أ.د. عدنان القطان باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

استقالت وزارة توفيق السويدي في (25 آب 1929)، وقبيل تشكيل الوزراة الجديدة فوضت الحكومة البريطانية وكيل معتمدها السير روبرك بروك بونهام (قائد القوة الجوية البريطانية في العراق) وذلك بسبب وفاة المندوب السامي البريطاني في العراق (كلبرت كلايتون) الذي توفي ببغداد في 11 أيلول 1929، ان يبلغ المبلغ الملك فيصل في 14 أيلول 1929، والذي عرف ب (التصريح البريطاني) بما يأتي :

أولا : أن الحكومة البريطانية مستعدة لتأييد ترشيح العراق لادخاله الى عصبة الامم عام 1932.

ثانيا : ان الحكومة البريطانية سوف تبلغ مجلس العصبة بأنها قررت عدم العملىبمعاهدة 1927.

ثالثا : ان الحكومة البريطانية سوف تبلغ مجلس العصبة في الوقت نفسه، بأنها عازمة على ادخال العراق        الى عصبة الامم عام 1932.

شكل عبد المحسن السعدون وزارته الرابعة في (19 أيلول 1929)، ضمت كلا من : عبد المحسن السعدون (رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية)، ناجي السويدي (وزيرا للداخلية)، ياسين الهاشمي (وزيرا للمالية)، ناجي شوكت (وزيرا للعدل)، نوري السعيد (وزيرا للدفاع)، عبد الحسين الجلبي (وزيرا للمعارف)، عبد العزيز القصاب (وزيرا للري والزراعة)، محمد أمين زكي (وزيرا للأشغال والمواصلات).

أشاد السعدون بالسياسة البريطانية الجديدة تجاه العراق لأنها تحقق شطرا من رغائب الامة التي لا ترضى عن الاستقلال بديلا، ووضعت الوزارة اسسا عامة للددخول في المفاوضات مع بريطانيا هي :

1 – العمل على جعل مبدأ تطبيق المعاهدة الجديدة من تاريخ توقيعها، أي قبل الدخول في عصبة الامم أو تسريع الدخول قبل سنة 1932.

2 – العمل على رفع كل صيغة احتلالية من صلب المعاهدة الجديدة وكل ما ينافي استقلال العراق.

3 – الأخذ بنظر الاعتبار انتهاء مسؤولية الحكومة البريطانية في قضية الدفاع وتطبيق التجنيد العام بصورة سريعة.

ألفت وزارة السعدون لجنة وزارية لمفاوضة بريطانيا في عقد معاهدة جديدة ضمت وزراء المالية والداخلية والدفاع، ياسين الهاشمي وناجي السويدي ونوري السعيد، فوجدت أن الشرط الذي تشترطه الحكومة البريطانية لجعل العلاقات المقبلة بين الحكومة العراقية والبريطانية قائمة على أساس المشروع البريطاني – المصري الذي يجري التفاوض بشانه شرط غير وارد، لان وضع العراق الجغرافي يختلف عن وضع مصر اختلافا كبيرا، يضاف الى ذلك أن مصر تحت الاحتلال البريطاني المباشر، في حين أن العراق مرتبط بمعاهدة تحالف مع بريطانيا، ولهذا طالبت اللجنة الوزارية أن تجري المفاوضات على أساس الندللند.

الاصطدام بحقيقة ما يبيته الانكليز :   

كان مضي السعدون في سياسته، خلال وجوده في سياسته الأخيرة فإنها – كما ذكرنا – على أساس أنه سيستطيع أن يتوصل مع بريطانيا الى عقد معاهدة تحالف، تختلف عن المعاهدات السابقة وتضمن حقوق العراق في الاستقلال والتحرر، وذلك استنادا الى تصريح 14 أيلول 1929.

أدرك السعدون ان الحكومة البريطانية لم تكن جادة في أحداث أي تغيير في سياستها نحو العراق، وانما كانت تعتقد بأن مجرد الافصاح عن نيتها بعقد دخول العراق في عصبة الامم كاف لاقناع العراقين بشروط معاهدة جديدة لا تختلف عن غايتها من المعاهدات السابقة.

تعرض السعدون الى انتقادات صحفية جريئة لقبول وزارته بالتصريح البريطاني الذي وعد بادخال عصبة الامم، ووصف الأمر بأنه لا يعني سوى أن يصبح العراق صوتا مؤيدا لبريطانيا كأصوات بقية المستعمرات. واتهمت الصحافة السعدون باهماله الرأي العام.

وبهذا الصدد يذكر محمود رامز (نائب) : “كنت جالسا مع السعدون ودخل علينا بصفة وزير (توفيق السويدي) ضاحكا، فسأله السعدون عن سبب ضحكه، فأجاب : “ألم تقرأ (الاستقلال) ؟” كتبوا علينا “وجوه قردة وقلوب خنازير”، وأخذ يحرض السعدون على اتخاذ اجراءات قاسية ضد جريدة الاستقلال، فقال السعدون : ” توفيق أنت تريدني أن اعارض علي محمود – كاتب المقال – لأنه كتب ذلك (شلون مروّة) أخي : الكل ضد الوزارة لأنهم يعتقدونها انكليزية”.

كما ازدادت الانتقادات الموجهة للسعدون في جلسة مجلس النواب يوم (11تشرين الثاني 1929) واتهمت المعارضة وزارة السعدون بالتراجع عن مطاليب الشعب وارجاع القضية العراقية سبع سنوات الى الوراء، وقدرد السعدون على تلك الانتقادات، وحاول اقناع المعارضةتبني سياسة تصريح (14 أيلول 1929)، وازاء استمرار الانتقاد في المجلس انفعل السعدون وقال : “الامة التي تريد الاستقلال يجب أن تهيء له، فالاستقلال يؤخذ بالقوة والتضحية”.

كما أصيب السعدون بخيبة أمل كبيرة من نواب حزبه (حزب التقدم) في جلسة البرلمان نفسها. إذ لم يقف أحد بجانبه لمناصرة موقفه ضد موقف المعارضين. وإلتقى السعدون بأحد أعضاء حزب التقدم  وقال له: ” أنا مثلي معكم كمثل موسى من قومه إذ قالوا له إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون”.

أقام الملك فيصل في بلاطه يوم 12/11/1929 حفلة على شرف كيهان كورنواليس – مستشار وزارة الداخلية – بمناسبة إنتهاء إجازته وعودته من لندن الى العراق. وفي ذلك الحفل إلتقى السعدون بكورنواليس وفهم منه ان ليس هناك أي تغيير في السياسة البريطانية تجاه العراق، وأن بريطانيا لن تستجيب لمطاليب العراق الخاصة بالإستقلال.

يذكر عبدالعزيز القصاب في مذكراته عن تلك الحفلة قائلا: “… كنت مدعوا لتلك الحفلة ولكنه أصابني زكام منعني من الدوام الرسمي وحتى من الحضور لهذه الحفلة. وفي اليوم التالي – يوم 13 تشرين الثاني – جاءني السعدون الى داري قبل غروب الشمس وسألني عن أسباب غيابي عن حفلة الملك. لكنه حينما رآني مزكوما عذرني. وأخذ يحدثني عما جرى بينه وبين كورنواليس في حفلة الملك. حيث انتحى به الى ركن من أركان الصالون وكلمه عن العلاقات العراقية – البريطانية. وأخبره أنه حينما عاد الى العراق شاهد تغييرا كبيرا في سلوك الحكومة وسياستها مبديا إستغرابه من ذلك”. وفي وصفه لردود فعل السعدون تجاه كورنواليس يذكر القصاب قائلا: ” لقد لاحظته عندما كان يتكلم متأثرا جدا وعلى وجهه علامات الإضطراب والكآبة والإنفعال. فإخذت أسلّيه بأننا نعمل واجبنا في خدمة بلادنا على قدر طاقتنا وإننا عندما نلاقي العراقيل والمخالفات والأكاذيب من الإنكليز فنترك لهم وللملك يتصرفون به كيفما يشاؤون ويجنون العواقب الوخيمة. ثم نهض وعليه آثار الإنزعاج والتألم. فقلت له وهو يستعجل بالخروج: دعنا نكمل الموضوع. فرفض متحججا أنه يريد الذهاب النادي. فطلبت منه أن يشرب القهوة التي وصلت الى باب الغرفة، فلم يتوقف وسار مطأطأ الرأس لا يلتفت يمنة ولا يسرة. فلحقت به الى باب الدار فلم يتكلم بشيء وإنما رفع كلتا يديه للسلام بدون كلام. ذكر لي حامل القهوة الذي صادفه في باب الغرفة أن عينيه كانتا مغرورقتين بالدموع… “.

عليه يمكننا أن نصف اصطدام السعدون بحقيقة ما يبيته الإنكليز على أنه الخيبة الكبيرة والأخيرة التي أوصدت أمامه آخر أبواب الأمل لتحقيق آماله في انجاز إستقلال العراق.

لقد أجمعت المصادر بأن السعدون قضى يومه – قبل الشروع في الإنتحار – في النادي العراقي حتى الساعة التاسعة مساء، ثم عاد الى البيت وجلس مع عائلته لتناول العشاء. إلا أنه لم يتناول سوى حبات من الفستق وكان متجهما ومتألما ودخل الى غرفة مكتبه الكائنة أمام غرفة الطعام. وفي مكتبه كتب وصيته لابنه علي الذي كان يدرس في لندن. وقد كتب الوصية باللغة التركية العثمانية وتركها على مكتبه في مكان بارز، ثم صعد الى الطابق الثاني من داره وأطلق النار على نفسه من مسدسه الشخصي مساء يوم 13 تشرين الثاني 1929 مخلفا وراءه زوجته وأولاده الأربعة: علي وكان يدرس الجيولوجيا في برمنكهام، وعايدة (15 سنة)، وآصف (11 سنة)، ونجلاء (9 سنوات).

وعلى ما يبدو فقد أثرت مواقف بريطانيا والصحافة والمعارضة البرلمانية في نفس السعدون، يضاف إلى ذلك معاناته من مرض السكري. حيث كان يشتكي من اعتلال صحته باستمرار فضلا عن مشاكله العائلية مع زوجته التركية. فلم يتهيأ له في البيت أجواء الراحة المطلوبة لديمومة مسؤولياته في الدولة والتي يحتاجها كرجل دولة مرهق بسبب المسؤوليات والسياسة السائدة آنذاك. كل هذا كان واضحا من وصيته التي منها العبارات التالية: “… سئمت هذا الحياة التي لم أجد فيها لذة ولا ذوقا وشرفا.. الشعب ينتظر خدمات بينما الإنكليز لا يسمحون بتقديمها وليس لي ظهير. وإن العراقيين من طلاب الإستقلال يظنون أنني خائن للوطن وعبدا للإنكليز. ما أعظم هذه المصيبة؟؟ أنا الفدائي الأشد إخلاصا لوطني”. يقول الدكتور لطفي جعفر فرج : إن السعدون اراد يسلك في عمله سبيل التوافق بين مبدأ الدولة الوطنية وإرادة الدولة المنتدبة.

خيّم حزن كبير على العراق بمجرد انتشار خبر وفاته وشيعته مئات الآلاف من أبناء الشعب ورثاه عدد كبير من الشعراء ومن أبرزهم معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي ومحمد مهدي الجواهري. قال الرصافي في رثائه السعدون لقصيدة مطلعها:

شب الأسى في قلوب الشعب مستعرا               يوم ابن سعدون عبد المحسن انتحرا

وفيها يقول:

شبّ الأسى في قلوب الشعب مستعرا               يوم ابن سعدون عبد المحسن انتحرا

يوم به كل عين غير مبصرة                        إذ كان إنسانها في الدمع منغمرا

يوم به البرق رجّ الرافدين أسىّ                      غداة أدّى إلى أقصاهما الخبرا

 

الى أن يقول:

لما رأى الوطن المحبوب محتملا                   من الأجانب ما قد عمّه ضررا

سعى لانقاذه بالرأي مجتهدا                          بالعزم متشّحاً بالحزم مؤتزرا

كم بات سهران في تحقيق منيته                     وفي الأمانيّ ما يستوجب السهرا

وكم سعى راجياً تخليص موطنه                     والشعب كان لما يرجوه منتظرا

 

كان لإنتحار السعدون صدى مؤثرا في أنحاء البلاد وحتى داخل مجلس النواب. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبأ الوفاة في جلسة المجلس المنعقدة في 16 تشرين الثاني 1929 مقترحا الوقوف خمس دقائق حدادا مع تعطيل جسلة اليوم نفسه. كما خصصت الجلسة المنعقدة في 21 تشرين الثاني 1929 لتأبين السعودن تحدث خلالها عدد من النواب مشيدين بوطنيته. وكان خيرالدين العمري أول المتحدثين وقد قال: بصفتي من أبناء الموصل فأذكر ما لراحلنا الكريم على تلك الربوع من الايادي البيض، أياد خطت على قلوبنا نحن أبناء الشمال آيات للتمجيد والحمد لا تمحوها الأيام… وقد كان للزعيم الجليل في نجاح قضية الموصل القسط الأوفر وقد كابد أعظم الشدائد في سبيل المحافظة على تلك البقعة العزيزة من هذا الوطن”. وفي ختام حديثه طلب العمري من النواب اقتفاء أثر السعدون فيما أسماه ” الشعور الحي والعقيدة الراسخة”. أما هبة الله المفتي فقد شدد بعد أن عدد مزايا السعدون وسجاياه وأخلاقه الحميدة على ضرورة التمسك بـ ” المبادئ السامية والسلوك القويم الذي انتهجه السعدون من أجل الوصول الى الغاية المنشودة وهي (سعادة الأمة والوطن)”. بينما طالب جميل الغزي بـ” التمسك بمبادئ السعدون السامية”. ورأى النائب يوسف الخياط أن السعدون قد ” كان في حياته ومماته عظيما”، ومن جانبه أشاد النائب عبدالله سليمان بـ ” المبادئ القويمة والسجايا العالية التي تمتع بها الفقيد”.

كما قدمت حكومة ناجي السويدي الى مجلس النواب بجلسته المنعقدة في 16 كانون الأول 1929 لائحة (قانون لمنح مساعدة مالية وراتب لعائلة عبدالمحسن السعدون). وقد أشاد النواب بهذه اللائحة مبينين أن الأمة أرادت إظهار شيء من الشعور العظيم الذي تكنه تجاه الفقيد. وقد لاقت اللائحة قبولا بإجماع النواب الحاضرين. كما قررت الحكومة ذاتها بناء منطقة سكنية ببغداد يطلق عليها اسم (عبدالمحسن السعدون) – وهي المشهورة اليوم بمنطقة السعدون حاليا -، وعمل تمثال له في إحدى ساحات بغداد الكبرى. وقد أجمع النواب الحاضرون على قبول خطوات الحكومة بهذا الخصوص.

وهكذا سجل التاريخ ظاهرة اول انتحار سياسي في العراق – كما رأينا – .

 

للمزيدة من المعلومات يرجى الإطلاع على المصادر التالية:

1- لطفي جعفر فرج، عبدالمحسن السعدون ودوره في تاريخ العراق السياسي المعاصر، ( بغداد، 1978)

2- عبدالرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج2،ط5، (بيروت، 1978)

3- محمد طاهر العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية، (بغداد، 1935)

4- عبدالأمير هادي العكام، الحركة الوطنية في العراق: 1921- 1933، (النجف، 1975)

5- محاضر جلسات مجلس النواب، الدورة الانتخابية الثانية، (بغداد، 1929)

6- عبدالعزيز القصاب، من ذكرياتي، (بيروت، 1962)