أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في 7 أبريل/ نيسان 2020 الماضي، أن الولايات المتحدة ستجري حوارًا استراتيجيًا مع الحكومة العراقية في منتصف يونيو/ حزيران 2020.
حيث قال “مع اندلاع وباء COVID-19 العالمي وتراجع عائدات النفط التي تهدد بالانهيار الاقتصادي العراقي، من المهم أن تعمل حكومتا البلدين معًا لوقف أي انعكاس للمكاسب التي حققناها في جهودنا لهزيمة تنظيم الدولة “داعش”، وتحقيق الاستقرار في البلاد. وستكون جميع القضايا الاستراتيجية بين بلدينا على جدول الأعمال، بما في ذلك الوجود المستقبلي لقوات الولايات المتحدة في ذلك البلد وأفضل السبل لدعم عراق مستقل وذو سيادة”.
كما أوضح الوزير أن الولايات المتحدة ستضطر إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في العراق في ظل الضغط المتزايد لقوات الحشد الشعبي الإيرانية والعراقية على وجود القوات الأمريكية في العراق، وتأثير فيروس كورونا على الاقتصاد العراقي وعدم وجود وحدة سياسية واضحة في العراق. وذكر أن الولايات المتحدة ستدعم أي نظام عراقي يتحرك، “بعيداً عن النموذج الطائفي القديم الذي انتهى به المطاف الى الإرهاب والفساد”.
إن تحديد مثل هذه الأهداف لحوار استراتيجي هو خطوة حاسمة نحو خلق شكل من أشكال العلاقة الدائمة بين الولايات المتحدة والعراق، وخطوة من شأنها مواجهة التطرف وإيران. في الوقت نفسه، يشبه أيضًا إجراء حوار استراتيجي مع شبح. فليس لدى الحكومة العراقية مسار واضح لقيادة فعالة، وهي مختلة وفاسدة على كل المستويات. والسياسة العراقية منقسمة بعمق، وتعكس هذه الانقسامات إخفاقات عميقة ومتنامية.

الاقتصاد والأمن
إن الاقتصاد العراقي هو أيضا شيء كـ “الشبح”. ويواجه انهيارًا قريبًا بسبب الانخفاض العالمي في الطلب على البترول بسبب كل من فيروس كورونا و “حرب النفط” بين روسيا والمملكة العربية السعودية.
لقد كان ضعيف وغير مستقر حتى قبل أن تبدأ هذه الأزمات، ولديه قطاعات زراعية وصناعية ضعيفة، وتأثر بالنخبة العراقية المنقسمة التي استحوذت على حصة كبيرة جدا بدلاً من تحقيق توزيع دخل يجلب الاستقرار للعراق. كما أن البلد مقسم على مستوى طائفي وعرقي، ويواجه انقسامات متزايدة لأن اقتصاده لم يخدم شعبه.
وأخيرًا، لم يقم العراق ولا الولايات المتحدة بتحول وظيفي، بعيدًا عن المعركة لتفكيك “خلافة” تنظيم الدولة “داعش”، في إنشاء قوات أمن عراقية فعالة موحدة، وتخدم الحكومة المركزية، وتتعامل مع التهديد المستمر من تنظيم “داعش” والمتطرفين الآخرين، ويمكنها الدفاع عن العراق كدولة من التهديدات الإقليمية المحتملة مثل إيران. قد يكون من الظلم وصف قوات الأمن العراقية المنقسمة بأنها “شبح” العراق الثالث، لكن مشكلة هذه القوات أن الماضي يطاردها أكثر من التحرك نحو مستقبل واضح.
وبناءً على ذلك، يجب أن يعالج حوار استراتيجي هادف بين الولايات المتحدة والعراق جميع هذه المجموعات الثلاث من القضايا أو الأشباح، السياسة والحكم، والاقتصاد والأمن. ولا يمكن الاستمرار في التركيز على الأمن فقط، وخاصة على تنظيم الدولة “داعش”. يجب على العراق أن يجد حلوله الخاصة في كل حالة، ولا يمكن للولايات المتحدة مساعدة عراق لا يمكنه أن يتحد أو يتصرف لدرجة أنه يستطيع مساعدة نفسه. وفي الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة أن تقرر ما إذا كانت ستلتزم ببذل جهد متواصل لمساعدة العراق على الظهور كدولة موحدة وقوية بما يكفي لمنع المزيد من الصراع الأهلي والتصرف بشكل مستقل عن الضغوط والتهديدات الإيرانية.
مساعدات اقتصادية
العنصر الحاسم الآخر في الحوار الاستراتيجي هو ضرورة قيام الولايات المتحدة بدعم المساعدات الاقتصادية كحافز رئيس للتقدم العراقي التي لا تركز على الأمن وحده. وهنا، تحتاج الولايات المتحدة إلى القيام بما فشلت به في أفغانستان والعراق خلال الفترة 2003-2011. عليها أن تعمل مع العراق لخلق برنامج مساعدة اقتصادية مشروطة ومرتبطة بكل من الإصلاحات الرئيسة والتوزيع الأمين والعادل لهذه المساعدة.
يجب أن تكون هذه المساعدة دولية قدر الإمكان، ويجب أن تكون مرتبطة بالقروض المشروطة بدلاً من من المنح. ستكون فترات فيروس كورونا وما بعده هي تلك التي ستمنح فيها أموال المساعدة ويجب أن تكون نادرة للغاية في أحسن الأحوال. ومع ذلك، يجب أن يكون العراق قادراً على سداد معظم المساعدات بمرور الوقت. والقروض يمكن أن تكون مرنة ومسامحة في بعض الأحيان.
إن تدويل المساعدة سيقلل الضغط على الولايات المتحدة. ربما بجمع أموال إضافية، والقيام على سبيل المثال ببناء القوات العراقية ومن ثم المغادرة، وهو مايسمح بتقليل عتبة التوتر مع إيران.
يجب السيطرة على التدفق النقدي. وأي تعديلات في مستويات الدفع أو سداد القروض، يجب أن تجري بناء على صدق وفعالية المسؤولين والشركات العراقية في استخدام المساعدات الأمريكية.
قد لا تحب الشخصيات السياسية في البلدان المتلقية مثل العراق المساعدة المشروطة، لكن الحقيقة هي أن كثير جدا من هؤلاء المسؤولين هم أكثر اهتماما بجشعهم من أي جانب من جوانب السيادة أو رفاهية شعبهم.
في الواقع، فإنه يجب على الولايات المتحدة وشركاؤها العمل على الإطاحة علناً بالمسؤولين العراقيين بدلاً من تكرار الدعوات لحملة وطنية لمكافحة الفساد، وينبغي أن تنظر بجدية في حرمان هؤلاء المسؤولين وأسرهم من تأشيرات الدخول.
ليس هناك جدوى من استمرار التاريخ الطويل للمطالبة بمكافحة الفساد والجهود الداخلية، التي يبدو أنها تنتهي دائمًا بمعاقبة أولئك الذين يحاولون الدفع نحو العمل الصحيح أو تُستخدم لمعاقبة المنافسين وكباش الفداء.
بعد كل هذا، من الواضح تمامًا أن هذه الخطوات قد لا تطرد كل أو معظم “أشباح” العراق.
ومع ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تمنح العراق خيارات صالحة وألا تكرر ببساطة أخطائها السابقة. في الوقت نفسه، من الواضح تمامًا من النطاق المتزايد لأزمة فيروس كورونا أنه لن يكون هناك موارد كافية لتلبية كل حاجة صالحة لمثل هذه المساعدة. إذا كان المسؤولون العراقيون لا يستطيعون تعلم كيفية الاستخدام الجيد للمساعدات، بينما دول أخرى يمكنها ذلك بالتأكيد. في هذه الحالة، فإن هذه الدول هي التي يجب أن تحصل على دعم ومساعدة الولايات المتحدة.

انتوني كوردسمان/ مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية
ترجمة وتحرير: راسام