنطقة الحدودية بأكملها.

في هذا الوضع غير المستقر بشكل متزايد، قررت الولايات المتحدة، تقليل دورها. وسعت كل من إدارتي أوباما وترمب، خاصة بعد تعقيدات الحرب السورية، إلى تحقيق هدف خفض تواجدها في المنطقة، وذهبت إدارة أوباما، إلى حد سحب جميع القوات. لكن ظهور تنظيم الدولة “داعش” أحبط خطط الولايات المتحدة لتخليص نفسها من المنطقة.

أُعيدت القوات الأمريكية إلى العراق لتدريب الجيش العراقي، وتزويده بالغطاء الجوي، ودعمه في القتال ضد تنظيم الدولة بشكل عام. الحرب التي تم تبريرها في الأصل على أنها تدخل ضد ديكتاتور وبناء دولة ديمقراطية تم اختزالها إلى حرب على الإرهاب.

لكن بسبب الوضع المعقد بشكل متزايد في المنطقة، حتى هزيمة التنظيم لم تكن كافية للولايات المتحدة للانسحاب مرة أخرى، والوجود الإيراني كان أقوى من أي وقت مضى، وترك العراق يعني تسليمه لإيران، الدولة المعادية من وجهة نظر إدارة ترمب.

أدى ظهور تنظيم الدولة “داعش” أيضا إلى جر الولايات المتحدة، المترددة للغاية، لتصبح أكثر مشاركة في سوريا. كان التدخل غير مباشر، حيث تم نشر عدد قليل فقط من القوات الأمريكية لدعم الأكراد السوريين، الذين رأوا أن هزيمة التنظيم وسيلة للحفاظ على الحكم الذاتي للمنطقة التي نحتوها شمال غربي سوريا.

حتى هذه المشاركة الأمريكية، المحدودة أثبتت أنه من الصعب للغاية إنهاؤها. وعلى الرغم من تصميم الرئيس ترمب على الخروج من سوريا، إلا أن آخرون في الإدارة الأمريكية وقفوا ضد ذلك.

بدأ التدخل الأمريكي في العراق في عالم يفترض أنه أحادي القطب كمهمة لمحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل. لقد أطلق هذا التدخل سلسلة من العواقب، “غير المقصودة في الغالب” على الرغم من أنها ليست بالضرورة غير متوقعة، والتي أدت إلى جانب الأزمة في سوريا إلى ظهور وضع لا يشبه الوضع البسيط نسبيا الذي ساد عام 2003. وبعد سبعة عشر عاما، لا تزال الولايات المتحدة تقاتل في العراق، لكنها الآن معركة مختلفة في عالم مختلف.

 

ولسن سنتر / مارينا اوتواي

ترجمة وتحرير: راسام