أ.د. عدنان القطان باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

 

          وفي اليوم التالي من التوقيع أدلى صالح جبر من لندن بتصريح أعرب فيه عن أمله بأن البرلمان العراقي والشعب سيجدان في المعهدة ما يحقق الأماني تحقيقا كاملا، وقال ان بعض العناصر الهدامة استغلت فرصة غيابي فأحدثت القلاقل في البلاد وانه سيعود الى العراق وسيسحق رؤوس هذه العناصر الفوضوية حتما.

أثار هذا التصريح الرأي العام وعادت المظاهرات من جديد وبلغت ذروتها يوم 26 كانون الثاني 1948 وهو اليوم الذي عاد فيه صالح جبر من لندن حيث هبطت طائرته في مطار الحبانية ومنها وصل الى بغداد بحماية كبيرة، وعقد حال وصوله اجتماعا لمجلس الوزراء في مقر الرحاب برئاسة الوصي عبدالإله لاستعراض الوضع العام والوسائل التي يجب اتباعها لاعادة الهدوء الى العاصمة، وأوضح أن ما حدث خلال الأيام الماضية ليست مظاهرات في الحقيقة وانما هي (ثورة عاتية) ودعوا الى معالجتها.

أذاع (جبر) بيانا من الاذاعة استعرض بها مراحل المفاوضات وما سماه بمزايا المعاهدة، ودعا الى الهدوء والسكينة وترك كل ما من شأنه الاخلال بالأمن. قوبل بيان صالح جبر بمظاهرات فورية في مناطق بغداد المختلفة وحددت الجماهير أهدافها بالامور التالية :

1 . اسقاط وزارة صالح جبر وتشكيل وزارة وطنية جديدة.

2 . حل المجلس النيابي وانتخاب مجلس حر يمثل أماني الأمة ومطاليبها الوطنية.

3 . جلاء القوات البريطانية عن العراق حالا.

4 . تحقيق أماني الشعب الوطنية في الحرية والكرامة والاستقلال.

تجمعت المظاهرات صباح يوم (27 كانون الثاني) بكثرة في مناطق بغداد، وتجمعوا في النهاية في منطقتين الاولى في الكرخ بالقرب من ساحة الشهداء والثانية في شارع الأمين.

وكان كل طرف من الطرفين يريد الانضمام للطرف الآخر، وكانت الشرطة قد اتخذت لها مواقع في الجوامع والأماكن العالية، وعندما تقدم المتظاهرون من جانب الرصافة الى الكرخ بدأت نيران الشرطة تطلق من اتجاهات مختلفة، وأصبح المتظاهرون على الجسر بين نارين، فاستشهد (11) متظاهرا وجرح آخرون. وعلى الرغم من ذلك واصل المتظاهرون محاولاتهم لعبور الجسر تتقدمهم احدى الفتيات الشابات التي صارت تعرف ذلك الحين بـ (فتاة الجسر).

التقى المتظاهرون مع بعضهم في الكرخ، وتعاطفت جمعية الصحفيين العراقيين مع جماهير الشعب محتجة على تعسف الحكومة. وقدم رئيس مجلس النواب (عبد العزيز القصاب) ومعه عشرون نائبا هم أعضاء الجبهة الدستورية وغيرهم بتقديم استقالاتهم من عضوية مجلس النواب، كذلك قام ثلاث وزراء هم وزير العدلية (جمال بابان) ووزير المالية (يوسف رزق الله) ووزير الشؤون الاجتماعية (جميل عبد الوهاب) بتقديم استقالاتهم، كما أصدر قادة الأحزاب الوطنية بيانا مشتركا ينددون بالحكومة ويطالبون باستقالتها.

اضطر الوصي (عبد الإله بن علي) الى أن يكلف السيد محمد الصدر بتشكيل حكومة جديدة تخلف حكومة صالح جبر، بعد أن اتصل رئيس ديوان التشريفات الملكية (أحمد مختار بابان) بصالح جبر وأبلغه بأن عدد الوزراء أصبح دون النصاب القانوني وطلب منه تقديم استقالته، فقدمها صالح جبر على الفور في رسالة بعثها الى الوصي عبد الاله بن علي فقبلها.

أصدر الوصي عبد الاله بيانا اذيع من دار الاذاعة، أعرب عن أسفه للحوادث المؤسفة التي وقعت والدماء التي اريقت وأعلن عن استقالة وزارة صالح جبر وأكد قبولها، وطلب من جميع العراقيين الخلود الى السكينة والهدوء. ساد الفرح الشعب وشيعت بغداد في اليوم التالي شهداء الوثبة.

كتبت الصحافة الكثير عن الوثبة، فقد كتب كامل الجادرجي (رئيس الحزب الوطني الديمقراطي) مقالا القى باللائمة على الحاكمين الذين أعمتهم بصيرتهم وطغت على نفوسهم مفاسد الحكم، ووصف نضال الشعب بقوله : “انقلب هذا الشعب الكريم الهادئ – الذي حسبه الحكام بحرا ميتا  – بين عشية وضحاها الى أمواج متلاطمة تصاعدت الى عنان السماء”، وتحدث الجادرجي عن صالح جبر، بقوله : “الطبيب الجاهل والحاكم الجاهل سواء، ذاك يقود المريض الى الموت وهذا يقود الامة الى الهلاك”.

تشكلت حكومة (محمد الصدر) في 29 كانون الثاني 1948، وطالبت الجماهير بتنفيذ مطالبها المتمثلة بـ :

أولا : إبطال معاهدة بورتسموث.

ثانيا : حل المجلس النيابي القائم واجراء انتخابات جديدة.

ثالثا : التحقيق مع المتسببين في قتل أبناء الشعب.

رابعا : احترام الحريات الدستورية.

خامسا : افساح المجال للنشاط الحزبي.

سادسا : حل مشكلة الغذاء.

وبالفعل الغت حكومة (الصدر) معاهدة بورتسموث وحلت البرلمان واجرت انتخابات جديدة، كما شكلت لجنة تحقيق مع المتسببين في قتل أبناء الشعب.

 

موقف مجلس الامة (الاعيان والنواب) :

عقد مجلس النواب بدورته الثانية عشر، فقد  توجه النائب محمد حديد بجلسة المجلس المنعقدة في 6 تموز 1948 بسؤال الى مزاحم الباجةجي (رئيس الوزراء)، ومما جاء فيه :

“… بما أن حكومة صالح جبر قامت في حوادث كانون الثاني الماضي باطلاق النار على المتظاهرين التي رفضت المعاهدة (جبر – بيفن) الجائرة ووقع بسببها أناس شهداء وجرحى كثيرون، فان الحكومة تعتبر مسؤولة عن اراقة الدماء الزكية، مما يستلزم انزال العقاب بالذين أصدروا الأوامر باطلاق النار على أبناء الشعب في تلك الحركة المباركة”.

كما وجه النائب عبد الجبار الجومرد، انتقادا شديدا لطبيعة الحكم في العراق واضعا هذا الحكم ووزرائه بمعاني كثيرة تتصل لشيئين أساسيين : “الديمقراطية المنافقة” و “الدكتاتورية المؤقتة”، واختتم حديثه قائلا : “المجالس النيابية تمثل الامة، والامة التي لا تثق بمجلسها النيابي ولا تعتقد ان لها ممثلا ولا تحس بوجوده تتفجر في الشوارع أو على ضفاف الفرات او على جبال الشمال.

ان الشعب انتبه ووعى وذلك بوثبة كانون الثاني 1948 والتي أسماها بالثورة المباركة الكبرى”.

كما عقد أعضاء مجلس الأعيان المعاهدة جلسة استنكارية. فقد استنكر العين مولود باشا مخلص ذلك بقوله : “أين الاستقلال وأي امة من الامم تقبل أن يكون الأجانب روؤساءوها ثم تقول الاستقلال؟ … هذا خيال في خيال ..”.

كما تحدث العين صادق البصام مبينا أن النفوذ البريطاني قضى على كيان العراق وعلى استقلاله، وطلب من الحكومة أن تعد نفسها حكومة عراقية وأن تزيل كل مانع أو سد أقامته السلطات البريطانية في العراق، وقال: “… احكمونا قسرا … اشنقونا … املاءوا المعتقلات بنا … فنحن نرحب بمثل هكذا أعمال بدلا من أن تمكنوا الاجنبي أن يثبت أقدامه في ربوع المملكة …”.

كما أشار العين مصطفى العمري الى أن في المعاهدات ما يمس العراق كوجود المطارات والخبراء والجيوش واستخدام الطرق والمواصلات. وتكلم العين حمدي الباجه جي قائلا : ” نريد من بريطانيا أن نكون أصدقاء لا أن تكون مسيطرة علينا”. وقد رفض مجلس الأعيان معاهدة بورتسموث.

ومما يظهر فقد اتسمت الوثبة بشمولها وهزت أعماق الجماهير الشعبية وعبرت عن وحدة الموقف، حيث لم تكن مقتصرة على العاصمة وحدها بل امتدت الى أنحاء العراق وكانت الشعارات والمطاليب متشابهة في المعاني والأهداف.

 

لذا يمكن القول : أن الموقف الشعبي العراقي أسقط كل رهانات الانكليز المراهنة على السياسيين العراقيين المخضرمين.

 

للاستزادة يمكن الاطلاع على المصادر :

1 – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية،جزء 27 طبعة 8 (بغداد،1988).

2 – خميس خزام ولي، وثبة كانون الوطنية في العراق 1948، (بغداد،1979).

3 – لنص المعاهدة، ينظر :

  • صدر الدين وشرف الدين، سحابة بورتسموث، (بيروت 1948).
  • فاروق صالح العمر، المعاهدات العراقية-البريطانية وأثرها في السياسة الداخلية (1922-19948)، (بغداد،1977).

4 – عادل غفوري خليل، أحزاب المعارضة العلنية في العراق (1946-1954)، (بغداد، 1980).

5 – محاضر جلسات مجلس النواب العراقي، الدورة الانتخابية الثانية عشرة، الجلسة المشتركة لمجلس الامة (الأعيان والنواب) في 21 حزيران 1948.