أدى التراجع المستمر في أسعار النفط، بالنسبة لكثير من البلدان، إلى بداية مرحلة جديدة من الانهيار الاقتصادي الوشيك. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك من يعاني في الوقت الحاضر مثل العراق فهي دولة ليس لديها حكومة فاعلة، وقد نزفت من الحرب الأخيرة، وممزقة بسبب الصراعات الداخلية.

إن التحدي الذي يواجه العراق داخليا هو أكثر تعقيدا. فالحكومة ليس لديها الكثير لتقدمه لشرائح كبيرة من الشباب – حيث متوسط ​​العمر 21 عاما – الذين سئموا من المحاباة والروتين. يمكن للعراق أن يخفف من المخاطر من خلال توزيع النقود – ليس لديه حل آخر، ويمكنه الاستفادة من احتياطاته  مرة أخرى والقليلة جدا (حوالي 62 مليار دولار) -. استراتيجية بغداد الوحيدة للبقاء هي الانتظار والدعاء لأوقات أفضل.

بعد أن كان العراق يأمل في إعادة بناء البلاد، كانت ميزانيته لعام 2020 هي الأكبر في التاريخ وركزت على تجديد البنية التحتية المتداعية في البلاد. وقد أدت التطورات الخارجية إلى إيقاف الأهداف الطموحة. كانت الميزانية الضخمة من نواح عديدة استجابة لموجات الاحتجاج لعام 2019 والتي لم تهدأ في عام 2020، في نهاية المطاف، أدت إلى الإطاحة بالحكومة التي يقودها عبد المهدي (الذي استمر كقائم بأعمال حتى 02 مارس/ آذار، بعد فشل المرشح البديل، محمد توفيق علاوي، المتعلم في الولايات المتحدة، في الحصول على موافقات برلمانية كافية). كذلك فإن المرشح الجديد لمنصب رئيس الوزراء، عدنان الزرفي، قد يواجه مستقبلا مشابها – ومعه الكاظمي -.

بعد أن تخلت المملكة العربية السعودية عن أسعار البيع الرسمية التي تم اعتمادها في أبريل/ نيسان، كان السؤال الرئيس للكثيرين هو ما إذا كان العراق والكويت، مصدرا النفط اللذان يعتمدان بشكل روتيني على إشارات الأسعار التي تقدمها أرامكو السعودية، سيتبعان حذوها ويتبنان تخفيضات الأسعار في فروق الخام. كلاهما فعل ذلك، إدراكا للمخاطر الكامنة في عدم القيام بذلك، لكنهما فعلا ذلك على مضض لأن لتخفيض السعر أثر عميق في جسد الحكومة. خفض العراق نفطه الخفيف المتجه إلى آسيا عن طريق البصرة، 3.2 دولار للبرميل، مقابل عمان/ دبي، وهو الأدنى منذ سنوات، في حين خفّض سعر أبريل/ نيسان الأوروبي بمقدار 5 دولارات إلى 8.8 دولار للبرميل. مع تحرك أسعار برنت حول 20 دولارا للبرميل، فإن احتمال بيع نفط البصرة إلى أوروبا مقابل 10 دولارات للبرميل أمر محبط حقا.

في حين، نظريا، يبقى صحيحا أن العراق يمكن أن يعوض جزئيا الخسائر التي تكبدها بسبب حرب الأسعار المستمرة عن طريق زيادة مستويات الإنتاج، ولكن حتى في إطار حصص إنتاج (أوبك +) فقد أنتج أكثر أو أقل حسب ما يريد (في الواقع، العراق كان أحد أكثر المخالفين صراحة لحدود الانتاج). علاوة على ذلك، إن انخفاض أسعار النفط أكبر من أن يتمكن الاقتصاد العراقي من ابتلاعه – حيث أن مسودة ميزانية 2020 كانت نحو 135 مليار دولار، مع 93 في المائة من الإيرادات الحكومية تأتي من صادرات النفط -. بلغ متوسط ​​سعر النفط السنوي المفترض 56 دولارا للبرميل عام 2019. وإذا أصبحت التخفيضات التفاضلية التي أثارتها السعودية دعامة أساسية، فإن العراق الآن سيحصل على 30 في المائة فقط مما كان متوقعا في الأصل لهذا العام. في مثل هذه الحالة، فإنه من الممكن أن يستهلك العراق جميع احتياطاته التي يبلغ مجموعها نحو 62 مليار دولار بحلول نهاية عام 2020، مما يجعله يعتمد على حزمة أخرى من صندوق النقد الدولي.

بالإضافة إلى هذا العدد الكبير من المشاكل، ظهر أيضا الانتشار السريع للفيروس التاجي. حتى 1 أبريل/ نيسان، كان لدى العراق أكثر من 720 حالة مؤكدة، مع 180 حالة شفاء و 52 حالة وفاة. كما لا يزال موظفو الدولة البالغ عددهم 7 ملايين شخص يشكلون عبئا على كاهل الحكومة الفيدرالية، ومع ذلك، فإن الحياة في العراق مشلولة والشركات الخاصة على حافة الهاوية. لقد شهد جنوب العراق أول حالة إصابة له بالفيروس في وقت متأخر نسبيا (09 مارس/ آذار) – فإذا انتشر الوباء حول البصرة، فقد يعرض إنتاج النفط للخطر نظرا لأن تزويد مواقع المشروع سيصبح أكثر صعوبة. ومن جهة أخرى قد يحد تهديد الفيروس التاجي من التصعيد العسكري، على خلفية الشائعات المنتشرة بأن الولايات المتحدة تريد زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق، بطريقة لا تختلف كثيرا عما حدث للاحتجاجات في كل مكان .

أدى ظهور فيروس COVID-19 وانتشاره السريع إلى تهدئة الغضب الشعبي – ويرجع ذلك في المقام الأول إلى خوف الأشخاص من الإصابة بالفيروس أثناء المظاهرات – ومع ذلك، فإن هذا لم يخفف من تعقيد جميع المهام التي يتعين حلها.

تعاني الحكومة العراقية من عجز شهري يصل إلى ملياري دولار، ومع وجود القليل جدا من الناتج الصناعي المهم في البلاد في أيدي القطاع الخاص، ولا ينبغي أن يكون من المستغرب أن السلطات الفيدرالية لا يمكن أن تحصل إلا على أقل من 50 مليون دولار من التبرعات بهدف مكافحة انتشار الفيروس التاجي. لقد أغلق العراق حدوده، وفرضت الحكومة حظر تجول على مدار 24 ساعة، تفرضه الشرطة بصرامة، وهو ما يحد بشكل كبير من شريان الحياة الأخير المتبقي لسكان المدن، وهو التجارة غير الرسمية.

إضافة إلى كل ذلك هناك تعاملات بغداد مع الإدارة الكردية، المعقدة أيضا. فالأخيرة لم تمتثل لحد الآن إلى اتفاق نوفمبر/ تشرين ثاني 2019، حيث تعهدت حكومة كردستان بتزويد شركة تسويق النفط الفيدرالية (سومو) بـ 250 ألف برميل في اليوم من النفط الخام مقابل حصة 12.6 في المائة من الميزانية العراقية. وقد زعمت حكومة كردستان أنها ستنتظر حتى يتم تشكيل حكومة مناسبة في بغداد لكي تبدأ بتنفيذ الاتفاقية .

هناك نوع من الجمود في النتائج النهائية، حيث لا تريد بغداد أن تضغط بشدة على أربيل، كي لا تعرض صادرات كركوك التي تمر عبر أراضي كردستان للخطر، بينما تنتظر أربيل الحصول في النهاية على نظير يمتلك على الأقل بعض السلطة الداخلية.

 

اويل برايس/ فكتور كاتونا

ترجمة وتحرير: راسام