جاسم الشمري

 

الكتابة عن الأعلام المجددين ليس هيناً، ولهذا سنحاول أن نجمع ما كتب عنهم من باب الانصاف، وتسليط الضوء على مسيرتهم المليئة بالخير والعطاء والسلام والمحبة، وكذلك لأنهم شموس مضيئة في عالم الفكر ليس الإسلامي فحسب، بل في الفكر العالمي وينبغي الاقتداء بهم!

ولا يذكر التجديد إلا ويذكر معه السيد جمال الدين الأفغاني، فهو إمام المجددين المعاصرين، والسيد الأفغاني هو محمد بن صفدر الحسيني، والملقب بـ(جمال الدين): (1254 – 1315 هـ = 1838 – 1897)، وهو فيلسوف الإسلام في عصره، وأحد الرجال الأفذاذ الذين قامت على سواعدهم نهضة الشرق الحاضرة.

ولد الأفغاني في أسعد آباد (بأفغانستان) ونشأ بكابل، وتلقى العلوم العقلية والنقلية، وبرع في الرياضيات، وسافر إلى الهند، وحج (سنة 1273هـ) وعاد إلى وطنه، فأقام بكابل. وانتظم في سلك رجال الحكومة في عهد (دوست محمد خان) ثم رحل ماراً بالهند ومصر، إلى الآستانة (سنة 1285) فجعل فيها من أعضاء مجلس المعارف، ونفي منها (سنة 1288) فقصد مصر، فنفخ فيها روح النهضة الإصلاحية، في الدين والسياسة، وتتلمذ له نابغة مصر الشيخ محمد عبده، وكثيرون.

وفي مصر أصدر (أديب إسحاق)، وهو من مريديه، جريدة (مصر) فكان الأفغاني يكتب فيها بتوقيع (مظهر بن وضاح) أما منشوراته بعد ذلك فكان توقيعه على بعضها (السيد الحسيني)، أو (السيد).

وبعدها نفته الحكومة المصرية (سنة 1296) فرحل إلى حيدر آباد، ثم إلى باريس. وأنشأ فيها مع الشيخ محمد عبده جريدة (العروة الوثقى) ورحل رحلات طويلة، فأقام في العاصمة الروسية (بطرسبرج) كما كانت تسمى حينها، أربع سنوات، ومكث قليلا في ميونيخ (بألمانيا) حيث التقى بشاه إيران (ناصر الدين)، ودعاه هذا إلى بلاده، فسافر إلى إيران. ثم ضيق عليه، فاعتكف في أحد المساجد سبعة أشهر، كان في خلالها يكتب إلى الصحف مبينا مساوئ الشاه، محرضا على خلعه.

وهنا يبدو أن الأفغاني لم تمنعه الضيافة من قول رأيه في شاه إيران، وهذا يؤكد تفانيه من أجل قول الحق!

ومن هنا خرج من إيران الى أوربا، ونزل بلندن، فدعاه (السلطان عبد الحميد) إلى الآستانة، فذهب وقابله، وطلب منه السلطان أن يكف عن التعرض للشاه، فأطاع.

وعلم السلطان بعد ذلك أنه قابل (عباس حلمي) الخديوي، فعاتبه قائلا: أتريد أن تجعلها عباسية؟ ومرض بعد هذا بالسرطان، في فكه، وتوفي بالآستانة. ونقل رفاته إلى بلاد الأفغان سنة 1363!

كان الأفغاني عارفاً باللغات العربية والأفغانية والفارسية والسنسكريتية والتركية، وتعلم الفرنسية والإنجليزية والروسية، وإذا تكلم بالعربية فلغته الفصحى، واسع الاطلاع على العلوم القديمة والحديثة، كريم الأخلاق كبير العقل، لم يكثر من التصنيف اعتماداً على ما كان يبثه في نفوس العاملين وانصرافاً إلى الدعوة بالسر والعلن.

كتب الأفغاني العديد من الكتب منها: (تاريخ الأفغان – ط) و(رسالة الرد على الدهريين – ط) ترجمها إلى العربية تلميذه الشيخ محمد عبده.

وجمع محمد باشا المخزومي كثيراً من آرائه في كتاب (خاطرات جمال الدين الأفغاني – ط) ولمحمد سلّام مدكور كتاب (جمال الدين الأفغاني باعث النهضة الفكرية في الشرق – ط) في سيرته.

والأفغاني رجلُ سياسةٍ تولّى رئاسة الوزارة في بلده في ظل الأمير محمد أعظم، وذهب إلى الآستانة بدعوة من السلطان عبد العزيز الذي عيّنه عضواً في مجلس المعارف. واستقبله الخديوي إسماعيل بمصر، وتوجّه إلى إيران بدعوة من الشاه ناصر الدين. وكان آخر مطافه الآستانة لمّا استدعاه السلطان عبد الحميد الثاني للإقامة بها، وهو فيما بين هذه الخطط والوظائف التي تقلّب فيها، وباشرها من قريب، قد خَبَر أحوال المجتمعات الإسلامية، واستَكْنَهَ أسرارَ دُولِها وشعوبها، وتنقَّل هنا وهناك بين أقطار العالم الإسلامي وغربي البلاد الأوروبية، ناقداً ثائراً، داعياً وموجهاً، مكتسحاً بآرائه وأقواله كل الطبقات والأوساط، مستفزّاً للطغاة. فكان – كما نعته خلطاؤه – رجلَ الأمل واليأس، والثورة والهدأة، ورجل الواقع والحُلم، يحمل في أفكاره ونشاطاته بذور اليقظة والنهضة بما كشف عنه من مواقف، ودلّ عليه من نزعات. وقد عرّض به ذلك إلى غضب خُصومِه، من أصحاب الانقلاب بأفغانستان، وغضبِ الخديوي توفيق بمصر، والشاه بإيران، والإنجليز بالهند. وكان بعدَ ذلك مستهدَفاً لكل الأنظمة الجائرة في بلاد الإسلام قاطبة، لكونه زعيم المسلمين وداعية من أكبر دعاة الحرية.

وكانت مجلة العروة الوثقى، التي تولّى إصدارها بمشاركة محمد عبده له بباريس، الصحيفة الذائعة، الناشرة لآرائه، والداعية إلى نهضة العالم الإسلامي واتحاده، وإلى الثورة على الاستعمار أينما كان. وقد سارت على نهج العروة الوثقى مجلة “ضياء الخافقين” التي كانت تصدر عنه باللغة العربية والإنجليزية أيام إقامته ببريطانيا.

أيقن الأفغاني بتسلّط القوى الاستعمارية، وحِقدها وتهديدها لدولة الخلافة، ولسائر البلاد الإسلامية والعربية. وكان أولَ من آمن بسيطرة الغرب على الشرق الإسلامي، وكانت نظرتُه متفحّصة، دقيقة وواقعية، فتمثل عواقب ذلك فيما إذا طال عهدها وامتد سلطانها، وأدرك شؤم المستقبل وما سينزل بساحة الإسلام والمسلمين من النوائب الكبرى إذا هم رضوا بالمهانة وسكتوا عن الظلم.

دَفَعَه إيمانه بالقضية الإسلامية إلى تحريك العقول وإلهاب العواطف، والتأكيد على مراجعة النفوس وعلاجها وتنقيتها من أسباب الضعف والوهن، وتوجيهِها إلى أسباب القوة، معلناً بين أنصاره: “إنه متى ضعف ما كان سبباً في الصعود يحصل الهبوط والانحطاط، وإنه متى زال ما كان سبباً للسقوط يحصل الصعود”.

وللأفغاني أثره البين في نهوض الشرق وتطلعه إلى الحرية، فقد ظل الشرق زمناً طويلاً خاملاً يرزح تحت نير العبودية، ويرسف في أغلال الاستعمار؛ فلما جاء السيد جمال الدين نفخ فيه روح اليقظة، وأهاب بالأمم الإسلامية أن تطرح ذلك الجمود الفكري وتلك الأوهام التي ليست من الإسلام في شيء، والتي كانت سبباً في تأخر المسلمين!

لقد كان شأن الأفغاني في الناحية الدينية مثل شأن (مارتن لوثر) في الديانات المسيحية؛ وكان شأنه في الناحية الفكرية مثل (جان جاك روسو) وغيره من فلاسفة الفكر العالمي؛ وكان شأنه في السياسة وتحرير البلاد من يد الغاصب مثل شأن (واشنطن) محرر (أمريكا) و(مازيني) محرر إيطاليا وغيرهما من رجال السياسة، وبالجملة كان لجمال في كل ناحية من نواحي الإصلاح والتجديد أثر ظاهر وفضل لا ينكر!

ومن هنا أتصور إننا اليوم أحوج ما نكون لجرأة الأفغاني، ولقلمه الحرّ، ولمواقفه الثابتة الصلبة، ولتضحياته من أجل الأمة، ولقدرته المذهلة في العمل من أجل قضايا الأمة من أقصاها إلى أقصاها، فمتى سنتعلم الاستفادة من دراسة السير الذاتية والعلمية والنضالية والفكرية لهؤلاء الأعلام لتغيير واقعنا المزري المليء بالكثير من الخوف والخنق والاضطهاد؟

 

 

 

المصادر:

  1. الأعلام، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ).
  2. معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، مكتبة المثنى – بيروت، دار إحياء التراث العربي بيروت
  3. الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
  4. مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ).
  5. مجلة الرسالة، 245/ 36.

 

 

خاص براسام