في 3 يناير/ كانون الثاني، اغتالت أمريكا القائد الإيراني الكبير الجنرال قاسم سليماني في هجوم بطائرة بدون طيار، وقالت إنه يمثل تهديدا وشيكا لأمن أمريكا. وبعد مرور أكثر من شهرين على الاغتيال، لم تقدم حكومة دونالد ترمب أي دليل مقنع لدعم هذا الادعاء. وبدلا من ذلك، يُنظر إلى مقتل سليماني على أنه جزء من حملة “الضغط الأقصى” الأمريكية ضد إيران للحد من نفوذها في المنطقة المجاورة للكيان الصهيوني.

كان سليماني أهم شخصية عسكرية في إيران يرعى إنشاء منطقة نفوذ لإيران – من طهران، عبر العراق وسوريا إلى البحر الأبيض المتوسط. لقد قام برعاية واستمرار الميليشيات في العراق وسوريا واليمن ولبنان للقيام بالعمل نيابة عن طهران، وكثيرا ما توسط بين الميليشيات المتخاصمة. وكان سليماني قائدا لفيلق الحرس الثوري وقائد فيلق القدس أيضا – وهي وحدة متخصصة في الحرب غير التقليدية وعمليات المخابرات العسكرية في البلاد.

إن اغتيال الجاسوس، الذي نسج شبكة من الجماعات الشيعية شبه العسكرية ويتنقل بشكل متكرر من دون أن يلاحظه أحد، قد بعث برسالة واضحة إلى الحرس الثوري وحلفائه بالكامل – بأنه يمكن لأي شخص أن يكون التالي. كان للانفجار الذي وقع في مطار بغداد في حوالي الساعة الواحدة من مساء يوم الخميس، والذي أودى بحياة سليماني، نتائج واسعة النطاق بالنسبة لإيران وأصدقائها، وقد تردد صداه في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

لقد سُحب العراق، موطن بعض أقوى الميليشيات الممولة من إيران، إلى حافة الحرب مع أمريكا. استفادت إيران من إسقاط الولايات المتحدة لصدام حسين عام 2003 حيث كانت الحكومات اللاحقة شيعية بقيادة رجال تابعين لها. ولكن مع مرور الوقت، بدأ توسع إيران في المنطقة في إثارة غضب المتشددين في واشنطن الذين دعوا إلى كبح طهران. ومع ذلك، لم يرغب غالبية العراقيين بتدخل الولايات المتحدة أو إيران. في الواقع، كان إنهاء التدخل الخارجي مطلبا رئيسيا خلال الانتفاضة الأخيرة في البلد الغني بالنفط والمثقل بالصراعات.

أقوى الكيانات المسلحة في العراق هي الميليشيات الإيرانية والتي اندمجت في الجيش الحكومي في العراق عام 2016. وبينما كانوا يشكلون جبهة موحدة في القتال ضد تنظيم الدولة، إلا أنهم، بعد هزيمة التنظيم على الأرض، اشتبكوا بمعارك داخلية بسبب مكاسب المناصب الحكومية التي تمكنهم من تحقيق الكثير من الفوائد. اعتاد سليماني على حل خلافاتهم والعمل على إيجاد حلول لإرضاء الأطراف طالما استمرت خدمة مصالح إيران. لكن وفاته – بالإضافة إلى أبو مهدي المهندس، زعيم الميليشيات في العراق الذي توفي في الضربة نفسها، عمّق الانقسام. وتشعر طهران بالقلق من أن القيادة التي حققها سليماني للميليشيات قد ينتهي بها المطاف إلى التفكك وقد تفقد كل انتصاراتها في العراق لصالح جهات أخرى.

في سوريا، تولى، الوكيل الإيراني، حزب الله القيادة ولعب دور مشاة بشار الأسد بينما كانت روسيا تحلق في السماء. وقام سليماني بتنسيق الحرب على الأرض.

تشعر إيران بالقلق في سوريا، من فقدان مساحة لروسيا الحليفة التي تحمل في مخيلتها نهاية مختلفة للأحداث تماما. كانت لروسيا علاقة عمل مع الكيان الصهيوني وسمحت له بقصف التواجد الإيراني في سوريا. حيث تعد إيران الكيان الصهيوني عدوها اللدود.

كانت طهران تعاني بالفعل من العقوبات الموهنة التي فرضتها الولايات المتحدة عام 2018 بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من خطة العمل الشاملة المشتركة [JCPOA] أو الاتفاق النووي الإيراني – الأمريكي المبرم في عهد أوباما. وفي محاولته عدم ترك أي خيار لإيران سوى القبول بمطالب أمريكا، للخروج من منطقة النفوذ التي كانت إيران تبنيها في جوار الكيان الصهيوني، فقد ألغى ترمب الاستثناء من العقوبات لثماني دول كانت قد استمرت في شراء النفط الإيراني.

لكن رغم كل أنواع الضغوط، فإن إيران أظهرت أنها صامدة في سعيها ورافضة للاستسلام. وفي اليوم التالي لمقتل سليماني، رشحت إيران نائبه الجنرال إسماعيل غاني بديلا له. وعلى الرغم من إن غاني، على قدم المساواة في الخبرة العسكرية والاستخبارات المضادة، إلا أنه أقل بكثير في الكاريزما مقارنة بسليماني – وهي صفة أساسية للتحرك عبر العمليات الإيرانية الضخمة في المنطقة وجعل ميليشياتها، التي لا تعد ولا تحصى، منسجمة في طريق واحد. علاوة على ذلك، فإن غاني يُعرف باسم يد أفغانستان ولا يتحدث اللغة العربية.

يبدو أن إيران سلمت الجزء الأكبر من مسؤوليات سليماني إلى حسن نصر الله، الأمين العام للحزب اللبناني شبه العسكري حزب الله والزعيم الوحيد الأخر الذي يعادل جاذبية سليماني بين ميليشياته. وتحت قيادته، لم يقم حزب الله بدفع جيش الكيان الصهيوني عام 2006 فحسب، بل استولى أيضا على لبنان – أولا في الشوارع من خلال هزيمة القوات الحكومية بشكل حاسم في اشتباكات عام 2008 وبعد ذلك السيطرة السياسية في البرلمان. فالحكومة الأخيرة في البلاد كانت تتألف من تحالف يسيطر عليه حزب الله، كما أنه بارك الحكومة الحالية التي تم تنصيبها بعد انتفاضة أكتوبر/ تشرين الأول.

يقوم حزب الله، منذ بعض الوقت، بتدريب جنود المشاة من الميليشيات الإيرانية في العراق، والمساعدة في تجنيد الشيعة السذج من أفغانستان وباكستان والمشاركة في وضع استراتيجية للسياسة مع إيران حول كيفية الرد على أمريكا. وينظر النظام الديني الإيراني إلى ميليشيا حزب الله  كحليف ولم يعد مجرد وكيل. علاوة على ذلك، لا يمكن لأحد غير نصرالله أن يضاهي شعبية سليماني في الجيش الإقليمي الإيراني. يعمل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله الآن ببطء ولكن بثبات على توحيد فروعهما العديدة لإخراج الأمريكيين من العراق في نهاية المطاف.

قد لا ينجح ذلك ولكنه سيعزز معنويات المقاتلين بعد اغتيال أبرزهم .

 

 

يوراسيا فيو/ انكل فوهرا

ترجمة وتحرير: راسام